مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
هناك تعبٌ يزول بالنوم، وتعبٌ آخر لا يعرف النوم طريقًا إليه.
تستيقظ صباحًا وكأنك لم تنم، تؤدي أعمالك دون شغف، تتحدث مع الآخرين دون رغبة، وتبتسم أحيانًا لأن الابتسام أصبح جزءًا من الدور الذي اعتدت أن تؤديه، بينما في داخلك سؤال صامت:
إلى متى أستطيع أن أستمر؟
هنا يبدأ أحد الوجوه الخفية للاحتراق النفسي؛ ذلك الاستنزاف الذي لا يظهر دائمًا على ملامح الإنسان، فقد يبدو ناجحًا ومنتجًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته، بينما يشعر داخليًا بأن طاقته تنفد شيئًا فشيئًا.
والاحتراق النفسي، في الأدبيات النفسية، ليس مجرد تعب عابر، وإنما استجابة ممتدة للضغوط المزمنة، وخصوصًا في سياق العمل، وترتبط أبعاده الأساسية بالإنهاك، والتبلد أو السخرية تجاه العمل، والشعور بانخفاض الفاعلية والكفاءة. [1]
عندما يتحول التحمل إلى استنزاف
نحن نعيش في ثقافة تمجّد التحمل.
نقول للمتعب: تحمّل.
وللحزين: كن قويًا.
ولمن يطلب الراحة: ليس الآن.
ولمن يقول إنه لم يعد قادرًا: الجميع لديهم مسؤوليات.
لكن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه هو:
من قال إن الإنسان يجب أن يكون قويًا طوال الوقت؟
إن التحمل فضيلة عندما يكون مؤقتًا ومرتبطًا بهدف، لكنه قد يتحول إلى استنزاف عندما يصبح أسلوب حياة.
وقد كان الطبيب النفسي هربرت فرودنبرغر من أوائل من استخدموا مفهوم Burnout في الأدبيات النفسية الحديثة، إذ ناقش مظاهر الاستنزاف الجسدية والسلوكية وتأثيراته في الجوانب الانفعالية والمعرفية والحكم على الأمور، كما تناول العلاقة بين التفاني والالتزام وبين احتمال الوقوع في الاحتراق. [2]
وهنا تكمن المفارقة:
قد لا يحترق الإنسان لأنه لا يحب ما يفعل، بل لأنه أعطى ما يحب أكثر مما يستطيع.
عندما يفقد الإنسان معنى ما يفعل
من أعمق الأسئلة المرتبطة بالإنهاك النفسي سؤال المعنى:
لماذا أعمل؟
لماذا أتحمل؟
لماذا أواصل؟
وإلى أين يأخذني كل هذا؟
وهنا تبرز أفكار الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، الذي جعل البحث عن المعنى محورًا أساسيًا في رؤيته للإنسان والعلاج النفسي بالمعنى (Logotherapy). فقد رأى أن الإنسان يستطيع مواجهة قدر كبير من المعاناة عندما يجد لها معنى أو غاية تتجاوز الألم ذاته. [3]
ولهذا ارتبط بفرانكل القول الشهير:
««من لديه سبب ليعيش من أجله، يستطيع تحمّل كل كيف.»»
والفكرة الأعمق ليست أن المعاناة تصبح سهلة عندما نجد المعنى، وإنما أن المعنى يمنح الإنسان إطارًا نفسيًا يستطيع من خلاله مواجهة المشقة.
وقد يكون هذا مهمًا في فهم الاحتراق النفسي؛ فالإنسان قد يتحمل ساعات طويلة من العمل عندما يشعر أن عمله رسالة، بينما قد يستنزفه عمل أقل عندما يشعر أنه بلا قيمة أو غاية.
وهنا يصبح السؤال:
هل أنا متعب من العمل، أم متعب من عمل فقد معناه؟
الاحتراق النفسي ليس مسؤولية الفرد وحده
تشير أعمال ماسلاش وزملائها إلى أن الاحتراق لا يمكن فهمه باعتباره مشكلة داخل الإنسان فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى العلاقة بين الفرد وبيئة العمل والتنظيم والضغوط المحيطة به. [1]
ولهذا فإن تحميل الإنسان وحده مسؤولية احتراقه قد يكون ظلمًا.
فقد يعمل في بيئة تفتقر إلى التقدير، أو يواجه مطالب تفوق الموارد المتاحة، أو يعيش تحت ضغط مستمر دون مساحة كافية للتعافي.
وفي بحث لاحق، أكدت ماسلاش ولايتر أن فهم الاحتراق النفسي يحتاج إلى النظر إلى مصادره ونتائجه في سياق العمل، وليس اختزاله في ضعف شخصي لدى الفرد. [4]
وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة:
ليس كل إنسان محترق بحاجة إلى أن يصبح أقوى؛ بعض الناس بحاجة إلى أن تصبح البيئة التي يعيشون ويعملون فيها أكثر إنسانية.
نحن لا نتعب فقط مما يحدث لنا
في الفلسفة الرواقية، نجد اهتمامًا كبيرًا بالتمييز بين ما يقع تحت سيطرتنا وما يقع خارجها.
وتُعبّر أفكار ماركوس أوريليوس عن هذا الاتجاه في التأكيد على أن الإنسان يستطيع العمل على موقفه الداخلي واستجابته للأحداث، حتى عندما لا يستطيع التحكم في الأحداث الخارجية.
وهذه الفكرة تكتسب أهمية نفسية كبيرة.
فنحن لا نستطيع التحكم في رأي الجميع.
ولا نستطيع التحكم في المستقبل.
ولا نستطيع منع كل خسارة.
ولا نستطيع أن نضمن أن يفهمنا الآخرون دائمًا.
لكننا نستطيع أن نسأل:
ما الذي أستطيع فعله الآن؟
فمحاولة السيطرة على كل شيء قد تجعل الإنسان يعيش في حالة استنفار دائم، بينما يساعده التمييز بين الممكن والمستحيل على توجيه طاقته إلى ما يستطيع تغييره فعلًا.
القلق… معركة أخرى داخل الرأس
يُروى عن الفيلسوف الرواقي سينيكا قوله:
««نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع.»»
والعبارة، حتى لو اختلفت ترجمتها بين الطبعات، تلخص جانبًا مهمًا من التفكير الرواقي في القلق والتوقع.
فالإنسان قد يعيش المشكلة مرة عندما تحدث، لكنه قد يعيشها عشرات المرات في ذهنه قبل حدوثها.
يخاف من الفشل.
يتوقع الأسوأ.
يفكر في الغد.
يعيد مواقف الماضي.
ويحاول إرضاء الجميع.
وبذلك قد يصبح جسده في حالة راحة، بينما عقله يخوض معركة لا تتوقف.
ومن هنا يمكن القول إن بعض الاستنزاف النفسي لا يأتي فقط من عدد المهام التي ننجزها، وإنما من عدد المعارك التي نخوضها داخل عقولنا.
الإنسان الذي يعطي الجميع وينسى نفسه
هناك أشخاص اعتادوا أن يكونوا سندًا للآخرين.
يساعدون الجميع.
يستمعون للجميع.
يتحملون مشكلات الجميع.
ويجدون صعوبة في قول كلمة «لا».
يبدو هؤلاء أقوياء، لكن الإنسان الذي لا يضع حدودًا لطاقة عطائه قد يصل في النهاية إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على إعطاء أي شيء.
وهنا يصبح من الضروري التفريق بين العطاء الصحي واستنزاف الذات.
أن تساعد الآخرين لا يعني أن تهمل نفسك.
وأن تحب الناس لا يعني أن تحمل مشكلاتهم كلها.
وأن تكون مسؤولًا لا يعني أن تكون مسؤولًا عن كل شيء.
وقد أشارت أبحاث الاحتراق النفسي إلى أهمية البعد العاطفي والاجتماعي في هذه الظاهرة، بما في ذلك التباعد النفسي والتبلد تجاه العمل والآخرين عندما يستمر الاستنزاف. [1][4]
أرسطو وفكرة التوازن
تتصل هذه القضية أيضًا بفكرة الاعتدال في فلسفة أرسطو؛ فالحياة الجيدة عنده لا تقوم على الإفراط، وإنما على ممارسة الفضائل بصورة متوازنة.
ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر إلى حياتنا المعاصرة:
الإفراط في العمل قد يستنزف الإنسان.
والإفراط في إرضاء الآخرين قد يستنزفه.
والإفراط في السعي وراء الإنجاز قد يستنزفه.
حتى الإفراط في التفكير قد يستنزفه.
المشكلة ليست دائمًا في الشيء نفسه، بل في الطريقة التي نمارسه بها.
أبيقور وسؤال: هل نحتاج فعلًا إلى كل ما نطارد؟
تقدم فلسفة أبيقور منظورًا آخر يرتبط بالحياة البسيطة والتمييز بين الحاجات الطبيعية والرغبات التي لا تنتهي.
وهذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بعصرنا.
فقد لا يكون الإنسان مستنزفًا بسبب مسؤولياته الحقيقية فقط، وإنما بسبب الأشياء التي يشعر أنه يجب أن يحققها حتى يثبت قيمته أمام الآخرين.
المزيد من المال.
المزيد من الإنجاز.
المزيد من الشهرة.
المزيد من الشهادات.
المزيد من الاعتراف الاجتماعي.
حتى يصل الإنسان إلى سؤال مؤلم:
لماذا أنا متعب رغم أنني حققت الكثير؟
وربما تكون الإجابة أحيانًا:
لأنك كنت تطارد ما يطلبه العالم منك، لا ما تحتاجه أنت فعلًا.
أخطر مراحل الاحتراق: أن يصبح التعب طبيعيًا
الاحتراق النفسي لا يبدأ عادة بانهيار مفاجئ.
قد يبدأ بتعب بسيط.
ثم قلة حماس.
ثم اضطراب في النوم.
ثم سرعة انفعال.
ثم ضعف التركيز.
ثم فقدان المتعة.
ثم شعور بأن كل شيء أصبح عبئًا.
ومع الوقت قد يتكيف الإنسان مع هذا الوضع ويعتبره طبيعيًا.
يقول:
«هكذا هي الحياة.»
«الجميع متعبون.»
«سأرتاح عندما تنتهي المسؤوليات.»
لكن المسؤوليات نادرًا ما تنتهي.
وهكذا يؤجل الإنسان حياته إلى موعد قد لا يأتي.
وتؤكد الأدبيات الحديثة حول الاحتراق أهمية فهم هذه الظاهرة بوصفها تجربة مرتبطة بالضغوط المزمنة في بيئة العمل، وما يترتب عليها من آثار في الصحة النفسية والأداء والعلاقة بالعمل. [1][4]
هل نحن متعبون من الحياة أم من الطريقة التي نعيشها؟
ربما يكون السؤال الأعمق:
هل نحن متعبون من الحياة، أم من الطريقة التي نحاول بها أن نعيشها؟
قد يكون الإنسان بحاجة إلى تغيير وظيفته.
وقد يكون بحاجة إلى الراحة.
وقد يحتاج إلى وضع حدود مع أشخاص يستنزفونه.
وقد يحتاج إلى إعادة النظر في أهدافه.
وقد يحتاج إلى طلب مساعدة متخصصة.
وقد يحتاج قبل كل شيء إلى أن يسأل نفسه:
هل هذه الحياة تشبهني؟
فالمشكلة ليست دائمًا في صعوبة الطريق، وإنما أحيانًا في أن الإنسان يسير طويلًا في طريق لم يختره.
التعافي ليس رفاهية
التعافي من الاحتراق النفسي لا يعني الهروب من المسؤوليات، وإنما إعادة تنظيم العلاقة معها.
أن نتعلم أن الراحة ليست كسلًا.
وأن قول «لا» ليس قسوة.
وأن طلب المساعدة ليس ضعفًا.
وأن الاعتراف بالتعب ليس هزيمة.
وقد تشمل الوقاية والتعامل مع الاحتراق إعادة النظر في مصادر الضغط، وتحسين ظروف العمل، واستعادة الموارد النفسية والاجتماعية، وبناء حدود أكثر صحة بين الإنسان وعمله وحياته. [4]
وفي الحالات التي يكون فيها الإنهاك شديدًا أو مستمرًا ويؤثر في الحياة اليومية، قد تكون الاستعانة بمختص نفسي خطوة مهمة.
الإنسان ليس آلة إنتاج
ربما كان من أكبر أخطاء العصر أن الإنسان بدأ يقيس قيمته بما ينتجه.
كم أنجزت؟
كم عملت؟
كم ربحت؟
كم شهادة حصلت عليها؟
كم مشروعًا أنجزت؟
لكن الإنسان أكبر من قائمة إنجازاته.
قيمته لا تبدأ من إنتاجيته ولا تنتهي عندما يتوقف عن العمل.
ولهذا فإن التوقف أحيانًا ليس فشلًا.
إنه استعادة للإنسان نفسه.
في النهاية…
ربما لا نحتاج دائمًا إلى أن نكون أقوى.
ربما نحتاج فقط إلى أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا.
أن نعترف بأننا تعبنا.
أن نضع بعض الأحمال جانبًا.
أن نتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.
أن نتعلم أن بعض المعارك لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها.
فالإنسان الذي يحترق وهو يضيء للآخرين يحتاج هو أيضًا إلى من يضيء له الطريق.
وقد يكون أول طريق التعافي أن نقول لأنفسنا:
«لقد تعبت… وهذا لا يعني أنني ضعيف.»
فالحياة ليست مسابقة في القدرة على التحمل.
والنجاح ليس أن تصل إلى النهاية وأنت منهك.
بل أن تصل، إن استطعت، وأنت ما زلت قادرًا على أن تشعر بالحياة.
لذلك يبقى عنوان هذه الرحلة أكثر من مجرد عبارة:
نحن لا نتعب من الحياة… بل من كثرة ما نتحمّل.
المراجع
[1] Maslach, C., Schaufeli, W. B., & Leiter, M. P. (2001). Job burnout. Annual Review of Psychology, 52, 397–422. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.52.1.397
[2] Freudenberger, H. J. (1974). Staff burn-out. Journal of Social Issues, 30(1), 159–165. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1974.tb00706.x
[3] Frankl, V. E. (2006). Man’s search for meaning. Beacon Press. (Original work published 1946).
[4] Maslach, C., & Leiter, M. P. (2016). Understanding the burnout experience: Recent research and its implications for psychiatry. World Psychiatry, 15(2), 103–111. https://doi.org/10.1002/wps.20311
[5] Aristotle. (2009). The Nicomachean ethics (W. D. Ross, Trans.). Oxford University Press.
[6] Aurelius, M. (2002). Meditations (G. Hays, Trans.). Modern Library.
[7] Seneca. (2015). Letters from a Stoic (R. Campbell, Trans.). Penguin Classics.
[8] Epicurus. (1994). The Epicurus reader: Selected writings and testimonia (B. Inwood & L. P. Gerson, Trans.). Hackett Publishing.
