مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
القنيطرة // عبد الكامل بوكصة
افتتح مركز سبو للدراسات والأبحاث حول الغرب موسمه الأكاديمي لسنة 2026، بتنظيم حلقة علمية احتضنتها غرفة التجارة والصناعة والخدمات بالقنيطرة، استضاف خلالها الأكاديمي والخبير في العلوم الاجتماعية الدكتور أحمد بوزيان، الذي ألقى محاضرة علمية في موضوع:
“الخلفية التاريخية والمعرفية لمفهوم الدولة الاجتماعية : في أهمية التأصيل المعرفي للمفاهيم المستعملة في النقاش العمومي”.
وفي مداخلته، أكد الأستاذ بوزيان أن مفهوم الدولة الاجتماعية ليس وصفا نطلقه على عواهنه لوصف سياسات أو برامج عمومية ذات طبيعة اجتماعية. بل هو مفهوم يحيل إلى طبيعة الدولة ووظائفها وتحولها من جهاز للضبط والأمن والحرب والجباية إلى فاعل مركزي في إنتاج الرفاهية الاجتماعية للموطنين من خلال السهر على أنتاج التضامن الاجتماعي وتأمين الاستفادة منه في مواجهة المخاطر وفي تحقيق الاندماج الاجتماعي.
وفي محور التأصيل التاريخي، أبرز الدكتور بوزيان أن الظهور المؤسسي الأول للدولة الاجتماعية يعود إلى ألمانيا البيسماركية في نهاية القرن التاسع عشر، حين أدرك المستشار أوتو فون بيسمارك أن الرأسمالية الصناعية تفرز اختلالات اجتماعية تهدد الاستقرار السياسي، فتم إرساء أول أنظمة التأمين الاجتماعي الإجباري ضد المرض وحوادث الشغل والشيخوخة.
وأشار إلى أن هذا النموذج كان آلية للتضامن الاجتماعي بقدر ما كان آلية للضبط السياسي والحد من صعود الحركات الاشتراكية.
أما في فرنسا، فقد تطور نموذج الدولة الاجتماعية في إطار ما يعرف بـدولة الإنعام (État Providence)، حيث انتقلت الدولة شيئا فشيئا من دولة دركي إلى دولة توفر الحماية من المخاطر إلى دولة تلعب دورا محوريا في إعادة توزيع الثروة وقس وضمان الحقوق الاجتماعية كالصحة والتعليم والشغل والسكن. وفي الاندماج الاجتماعي.
وفي إنجلترا، شكّل تقرير ويليام بيفريدج سنة 1942 لحظة مفصلية في الانتقال إلى نظام الحماية الاجتماعية الحديث، من خلال استهدافه لما سماه “الشرور الخمسة”: الفقر، المرض، الجهل، البطالة، والسكن غير اللائق، وهو ما رسّخ النموذج الإنجليزي للدولة الاجتماعية.
وفي الجانب المعرفي، أوضح الأستاذ بوزيان أن البناء النظري لمفهوم الدولة الاجتماعية تم بالدرجة الأولى في إطار علم الاجتماع. وتوقف للتمثيل على ذلك عند نظريات كل من عالم الاجتماع الإنجليزي توماس هامفري مارشال، وعالم الاجتماع الدنماركي كوستا إسبين أندرسن وعالم الاجتماع الفرنسي روبير كاستل.
نظرية مارشال تمحورت حول مفهوم المواطنة التي تكونت بالتدريج تاريخيا، مواطنة مدنية أولا في القرن الثامن عشر ثم مواطنة سياسية، ثانبا، في القرن التاسع عشر ثم مواطنة اجتماعية، أخيرا، في القرن العشرين.
وبهذا المعنى، فإن الدولة الاجتماعية بتوفيرها للتضامن ولآليات درء المخاطر الاجتماعية تحقق شروط المواطنة التي تتيح للأفراد في المجتمع الرأسمالي أي يكونوا أحرارا متمتعين بالحقوق المدنية وبحقوق المشاركة السياسية وبالحقوق الاجتماعية المتمثلة في شروط العيش الكريم وفق المستوى السائد في. المجتمع.
أما نظرية عالم الاجتماع الدنماركي غوستا إسبنغ-أندرسن فهي تقوم على مفهم. العودة عن السلعنة (démarchandisation) ومفاده أن الدولة الاجتماعية تعرف أساسا بالإمكانية التي تعطيها للأفراد بأن يعيشوا بكرامة خارج السوق دون الاضطرار إلى بيع قوة عملهم سلعة في السوق. وبموجب هذه المقاربة صنّف إسبين أندرسن مختلف تجارب الدول الاجتماعية إلى ثلاث نماذج مثالية (بالمعنى الذي يعطيه ماكس فيبر للنموذج المثالي) :
النموذج الليبرالي، والنموذج المحافظ، والنموذج الاجتماعي الديمقراطي
فيما يتعلق بنظرية روبير كاستل فهي تتمحور حول مفهوم الملكية الاجتماعية. فالأزمة الاجتماعية المتولدة عن الرِاسمالية الناشئة والمتمثلة في تفقير الجزء الأكبر من العمال وفي المسألة الاجتماعية التي تنذر بتفجر وحدة المجتمع، فرضت ابتكار شكل جديد من الملكية إلى جانب الملكية الفردية التي كانت وحدها تتيح للأفراد أن يكونوا أفرادا حقيقيين يتوفرون على الدعامات المادية لفرديتهم نوعا جديدا من الملكية التي تتيح للأفراد الذين لا ملكية خاصة لهم أن يتوفروا بدورهم على دعامات مادية لفردية إيجابية هي الملكية الاجتماعية المتمثلة في الصناديق التضامنية التي تتشكل من مساهمات العمال وأرباب العمل والتي يمكن للأجراء أن يرجعوا إليها للحصول على حاجاتهم كلما واجهوا مخاطر من قبيل المرض أو الشيخوخة أو التوقف عن العمل. هذه الحمايات المحيطة بعقد العمل والتي تجعل العامل في مأمن من غوائل الدهر هي ما يسميه كاستل ملكية اجتماعية.
.
وتوقف الدكتور بوزيان عند ما أسماه أزمة الدولة الاجتماعية منذ ثمانينيات القرن الماضي، نتيجة العولمة، ونتيجة أزمة الاقتصاد والتحول الديموغرافي وصعود النيوليبرالية، وارتفاع كلفة الحماية الاجتماعية مقابل تضاؤل مساهمات العمال نتيجة توسع البطالة وتغير طبيعة العمل.
وفي تفاعله مع سؤال الحضور حول ما إذا كان يمكن أن نحكم بكون الدولة بالمغرب دولة اجتماعية، أوضح الأستاذ بوزيان أن هذا السؤال لا يحتمل جوابا تبسيطيا ولا جوابا قطعيا بنعم أو لا، لأن التجربة المغربية تطرح نموذجًا خاصًا. فالمغرب، بحسب تحليله، لم يعرف تاريخيًا دولة رفاه بالمعنى الأوروبي، فالمؤسسات الاجتماعية الطبيعية لا زالت هي مصدر التضامن الرئيسي والسياسات والبرامج الاجتماعية العمومية رغم تطور الرؤيا التي تحكمها وتوسعها كما كيفا لا تزال ذات طبيعة استهدافية يقف طموحها عند ما تتيحه الموارد المتوفرة.
غير أن الرؤية التي جاء بها دستور 2011 والتي تعززت من خلال سياسة الجهوية الموسعة ومن خلال النموذج التنموي الجديد ثم إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2021، فتحا أفقا أوسع لبناء نموذج مغربي للدولة الاجتماعية، يعتمد على تجويد البنيات التحتية والخدمات العمومية (التعليم والصحة) وتأمين الولوج إليها وعلى تعميم التغطية الصحية، والتعويضات العائلية، وإصلاح أنظمة التقاعد، ودعم الفئات الهشة.
ويبقى المعيار الحاسم لنعتبر أننا انتقلنا إلى دولة اجتماعية أم أننا لا نزال في الطريق إليها، يؤكد الأستاذ بوزيان، هو ما إذا كانت هذه الأوراش المفتوحة ستفضي إلى تبلور مواطنة مكتملة البنيان بأبعادها المدنية والسياسية والاجتماعية يتمتع فيها الأفراد بمقومات فرديتهم في شكل حقوق مفصح عنها ومضمونة فعليتها بقوانين ومؤسسات.
وختم اللقاء بالتأكيد على أن الدولة الاجتماعية ليست شعارًا ولا برنامجا حكوميًا ظرفيًا، بل تحول بنيوي في طبيعة الدولة من دولة دركي إلى دولة توفر للأفراد الدعامات المادية للعيش بكرامة كأفراد أحرار ومسؤولين.

