مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أعادت التصريحات التي أدلى بها محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال استضافته في برنامج «نقطة إلى السطر» على القناة الأولى، النقاش حول مستقبل عزيز أخنوش داخل الحزب، وحدود تأثيره بعد مغادرته رئاسة التنظيم وانتهاء تجربته على رأس الحكومة، في سياق سياسي يتجه فيه الحزب إلى إعادة ترتيب أوراقه استعدادا للمرحلة المقبلة.
ولم يقدم أوجار تأكيدا بشأن استقالة أخنوش من هياكل الحزب أو اعتزاله العمل السياسي، موضحا أنه لم يتوصل بأي قرار رسمي في هذا الشأن، وأن ما بلغه لا يتجاوز الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام. ويضع هذا الموقف مسألة مغادرة أخنوش للحياة السياسية في دائرة المعطيات غير المحسومة، بعيدا عن التعامل مع الأنباء المتداولة باعتبارها قرارا نهائيا.
غير أن أهمية التصريح لا تكمن فقط في توضيح موقف أوجار من هذه الأخبار، بل في الرسائل السياسية والتنظيمية التي حملها بشأن مستقبل التجمع الوطني للأحرار، وطبيعة المرحلة التي يدخلها بعد انتقاله من قيادة الحكومة إلى المعارضة، وتغيير قيادته، والاستعداد لعقد مؤتمره الوطني المقبل.
حرص أوجار على إبراز المكانة التي يحتلها أخنوش داخل تاريخ الحزب، مشيدا بالدور الذي اضطلع به خلال فترة قيادته، سواء على مستوى تطوير البنية التنظيمية أو تعزيز الحضور السياسي والانتخابي للتجمع الوطني للأحرار.
ويعكس هذا التقييم حرصا على الاعتراف بما راكمه الحزب خلال السنوات الماضية، خصوصا بعد النتائج التي حققها في انتخابات 2021، والتي مكنته من تصدر المشهد الحكومي. غير أن استحضار هذه الحصيلة لا يعفي التنظيم من ضرورة تقييم تجربته، ولا يحسم في طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه رئيسه السابق خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، شدد أوجار على أن مستقبل الحزب لا ينبغي أن يظل مرتبطا بشخص واحد، مهما كانت مكانته أو حجم إسهامه في مساره السياسي. وهي رسالة تفتح النقاش حول قدرة التنظيم على الانتقال من مرحلة ارتبطت بقيادة محددة إلى مرحلة تستند إلى المؤسسات والاختيارات الجماعية، مع الحفاظ على استمرارية المشروع السياسي للحزب.
وتبرز أهمية هذا الطرح في ظل التحولات التي أعقبت الانتخابات التشريعية، إذ لم يعد التحدي مقتصرا على الحفاظ على التماسك الداخلي، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الحزب على مراجعة أدوات اشتغاله، وتحديد موقعه في المعارضة، وتوضيح علاقته بالمرحلة الحكومية الجديدة.
إن صدور هذه المواقف خلال برنامج «نقطة إلى السطر» على القناة الأولى يمنحها بعدا يتجاوز مجرد التعليق على أخبار متداولة، بالنظر إلى أن النقاش جرى في فضاء إعلامي عمومي، وأمام الرأي العام، حول مستقبل أحد أبرز الفاعلين السياسيين خلال السنوات الماضية.
فأوجار لم يكتف بالتأكيد على غياب أي إشعار رسمي بشأن استقالة أخنوش، بل ربط الحديث عن مستقبل الحزب بضرورة الانفتاح على نخب جديدة، وإتاحة المجال أمام المناضلين والشباب للمشاركة في تحديد توجهاته المقبلة.
ويكشف هذا الربط عن وجود سؤال تنظيمي أساسي يواجه التجمع الوطني للأحرار: كيف يمكن الحفاظ على إرث القيادة السابقة، من دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام التجديد؟ وكيف يستطيع الحزب الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون اختزال التحول في مجرد تغيير على مستوى الرئاسة؟
ولا تعني هذه التساؤلات بالضرورة وجود خلاف داخلي، لكنها تبرز حجم الرهانات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، خصوصا في ظل الحاجة إلى تقديم قراءة واضحة للحصيلة السابقة، وتحديد الأولويات السياسية والتنظيمية للسنوات القادمة.
يرتقب أن يشكل المؤتمر الوطني المقبل محطة أساسية في تحديد ملامح المرحلة الجديدة داخل الحزب، سواء من خلال تقييم الأداء السياسي والانتخابي أو مناقشة آفاق القيادة والتنظيم وتوسيع مشاركة الكفاءات الجديدة.
وفي هذا السياق، دعا أوجار إلى فتح المجال أمام الطاقات الشابة والنخب المحلية والجهوية والوطنية لتولي المسؤوليات، معتبرا أن مستقبل الحزب لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن المناضلين الذين ساهموا في تطويره والدفاع عن مواقفه.
لكن الرهان الحقيقي لن يكون في مجرد الإعلان عن الرغبة في التجديد، بل في تحويلها إلى ممارسة تنظيمية واضحة، تتيح المشاركة في صناعة القرار وتفتح نقاشا جديا بشأن الحصيلة السابقة ومكامن القوة والاختلالات.
كما أن المؤتمر سيكون مناسبة لقياس قدرة الحزب على تدبير الاختلافات المحتملة داخل مؤسساته، والتوفيق بين الحفاظ على استمرارية توجهاته وبين الاستجابة لمطالب التغيير. فالتجديد السياسي لا يتحقق بتغيير الأسماء وحده، وإنما يتطلب مراجعة أساليب العمل، وتوضيح المسؤوليات، وربط القيادة بمشروع سياسي قابل للتقييم والمساءلة.
في موازاة ذلك، يواجه محمد شوكي، الذي تولى رئاسة التجمع الوطني للأحرار خلفا لأخنوش، تحدي تثبيت موقعه على رأس الحزب في مرحلة تختلف عن المرحلة التي قاد فيها التنظيم الحكومة.
فالانتقال إلى المعارضة يفرض إعادة صياغة الخطاب السياسي، وتحديد المواقف من السياسات العمومية، وتطوير أدوات التواصل مع المواطنين، فضلا عن الحفاظ على التماسك الداخلي والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
وقد أشاد أوجار بما اعتبره مؤهلات قيادية وتواصلية لدى شوكي خلال المرحلة الانتقالية. غير أن ترسيخ القيادة الجديدة سيظل مرتبطا بمدى قدرتها على تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة التنظيمية، وتوضيح الخيارات السياسية، وإعطاء إشارات ملموسة بشأن تجديد النخب وتطوير الأداء الحزبي.
وفي هذا الإطار، لا يبدو أن النقاش حول مستقبل أخنوش منفصل عن موقع القيادة الحالية، لكنه لا يختزل كذلك في طبيعة العلاقة بين الرئيس السابق وخلفه؛ إذ يتعلق الأمر أساسا بمدى قدرة الحزب على بناء توازن بين الاعتراف بالتجربة السابقة ومنح القيادة الجديدة هامشا فعليا لصياغة توجهاتها.
تظل الأنباء المتعلقة باستقالة أخنوش من هياكل الحزب أو ابتعاده نهائيا عن العمل السياسي بحاجة إلى تأكيد رسمي واضح، في ظل عدم إعلان أوجار توصله بأي قرار بهذا الخصوص.
ومن ثم، فإن الفصل بين الوقائع والتكهنات يظل ضروريا في قراءة هذا الملف، خصوصا أن مغادرة رئاسة الحزب لا تعني تلقائيا مغادرة التنظيم، كما أن انتهاء الولاية الحكومية لا يترتب عنه بالضرورة اعتزال العمل السياسي.
وبصرف النظر عن القرار الذي قد يتخذه أخنوش، فإن المرحلة المقبلة ستضع التجمع الوطني للأحرار أمام سؤال الاستمرارية: هل سيتمكن الحزب من تحويل انتقال القيادة إلى فرصة لتجديد مشروعه السياسي والتنظيمي، أم سيظل النقاش بشأن مستقبله مشدودا إلى موقع رئيسه السابق؟
إن تصريحات أوجار، كما وردت في برنامج «نقطة إلى السطر»، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة، من دون أن تقدم جوابا نهائيا بشأن مصير أخنوش. وبين الاعتراف بإرث القيادة السابقة والدعوة إلى تجديد النخب، يبدو أن المؤتمر الوطني المقبل سيكون المحطة الأبرز لاختبار قدرة الحزب على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وفق اختيارات واضحة وآليات مؤسساتية تتجاوز الأشخاص إلى مستقبل التنظيم نفسه.
