Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

المغرب في مواجهة الإرهاب..عملية استباقية تكشف تحولات خطيرة في استراتيجيات “داعش” بالساحل بقلم/ ميمونة داهي

العملية الأمنية التي نفذتها الأجهزة المغربية اليوم لا يمكن عزلها عن السياق الأمني الإقليمي والدولي، إذ تعكس تحولات خطيرة في التهديدات الإرهابية التي تواجهها المنطقة. فالتفكيك المبكر لخلية على ارتباط بتنظيم “داعش” في منطقة الساحل يؤشر إلى ديناميكية جديدة في النشاط الإرهابي، حيث لم يعد يقتصر على عمليات فردية معزولة أو هجمات غير منظمة، بل بات يعتمد على بناء شبكات نائمة، مزودة بدعم لوجستي وتقني متطور، وخاضعة لتوجيهات مباشرة من قيادات خارجية. هذا التطور يفرض إعادة تقييم المقاربات الأمنية، ليس فقط في المغرب، بل في المنطقة ككل.
المعطيات التي كشفتها التحقيقات الأمنية تشير إلى أن المخطط الإرهابي كان في مرحلة متقدمة من الإعداد، حيث تم ضبط مواد ناسفة في طور التركيب، إلى جانب تجهيزات إلكترونية ووسائل اتصال مشفرة، وهو ما يكشف تطورًا في التكتيكات الإرهابية، إذ لم تعد تستهدف مجرد التفجير العشوائي، بل باتت تسعى إلى عمليات أكثر تعقيدًا تشمل استهداف مواقع حساسة وإحداث فوضى مدروسة. من الناحية الأمنية، هذا يعني أن المغرب يواجه تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة، عليه التعامل مع تهديدات داخلية من عناصر متطرفة تتبنى فكر “داعش”، ومن جهة أخرى، يجب عليه مواجهة خطر امتداد النشاط الإرهابي من منطقة الساحل، التي تحولت إلى معقل رئيسي للتنظيمات المتطرفة بعد الانهيارات الأمنية التي شهدتها بعض دول المنطقة.
ما يميز هذه العملية الأمنية هو طبيعة المدن المستهدفة، إذ لم يكن النشاط الإرهابي متمركزًا في نقطة واحدة، بل امتد إلى عدة مدن كبرى ومتوسطة وصغيرة، مما يشير إلى رغبة التنظيم في خلق بؤر توتر متعددة لتشتيت الجهود الأمنية. هذا الأسلوب سبق أن اعتمدته تنظيمات إرهابية في مناطق أخرى بالعالم، حيث يتم تنفيذ عمليات متزامنة في أماكن مختلفة لإرباك الأجهزة الأمنية وإطالة أمد المواجهة. غير أن التدخل الاستباقي الذي قامت به المصالح الأمنية المغربية قطع الطريق على هذا المخطط في مهده، ما يعكس قدرة استخباراتية عالية على تتبع التحركات المشبوهة وتعطيل العمليات الإرهابية قبل تنفيذها.
من الناحية السياسية، فإن هذا المخطط الإرهابي يحمل رسائل تتجاوز البعد الأمني الضيق، إذ يؤكد أن المغرب، بحكم استقراره وموقعه الاستراتيجي، صار مستهدفًا ليس فقط كدولة، بل كنموذج يزعج التنظيمات الإرهابية التي ترى في استقراره عائقًا أمام تمددها في شمال وغرب إفريقيا. كما أن اختيار توقيت العملية قد لا يكون عشوائيًا، بل مرتبطًا بتطورات إقليمية، مثل تصاعد نفوذ الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل بعد الانقلابات العسكرية الأخيرة، والتي ساهمت في إضعاف الجهود الإقليمية لمحاربة الإرهاب. هذا يفرض على المغرب تعزيز تعاونه الأمني والاستخباراتي مع شركائه الإقليميين والدوليين، خاصة في ظل تراجع بعض القوى التقليدية عن دعم مكافحة الإرهاب في إفريقيا.
الأخطر في هذه القضية هو ارتباط الخلية المفككة بقيادات “داعش” في الساحل، ما يعني أن التنظيم بات يعتمد على نقل خبراته القتالية والتقنية إلى شبكات خارج معاقله التقليدية، مما يستلزم تعزيز الجهود الوقائية، ليس فقط من خلال العمل الأمني، ولكن أيضًا عبر مقاربة شاملة تجمع بين تفكيك الفكر المتطرف، وتجفيف منابع التمويل، ورصد التحولات الاجتماعية التي قد تشكل بيئة حاضنة للتطرف.
الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذه العملية هي أن المغرب ليس في موقف دفاعي فقط، بل أصبح طرفًا استباقيًا في مواجهة الإرهاب، بفضل قدراته الاستخباراتية المتقدمة، ومقاربته الأمنية المتكاملة، التي تعتمد على الضربات الوقائية بدلًا من مجرد رد الفعل. لكن التحديات لا تزال قائمة، والمخاطر تتطور، مما يفرض تحديثًا مستمرًا للاستراتيجيات الأمنية، وتعزيز الشراكات الدولية، لضمان عدم تحول أي تهديد إرهابي إلى واقع ملموس.


شاهد أيضا

شاهد أيضا