مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الرباط / آخر خبر
لم يمرّ الجدل الذي أثارته تصريحات وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، بشأن العدالة المجالية في التعليم العالي، دون تداعيات حقوقية، بعدما وجد نفسه مضطرا إلى تقديم اعتذار علني للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم والجمعيات المدافعة عن حقوقهم، على خلفية تعبير اعتُبر مسيئا وحمل دلالات تمييزية.
وخلال جلسة بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، اختار ميداوي توضيح خلفيات التصريح الذي أثار الانتقادات، مؤكدا أن العبارة التي استخدمها لم تكن مقصودة للإساءة، ولا تعكس موقفه من الأشخاص في وضعية إعاقة، قبل أن يقدم اعتذارا رسميا عبّر من خلاله عن أسفه لما خلفته كلماته من استياء.
ويعيد هذا التطور النقاش إلى مسؤولية الخطاب الصادر عن المسؤولين العموميين، خصوصا حين يتعلق الأمر بفئات تواجه تحديات مرتبطة بالتمييز والإقصاء، حيث لا يتوقف تقييم التصريحات عند النوايا المعلنة، بل يمتد إلى دلالات التعبير وأثره على الأشخاص الذين قد يشعرون بأن كرامتهم موضع انتقاص.
أوضح الوزير أن تدخله السابق كان مرتبطا بمفهوم العدالة المجالية في التعليم العالي، وبضرورة تشجيع الطلبة على الانتقال بين الجامعات والجهات، بدل حصر مسارهم الدراسي داخل المجال الترابي الذي ينتمون إليه منذ التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي.
وبحسب توضيحاته، فإن التصور الذي يدافع عنه يقوم على توسيع فرص الحركية الأكاديمية، وتمكين الطلبة من متابعة دراساتهم في مؤسسات جامعية مختلفة، بما فيها المؤسسات الدولية، خاصة خلال مرحلتي الماستر والدكتوراه.
غير أن تشبيه الوزير، الذي استعمل فيه عبارة باللغة الفرنسية أثارت استياء واسعا، نقل النقاش من سؤال توزيع المؤسسات الجامعية إلى قضية أكثر حساسية تتعلق باحترام الأشخاص في وضعية إعاقة، وحدود استخدام الأمثلة والتعبيرات في النقاش العمومي.
وفي محاولة لتفسير ما صدر عنه، ربط ميداوي كلامه بمخاطر الزواج داخل العائلة الواحدة وما قد ينتج عنه من انتقال بعض الأمراض الوراثية، موضحا أن مقصده كان التحذير من الانغلاق داخل المجال نفسه، وليس الإساءة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة.
وأضاف أن ضيق الوقت خلال تدخله السابق لم يسمح له بشرح فكرته بالشكل الكافي، وهو ما اعتبره عاملا ساهم في إثارة الجدل حول العبارة المستخدمة.
أكد ميداوي أنه يعتذر بصدق وشجاعة للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، وللجمعيات التي تدافع عن حقوقهم، مشددا على تقديره لمكانتهم ولمساهماتهم في المجتمع، وعلى أن حقوقهم مكفولة دستوريا وقانونيا.
وجاء الاعتذار عقب انتقادات حقوقية، من بينها موقف المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، التي اعتبرت التعبير المستخدم خلال مناقشة موضوع إحداث جامعة بجهة درعة تافيلالت حاملا لدلالات تمييزية ومسيئة.
ومع أن الوزير شدد على غياب نية الإساءة، فإن الواقعة تطرح سؤالا يتجاوز النوايا الشخصية إلى المسؤولية المترتبة عن الخطاب العام. فالتعبير الذي يصدر عن مسؤول حكومي داخل مؤسسة دستورية يكتسب وزنا خاصا، بالنظر إلى موقع صاحبه وطبيعة الموضوع الذي يتناوله، وهو ما يجعل اختيار الكلمات جزءا من مسؤولية التواصل السياسي والمؤسساتي.
كما أن الاعتذار، في مثل هذه الحالات، لا يقتصر أثره على إنهاء الجدل الآني، بل يفتح المجال أمام مراجعة طريقة تناول قضايا الإعاقة في النقاشات العامة، بما يضمن الابتعاد عن الصور النمطية والتعبيرات التي قد تُفهم باعتبارها انتقاصا من الكرامة الإنسانية.
إن الجدل الذي رافق تصريحات ميداوي يكشف حساسية اللغة المستخدمة عند تناول القضايا الاجتماعية والحقوقية، حتى عندما يكون الهدف الأصلي من النقاش مختلفا عن موضوع الإعاقة.
فاحترام الأشخاص في وضعية إعاقة لا يرتبط فقط بالمواقف المعلنة أو بالمقتضيات القانونية، وإنما يشمل أيضا طريقة الحديث عنهم، وتجنب استعمال أوصاف وتعبيرات قد تعزز التمييز أو تختزل الأشخاص في وضعهم الصحي أو الجسدي.
ومن هذا المنظور، تبرز أهمية أن يواكب الخطاب المؤسساتي الوعي بالتطور الذي عرفته المقاربة الحقوقية للإعاقة، والتي تقوم على الاعتراف بالكرامة والاستقلالية وتكافؤ الفرص، بدلا من إعادة إنتاج تصورات نمطية قديمة.
ولا يعني ذلك إغلاق النقاش أو منع المسؤولين من تقديم أمثلة لتوضيح أفكارهم، بل يقتضي اختيار لغة دقيقة تحافظ على جوهر الحجة دون المساس بفئة اجتماعية أو جعلها موضوعا لتشبيه قد يحمل دلالات جارحة.
في خضم الجدل، تظل العدالة المجالية في التعليم العالي قضية أساسية تستحق نقاشا مستقلا، خصوصا في الجهات التي تطالب بتعزيز العرض الجامعي وتقليص الفوارق في الولوج إلى التكوين.
فتشجيع الطلبة على التنقل بين الجامعات يمكن أن يوسع خياراتهم الأكاديمية، لكنه لا يعفي السياسات العمومية من مسؤولية توفير عرض جامعي متوازن، وضمان فرص متكافئة للطلبة الذين تحول ظروفهم الاجتماعية أو المادية دون متابعة الدراسة بعيدا عن مناطقهم الأصلية.
ومن ثم، فإن العدالة المجالية لا ينبغي أن تُختزل في تشجيع الحركية الجامعية وحدها، كما لا يمكن قياسها بمجرد عدد المؤسسات المحدثة في كل جهة، بل تتطلب النظر إلى جودة التكوين، وتنوع التخصصات، وشروط الولوج، وقدرة الطلبة على الاستفادة الفعلية من الفرص المتاحة.
وبين اعتذار الوزير عن العبارة المثيرة للجدل، واستمرار النقاش حول توزيع العرض الجامعي، تبرز رسالتان أساسيتان: ضرورة ترسيخ خطاب عمومي يحترم كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة، والحاجة إلى مواصلة النقاش حول العدالة المجالية باعتبارها ورشا يرتبط بتكافؤ الفرص والتنمية المتوازنة.
