Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

تحصين الفضاء الرقمي بين الرباط ونواكشوط: أبعاد التنسيق الإعلامي المشترك وانعكاساته على توازنات المنطقة..بقلم/ ميمونة الحاج داهي

أحدث البلاغ المشترك بين النقابة الوطنية للصحافة المغربية ونقابة الصحفيين الموريتانيين صدمة جيوسياسية مزدوجة في كل من الجزائر العاصمة ومخيمات الرابوني، متجاوزا أثره المهني المباشر ليصيب العصب الحساس للمشروع الدعائي المشترك للطرفين، والذي يهدف تاريخيا إلى عزل المغرب عن محيطه الإفريقي.
هذا الانزعاج البالغ، الذي انعكس سريعا في حدة التناول والتشنج الإعلامي عبر القنوات والمنصات الرسمية الجزائرية، لم يكن وليد صدور وثيقة عادية، بل لكونها كشفت بأصابع اتهام موريتانية ومغربية مشتركة عن الآلية السرية لـ”الحرب بالوكالة الرقمية” التي تشنها غرف العمليات لتسميم العلاقات بين الجارين.
لقد استثمر المطبخ السياسي في الجزائر بكثافة في بناء كتائب إلكترونية وحسابات وهمية عابرة للحدود، ركزت طيلة الأشهر الماضية على تضخيم أي احتكاك تجاري أو سياسي عابر، وجاء هذا البلاغ ليصف هذه التحركات بـ”الاستعمال المشبوه والحملات المغرضة”، ما يعني أن المخطط الجزائري لطعن الثقة بين الرباط ونواكشوط قد جرى رصده وتفكيكه علنا.
العمق الحقيقي لهذا التحول الاستراتيجي يكمن في سد الثغرات التي كانت الجزائر والبوليساريو تراهنان على اختراقها للضغط غير المباشر على المواقف السياسية لنواكشوط، حيث دأب الطرفان على محاولة استغلال هامش الحرية الإعلامية في موريتانيا لتحويلها إلى منصة خلفية للهجوم على المصالح المغربية.
انخراط نقابة الصحفيين الموريتانيين في هذا البلاغ يمثل إعلانا صريحا عن “الحصانة السيادية” للإعلام الموريتاني، ورفضا قاطعا لتوظيفه كأداة في الصراع الإقليمي، وهو ما يفسر الهجوم الضمني الحاد الذي شنته الأقلام المحسوبة على الأطروحة الانفصالية ضد النخب الإعلامية الموريتانية، متهمة إياها بالانحياز، في حين أن نواكشوط تمارس في الواقع حماية أمنها القومي من الاختراق.
هذا التحصين الإعلامي والوعي المشترك لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن أمن المعابر البرية وحركة التجارة والاستقرار على طول الحدود المشتركة، وتحديدا في منطقة الكركرات التي تشكل الشريان الحيوي للمحور الأطلسي المغربي نحو إفريقيا جنوب الصحراء. تدرك الجزائر أن أي اختراق رقمي ينجح في صناعة كراهية متبادلة بين الشعبين، سيمهد الطريق حتما لخلق بيئة حاضنة للتوترات الميدانية وعرقلة المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي يمتد أثرها من الرباط إلى عمق القارة عبر الأراضي الموريتانية. لذلك، فإن تأمين الفضاء الرقمي بموجب هذا البلاغ المشترك يشكل جدار حماية مواز للتأمين العسكري والميداني للمعابر، ويحرم البوليساريو من استغلال الذباب الإلكتروني كبديل لعجزها الميداني على الأرض منذ تأمين معبر الكركرات.

هذا الغضب المكتوم والمكشوف في آن واحد في الجزائر وتندوف يثبت أن الأمن المهني والإعلامي بات امتدادا لا يتجزأ من الأمن القومي لبلدان المنطقة. لقد وجد محور الجزائر-البوليساريو نفسه أمام جدار صلب من الوعي المشترك الذي بناه الجسم الصحفي في البلدين، والذي نقل المعركة من تسيير الأزمات العابرة إلى التحصين الاستراتيجي طويل المدى. وما يؤكده هذا المشهد هو أن القوة الناعمة القائمة على التضليل الرقمي وفبركة المعارك الافتراضية قد استُنزفت وباتت بلا أثر، وأن الجسور التنموية والبشرية بين الرباط ونواكشوط باتت محمية بوعي نخبوي وشعبي عصي على الاختراق.


شاهد أيضا

شاهد أيضا