Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

قرار مالي يوسع صلاحيات الولاة والعمال في تدبير الصفقات.. ماذا وراء تفويض فوزي لقجع؟

القنيطرة  / عبد الكامل بوكصة
خلافاً لما قد يوحي به عنوان القرار المتداول، فإن القرار رقم 1768.26، الصادر عن الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، والمنشور في العدد 7534 من الجريدة الرسمية خلال شهر غشت الجاري، لا يتعلق بتعيين ولاة أو عمال جدد.
الأمر يتعلق، في الواقع، بـتفويض الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات، وفسخها، إلى جانب الاتفاقيات المرتبطة بها، لفائدة عدد من الولاة والعمال، وذلك في إطار الاعتمادات المفوضة من الحساب الخصوصي للخزينة المسمى «صندوق التنمية الترابية المندمجة».
القرار، الذي يحمل تاريخ 5 غشت 2026، يستند إلى عدد من النصوص القانونية والتنظيمية، من بينها قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026، والمرسوم رقم 2.22.81 المتعلق بتفويض السلطة والإمضاء، والمرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، فضلاً عن المرسوم رقم 2.26.634 المتعلق بتعيين آمر بالصرف.
ليس تعييناً.. بل صلاحيات مالية إضافية
عند قراءة مضمون القرار بدقة، يتضح أن المسألة تتعلق بمنح مسؤولين ترابيين سبق تعيينهم صلاحيات محددة في مجال تنفيذ الصفقات والتدبير المالي.
فالمادة الأولى تنص على تفويض الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات وفسخها، وكذا الاتفاقيات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة من «صندوق التنمية الترابية المندمجة»، والمتعلقة بالنفقات الملتزم بها إلى غاية متم شهر ديسمبر 2025.
بمعنى آخر، لم يعد كل ملف يحتاج بالضرورة إلى المرور بكل حلقاته على المستوى المركزي، إذ أصبح بإمكان الولاة والعمال المعنيين ممارسة صلاحيات محددة في حدود الاعتمادات والصفقات التي يشملها التفويض.
من بين المستفيدين.. عامل القنيطرة
يشمل القرار لائحة واسعة من الولاة والعمال بمختلف جهات المملكة.
ومن بين الأسماء الواردة فيه والي جهة بني ملال-خنيفرة وعامل إقليم بني ملال محمد بنرباك، وعامل إقليم خريبكة هشام المدغري العلوي، وعامل إقليم خنيفرة محمد عادل أهوران، وعامل إقليم أزيلال حسن زيتوني، وعامل إقليم الفقيه بن صالح محمد قرناشي.
كما يشمل عدداً من عمال أقاليم جهة الدار البيضاء-سطات، إلى جانب مسؤولين ترابيين في ورزازات والرشيدية وميدلت وزاكورة وتنغير، فضلاً عن ولاة وعمال بعدد من جهات المملكة، من بينها فاس-مكناس، وكلميم-واد نون، والعيون-الساقية الحمراء، والداخلة-وادي الذهب، ومراكش-آسفي والشرق.
وتبرز ضمن اللائحة أسماء تهم جهة الرباط-سلا-القنيطرة، من بينها عامل إقليم القنيطرة عبد الحميد المزيد، وعامل إقليم سيدي قاسم عبد العزيز زروالي، وعامل إقليم الخميسات عبد اللطيف النحلي، وعامل إقليم سيدي سليمان إدريس روبيو، إلى جانب عدد من العمال بجهة سوس-ماسة.
لماذا «صندوق التنمية الترابية المندمجة»؟
هنا تكمن إحدى أهم دلالات القرار.
فالتفويض ليس مفتوحاً على إطلاقه، وإنما يرتبط بالاعتمادات المفوضة وبالصفقات والاتفاقيات الممولة في إطار «صندوق التنمية الترابية المندمجة».
أي أن الصلاحيات الجديدة لها حدود واضحة: مصدر الاعتمادات محدد، وطبيعة النفقات محددة، والصفقات المعنية محددة، كما أن التفويض نفسه مؤطر زمنياً.
ومن زاوية التدبير المالي، يمكن فهم هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتقريب القرار المالي من الميدان وتسريع تنفيذ المشاريع الترابية. فكلما تقلصت المسافة بين الجهة التي تتخذ القرار والجهة التي تتابع المشروع على الأرض، أمكن نظرياً تقليص آجال المساطر والتنفيذ.
القنيطرة حاضرة بقوة في القرار
وجود اسم عامل إقليم القنيطرة عبد الحميد المزيد ضمن المستفيدين من التفويض يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لمتابعي الشأن المحلي.
فالقنيطرة تعرف أوراشاً ومشاريع ترابية متعددة، وكل تفويض في مجال الصفقات يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على سرعة تدبير الملفات المرتبطة بالأشغال والتوريدات والخدمات.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: التفويض لا يعني منح العامل شيكاً على بياض.
إنها صلاحيات محددة، تمارس داخل الإطار الذي رسمه القرار والقوانين والأنظمة المنظمة للصفقات العمومية والإنفاق العمومي.
الصلاحيات تتوسع.. والرقابة مستمرة
ومن غير الدقيق أيضاً تقديم القرار على أنه نوع من التخفيف من الرقابة على المال العام.
فالقرار نفسه يستند إلى النصوص المنظمة للصفقات العمومية وتفويض السلطة والإمضاء، كما أن التفويض مرتبط باعتمادات وصفقات محددة، وليس تفويضاً مطلقاً.
والأهم أن العمل بهذا التفويض يستمر إلى غاية 31 ديسمبر 2026، ما يؤكد أن الأمر يتعلق بإجراء مؤطر زمنياً وليس بصلاحية دائمة.
ماذا يعني القرار للمالية الترابية؟
يمكن اختصار الرسائل الأساسية لهذا القرار في ثلاث نقاط:
أولاً: تعزيز حضور المستوى الترابي في تنفيذ القرار المالي، من خلال تقريب سلطة الإمضاء والمصادقة من المشاريع الموجودة على أرض الواقع.
ثانياً: السعي إلى تسريع تنفيذ الصفقات، خصوصاً أن طول المساطر الإدارية قد ينعكس أحياناً على آجال إنجاز المشاريع.
ثالثاً: رفع مستوى المسؤولية الملقاة على عاتق المسؤولين الترابيين، لأن توسيع صلاحيات الإمضاء يعني أيضاً مسؤولية أكبر في حسن تدبير الاعتمادات واحترام قواعد الصفقات العمومية وحماية المال العام.
هل نحن أمام مرحلة جديدة في التدبير المالي الترابي؟
السؤال الأهم هنا لا يتعلق فقط بأسماء الولاة والعمال الذين شملهم القرار.
بل يتعلق بالاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه هذا النوع من التفويضات: هل تتجه الدولة نحو منح المسؤول الترابي هامشاً أكبر في اتخاذ القرار المالي وتسريع تنفيذ المشاريع؟
وهل ستساهم هذه الصيغة فعلاً في تقليص آجال إنجاز المشاريع وتحسين نجاعة الاستثمار العمومي على المستوى الترابي؟
وفي المقابل، تظل أسئلة الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة حاضرة بقوة. فالمطلوب اليوم ليس فقط تعبئة الاعتمادات، وإنما ضمان وصولها في الوقت المناسب إلى المشاريع، وتحويلها من أرقام في الوثائق المالية إلى أوراش منجزة يستفيد منها المواطن.
لذلك، فإن قرار فوزي لقجع رقم 1768.26 لا ينبغي اختزاله في مجرد لائحة تضم أسماء ولاة وعمال. إنه، في جوهره، خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة توزيع بعض أدوات القرار المالي بين المركز والمستوى الترابي.
أما الاختبار الحقيقي، فسيكون على الأرض: هل ستتسارع وتيرة إنجاز المشاريع؟ وهل ستتحسن جودة الصفقات؟ وهل سيظل المال العام محاطاً بكل الضمانات اللازمة؟
تلك هي الأسئلة التي ستكشف، في نهاية المطاف، القيمة الفعلية لهذا التفويض.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...