مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخر خبر
مع اقتراب شهر رمضان، تحدث في أزقة المدن العتيقة تحولات هادئة لا ترى بالعين المجردة، لكنها تحس في التفاصيل. الأمر لا يتعلق فقط بحركية الأسواق أو انتعاش التجارة، بل بطقس اجتماعي وروحي يتجدد كل عام. فاختيار الجلابة ليس قرارا استهلاكيا عاديا، بل هو أقرب إلى إعلان دخول في زمن مختلف. عند الخياط، يناقش سقوط قماش الكتان، وتفحص دقة “السفيفة”، وتعد “العقاد” الحريرية التي تشكل يدويا. هناك، يتحول القماش إلى معنى، ويصبح “البلدي” جزءا من استعداد داخلي لاستقبال الشهر الفضيل.
رمضان يفرض إيقاعا آخر للحياة. الأصوات تخفت، الخطى تتمهل، والقلوب تتجه نحو الداخل. في هذا السياق، لا يكون اللباس حياديا. طوال العام نرتدي “أزياء المعركة اليومية”: البدلة الرسمية، الجينز العملي، أو الملابس الموحدة التي فرضتها العولمة. لكن ما إن يعلن عن رؤية الهلال حتى يستعيد اللباس التقليدي مكانته، وكأنه جزء من طقوس الانتقال من زمن السرعة إلى زمن السكينة.
ارتداء الجلابة، أو “الجبادور” يوم الجمعة، ليس فرضا دينيا مكتوبا، لكنه اتفاق اجتماعي ضمني. هو إعلان رمزي عن القطيعة مع صخب الأيام العادية. اختيار الاتساع بدل الضيق، والبساطة بدل الاستعراض، هو محاولة لمواءمة المظهر الخارجي مع حالة الصوم التي تدعو إلى التأمل والتواضع.
في قصة “البلدي” بعد أقرب إلى “ديمقراطية روحية”. فالقصة الفضفاضة تخفي الفوارق، وتخفف من حدة التمايز الاجتماعي. وكأن الثوب لا يسعى إلى جذب الأنظار، بل إلى تهدئتها. إنه يغطي تفاصيل الجسد، ليبرز ما هو أهم: الوقار.
وراء كل جلابة يد صانع تقليدي، “المعلم”، الذي ينقل خبرة الأجيال في خيط وإبرة. حين نرتدي “البلدي”، فنحن لا نرتدي مجرد قماش، بل ذاكرة جماعية. غير أن هذا التراث لم يبق جامدا؛ فقد ظهر ما يمكن تسميته بـ”النيوبلدي”، حيث يمزج الشباب بين القصات العصرية والخامات الخفيفة، في دليل على أن الهوية ليست متحفا، بل نهر يتجدد باستمرار.
غير أن هذا التلاقي بين “البلدي” والروحانية يطرح سؤال الصدق. هل اللباس تعبير صادق عن التقوى، أم مجرد “زي موسمي” يمنح شعورا مؤقتا بالفضيلة؟ في بعض الأحيان، قد يتحول المشهد إلى ما يشبه “أسبوع موضة” رمضاني، حيث تتبارى الأقمشة الفاخرة وتعلو علامات الرفاه، في تناقض مع روح التواضع التي يدعو إليها الشهر.
اللباس يمنح الإطار، لكنه لا يصنع التقوى. يمكن للجلابة أن تكون تذكيرا ناعما بضرورة التمهل، وأن تكون دعوة للاتزان والوقار. لكنها قد تتحول أيضا إلى قناع اجتماعي يخفي خلفه سلوكا لا ينسجم مع قيم الصوم.
في نهاية المطاف، يظل “البلدي” رمزا. أما المعنى الحقيقي، فيبقى رهين القلب. فبين أن يكون الثوب جسرا نحو صفاء داخلي، أو مجرد مظهر موسمي، يبقى الخيار شخصيا. لأن الروحانية لا تقاس بنوع القماش، بل بصدق النية.
