مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الرباط / آخر خبر
يجد مئات الصحافيين والعاملين بالمؤسسات الإعلامية أنفسهم أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، مع التوجه نحو إنهاء الآلية الاستثنائية للدعم العمومي المخصص للمساهمة في أداء الأجور، التي استمر العمل بها إلى غاية نهاية شتنبر الماضي. ويعيد هذا التحول إلى الواجهة سؤالا جوهريا حول مستقبل الحماية الاجتماعية للعاملين في قطاع الصحافة، وحدود مسؤولية الدولة في مواكبة انتقال منظومة الدعم من صيغة استثنائية إلى أخرى قائمة على شروط أكثر ارتباطا بالوضعية القانونية والمالية للمقاولات.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في طريقة صرف الأموال العمومية، بل بتحول قد تكون له انعكاسات مباشرة على استقرار المقاولات الصحافية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مستخدميها، خصوصا المؤسسات التي تعاني هشاشة مالية أو اختلالات في تدبير مواردها. ففي غياب ضمانات واضحة لحماية الأجور وانتظام صرفها، يظل الصحافي معرضا لتحمل تبعات قرارات مالية لا يشارك في صنعها، رغم أن استقراره المهني يشكل أحد الشروط الأساسية لاستمرار العمل الإعلامي.
وتقوم الصيغة الجديدة على توجيه الدعم مباشرة إلى المقاولات الصحافية التي تستوفي الشروط القانونية والضريبية والاجتماعية، في توجه يرمي، من حيث المبدأ، إلى تنظيم الاستفادة وربط التمويل العمومي بوضعية المؤسسات المستفيدة. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطا بمدى وضوح معايير الانتقاء، وشفافية توزيع الموارد، ووجود آليات للمراقبة تحول دون أن يتحول الدعم إلى امتياز مالي لا ينعكس على أوضاع الصحافيين والعاملين.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ضوء المعطيات المرتبطة بانتخابات ممثلي المقاولات الصحافية بالمجلس الوطني للصحافة، التي أظهرت، وفق الأرقام المتداولة، أن 59 مقاولة فقط من أصل 379 استوفت شروط المشاركة. وتكشف هذه النسبة عن اتساع الفجوة بين عدد المؤسسات العاملة في القطاع وتلك القادرة على استيفاء الشروط المطلوبة، بما يستدعي بحث الأسباب الحقيقية وراء هذا الوضع، سواء تعلق الأمر بالامتثال القانوني والاجتماعي أو بالقدرة المالية والإدارية للمقاولات.
ولا يمكن اختزال هذا المعطى في مجرد تعثر إداري، كما لا يصح اعتباره دليلا كافيا، بمفرده، على حجم الاختلالات داخل القطاع. فهو يفرض، في المقابل، تقييما موضوعيا لسياسات التأهيل والمراقبة، ومدى قدرة الإجراءات المعتمدة على دفع المؤسسات نحو تسوية أوضاعها، دون إغفال الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغيرة والمتوسطة في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها سوق الإعلام.
وفي السياق ذاته، يطرح تخصيص غلاف مالي بقيمة 247 مليون درهم لدعم المقاولات الصحافية، ضمن مشروع قانون المالية، ضرورة الكشف عن تفاصيل توزيع هذا المبلغ، والمعايير التي ستحدد المستفيدين منه، والضمانات التي ستكفل توجيهه إلى الأهداف المعلنة. فالمعيار الحقيقي لنجاعة الدعم لا يرتبط بحجم الاعتمادات المرصودة وحده، بل بمدى تأثيرها على استقرار المؤسسات، وتحسين ظروف اشتغال الصحافيين، وضمان حقوقهم المالية والاجتماعية.
كما أن الانتقال إلى صيغة جديدة للدعم يقتضي توضيح التدابير المواكبة، ولا سيما بالنسبة للمقاولات التي قد تجد صعوبة في استيفاء الشروط المطلوبة أو ضمان استمرارية نشاطها. فالتشدد في معايير الاستفادة، إذا لم يقترن بآليات للتأهيل والمراقبة والمواكبة، قد يوسع الفوارق داخل القطاع، ويضعف فرص استمرار بعض المؤسسات، بما قد ينعكس سلبا على مناصب الشغل والتعددية الإعلامية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في إنهاء صيغة دعم واعتماد أخرى فحسب، وإنما في بناء منظومة تمويل عمومي واضحة وفعالة، تربط الاستفادة بالشفافية والالتزام القانوني والاجتماعي، وتضمن في الوقت نفسه عدم المساس بحقوق العاملين. فإصلاح المقاولة الصحافية لا يمكن أن يتحقق على حساب الصحافي، كما أن حماية المال العام تقتضي التأكد من أن الدعم يؤدي وظيفته الفعلية في تقوية المؤسسات وتحسين جودة العمل الإعلامي، لا أن يظل مجرد اعتمادات مالية لا تظهر آثارها بالضرورة في ظروف اشتغال من يشكلون أساس المهنة.
