مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس أكبر هفوة ارتكبتها الديمقراطيات الناشئة في دول الجنوب أنها عجزت عن تنظيم الانتخابات، بل إنها نجحت في تنظيمها أكثر مما نجحت في صناعة المواطن.
لقد تحولت الانتخابات، في كثير من التجارب، إلى غاية في حد ذاتها، بينما كان يفترض أن تكون مجرد وسيلة لبناء دولة قوية ومجتمع مزدهر. فأصبحت نسب المشاركة حدثًا إعلاميًا، وعدد المقاعد معيارًا للنجاح، في حين بقي السؤال الحقيقي ضعيف الحضور: ماذا حققت الانتخابات للمواطن؟
إن شرعية أي نظام سياسي لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، وإنما بقدرته على تحويل الإرادة الشعبية إلى تنمية وعدالة وكرامة. ولذلك فإن إعادة التفكير في مفهوم الناخب أصبحت اليوم ضرورة حضارية، وليست مجرد قضية قانونية أو انتخابية.فالناخب، في صورته التقليدية، ينتهي دوره بمجرد وضع ورقة التصويت داخل الصندوق. أما في الدولة الحديثة، فإن هذا الدور لا ينبغي أن يبدأ إلا بعد إغلاق الصناديق.
هنا يولد مفهوم الناخب المواطن.
إنه المواطن الذي يعتبر التصويت بداية مسؤولية وطنية، لا نهايتها. يتابع إعداد السياسات العمومية، ويفهم الميزانيات، ويعرف موارد وطنه ومؤهلات مجاله الترابي، ويراقب تنفيذ المشاريع، ويطالب بتصحيح الاختلالات، ويشارك في تقييم النتائج، ويجعل من المصلحة العامة معيارًا دائمًا لكل موقف سياسي.
هذا المواطن لا يبحث عن زعيم، بل عن مشروع. ولا يختار الأشخاص بقدر ما يختار الكفاءات. ولا يقيس النجاح بعدد الوعود، بل بحجم الإنجاز.
ومن هنا، فإن مستقبل الديمقراطية في إفريقيا لن تحدده جودة القوانين الانتخابية وحدها، بل سيحدده مستوى الوعي السياسي للمواطنين، وقدرتهم على ممارسة رقابة مجتمعية واعية ومسؤولةعلى تدبير الشأن العام.
لقد آن الأوان للانتقال من الديمقراطية الرقمية التي تختزل السياسة في أرقام الأصوات والمقاعد، إلى الديمقراطية الوطنية التي تجعل من التنمية والعدالة وجودة الحياة المعيار الحقيقي للشرعية السياسية. فالديمقراطية الرقمية قد تمنح السلطة، لكنها لا تضمن بناء الدولة. أما الديمقراطية الوطنية، فإنها تجعل من كل مواطن شريكًا دائمًا في صناعة المستقبل.
إن المواطنة الحقة لا تكتمل إلا عندما يصبح الحق في الاختيار مقرونًا بالحق في المعرفة، وبواجب التتبع، وبمسؤولية التقييم، وبإمكانية المحاسبة. فالمواطن الذي لا يعرف كيف تُبرمج الميزانيات، ولا كيف تُصرف الأموال العمومية، ولا كيف تُقاس نتائج السياسات، يبقى ناخبًا ناقص الأدوات، مهما كانت حريته في التصويت. ولذلك فإن بناء الديمقراطية يبدأ ببناء المعرفة.
إن المدرسة، والجامعة، والإعلام، والأحزاب السياسية، والنقابات، والمجتمع المدني، مطالبة جميعها بصناعة مواطن قادر على قراءة الأرقام، وفهم المؤشرات، وتحليل البرامج، والتمييز بين المشروع السياسي والخطاب الشعبوي.
إن إفريقيا تمتلك ثروة بشرية هائلة، لكنها لن تتحول إلى قوة حضارية ما لم تتحول الكتلة الانتخابية إلى كتلة معرفية. فالمعرفة هي أول شروط الحرية السياسية. والوعي هو أول شروط التنمية.والمواطنة هي أول شروط الديمقراطية.
إن مستقبل القارة لن تصنعه الثروات الطبيعية وحدها، ولا الاستثمارات الأجنبية وحدها، ولا حتى الإصلاحات الدستورية وحدها، بل سيصنعه المواطن الذي يدرك أن صوته ليس ورقة انتخابية، وإنما عقد دائم مع الوطن.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول القوية لا تبنى بحكومات قوية فقط، وإنما تبنى قبل ذلك بشعوب واعية تعرف حقوقها، وتؤدي واجباتها، وتراقب مؤسساتها، وتحمي المال العام، وتعتبر التنمية مسؤولية جماعية.
ولهذا، فإن أكبر إصلاح سياسي تحتاجه دول الجنوب ليس قانونًا انتخابيًا جديدًا، ولا تقسيمًا انتخابيًا جديدًا، ولا هيئة جديدة للإشراف على الانتخابات. إن أكبر إصلاح هو صناعة الناخب المواطن. فإذا نجحت الأمم في ذلك، ستصبح الانتخابات مدرسة لإنتاج التنمية، لا مجرد آلية لتداول السلطة. وسيصبح السياسي مسؤولًا أمام شعب يعرف، لا أمام جمهور يصفق. وسيصبح الوطن مشروعًا جماعيًا، لا ساحة للتنافس حول المناصب والريع.
إن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن الدول الأكثر ثراءً، بل قرن الشعوب الأكثر وعيًا. ومن هنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية.ليس من صندوق الاقتراع… بل من عقل المواطن.
