مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم تعد مشاهد الشباب المغاربة وهم يقتحمون الأسلاك الشائكة المحيطة بسبتة المحتلة، أو يركبون قوارب الموت في عرض البحر، مجرد حوادث موسمية تتكرر مع كل صيف، بل أصبحت مؤشرًا اجتماعيًا وسياسيًا يستوجب التوقف عنده بجدية. فالهجرة غير النظامية ليست مجرد انتقال جغرافي من ضفة إلى أخرى، وإنما هي في جوهرها تصويت صامت ضد واقع يراه كثير من الشباب عاجزًا عن احتضان طموحاتهم.
إن الإنسان بطبيعته لا يغادر وطنه إلا عندما يشعر بأن الأمل بدأ يتآكل، وأن المستقبل الذي يحلم به أصبح بعيد المنال. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس ارتفاع معدلات الهجرة، بل تراجع ثقة مواطنيها، وخاصة شبابها، في أن الغد سيكون أفضل من اليوم.
لقد حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في البنية التحتية، والاستثمارات، والصناعات، والمشاريع الاستراتيجية، وهي مكاسب لا يمكن إنكارها. غير أن التنمية لا تُقاس فقط بما يُشيد من طرق وموانئ ومصانع، بل أيضًا بمدى شعور المواطن بأن تلك المنجزات تنعكس على حياته اليومية، وتمنحه فرصة عادلة للعمل والعيش الكريم وتحقيق الذات.
إن شريحة واسعة من الشباب تواجه تحديات متراكمة؛ بطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك سكن، وضعف القدرة الشرائية، وتزايد الإحساس بعدم تكافؤ الفرص. وعندما تتكرر هذه التحديات دون حلول ملموسة، يتولد شعور بالإحباط، ويصبح الوطن بالنسبة للبعض مكانًا للانتظار، بينما تتحول أوروبا إلى رمز للأمل، حتى وإن كان هذا الأمل محفوفًا بالمخاطر.
ولا ينبغي أن نغفل التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تنقل صورًا لحياة المهاجرين مليئة بالنجاح والرفاه، بينما نادرًا ما تُظهر معاناتهم أو صعوبة الاندماج أو الغربة. وهكذا تتشكل لدى بعض الشباب قناعة بأن الهجرة هي الطريق الوحيد لتحقيق الكرامة والاستقرار.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط حماية الحدود، وإنما حماية الثقة. فالدولة التي تنجح في إقناع شبابها بأن الاجتهاد يفتح أبواب النجاح، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن الكفاءة هي معيار التقدم، لن تجد أبناءها يغامرون بأرواحهم في البحر أو أمام الأسلاك الحدودية.
ولذلك، فإن استعادة ثقة الشباب تقتضي تعزيز العدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ تكافؤ الفرص، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتجويد التعليم والتكوين، وفتح آفاق حقيقية للإدماج الاقتصادي. فالمواطن يحتاج إلى أن يرى نتائج الإصلاح في حياته اليومية، لا أن يسمع عنها فقط.
إن الهجرة غير النظامية ليست قدرًا محتومًا، بل هي رسالة مؤلمة يبعث بها شباب يشعر بأن أحلامه تضيق داخل وطنه. والرسائل لا تُواجه بالتجاهل، وإنما بالفهم، والإصغاء، والعمل الجاد على معالجة أسبابها.
فالأوطان لا تُحفظ بالحدود وحدها، وإنما تُحفظ عندما يصبح الأمل أقوى من اليأس، وعندما يؤمن الشباب أن مستقبلهم يمكن أن يُصنع في وطنهم، لا أن يُبحث عنه خارجه. وحينها فقط، ستتراجع قوارب الموت، لأن قوارب الأمل ستكون قد أبحرت من داخل الوطن نفسه.
