مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
كتبه : عبد الكامل بوكصة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح الحركية السياسية تظهر من جديد في عدد من أقاليم المملكة، ومنها إقليم القنيطرة، حيث عاد الحديث عن التزكيات والتحالفات والمرشحين المحتملين، في مشهد يتكرر قبيل كل استحقاق انتخابي. غير أن هذا الحراك الموسمي يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قيام الأحزاب السياسية بأدوارها الدستورية طيلة السنوات الفاصلة بين الانتخابات.
فالدستور المغربي والقانون المنظم للأحزاب السياسية يمنحان لهذه الهيئات مكانة محورية في الحياة الديمقراطية، باعتبارها مؤسسات للتأطير السياسي للمواطنين، وتكوين النخب، وتشجيع المشاركة في تدبير الشأن العام، والمساهمة في نشر الثقافة الديمقراطية. غير أن الواقع الميداني يكشف في كثير من الأحيان عن فجوة واسعة بين النص القانوني والممارسة الفعلية. فالكثير من المقرات الحزبية تظل مغلقة أو شبه معطلة لسنوات، ولا تستعيد نشاطها إلا مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
وفي إقليم القنيطرة، كما في مناطق أخرى، يلاحظ المواطن غياباً ملحوظاً للأنشطة التأطيرية المنتظمة التي من شأنها تعزيز الوعي السياسي ومواكبة انشغالات الساكنة. فباستثناء بعض المبادرات المحدودة، تكاد الأحزاب تختفي من الفضاء العمومي، تاركة فراغاً في التواصل والتأطير والترافع عن القضايا المحلية.
وتزداد حدة هذه الأزمة عندما يتعلق الأمر بتجديد النخب السياسية. فبالرغم من أن النقاش حول ضخ دماء جديدة داخل الأحزاب يتجدد قبل كل انتخابات، فإن الوجوه نفسها غالباً ما تستمر في تصدر المشهد الحزبي، سواء على مستوى الأجهزة التنظيمية أو التمثيلية الانتخابية. وقد تحول مفهوم “تجديد النخب” إلى شعار متكرر أكثر منه ممارسة فعلية قادرة على فتح المجال أمام الكفاءات الشابة والطاقات الجديدة.
ويعتبر عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن أزمة الأحزاب المغربية لا ترتبط فقط بضعف استقطاب الشباب، بل أيضاً بآليات اشتغال داخلية ما زالت تعيد إنتاج النخب نفسها، وهو ما يحد من فرص التداول الديمقراطي داخل التنظيمات الحزبية ويؤثر على قدرتها على تجديد خطابها وأساليب عملها.
وقد سبق أن نبهت خطب ملكية إلى ضرورة انفتاح الأحزاب على الكفاءات الجديدة واستقطاب الشباب وتأهيلهم لتحمل المسؤولية، باعتبار أن الأحزاب تشكل الوسيط الطبيعي بين الدولة والمجتمع. إلا أن مؤشرات عديدة ما زالت تعكس استمرار أزمة الثقة بين جزء من المواطنين والمؤسسات الحزبية، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت تبحث عن فضاءات أخرى للتعبير عن مطالبها خارج القنوات التقليدية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأحزاب السياسية اليوم لا يتمثل فقط في الفوز بالمقاعد الانتخابية، بل في استعادة دورها التأطيري والتربوي والسياسي على مدار السنة، وتحويل مقراتها إلى فضاءات للنقاش والتكوين وإنتاج الأفكار، بدل أن تبقى مجرد عناوين انتخابية موسمية.
فالديمقراطية لا تبنى خلال الحملات الانتخابية وحدها، بل تُبنى يومياً عبر التأطير والتواصل والإنصات للمواطنين. كما أن تجديد النخب لا يتحقق بالشعارات، وإنما بفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنساء والأطر المحلية للمساهمة الفعلية في صناعة القرار الحزبي.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستنجح الأحزاب السياسية في إقناع المواطنين بأنها مؤسسات دائمة للتأطير وخدمة الصالح العام، أم أنها ستظل حاضرة فقط في موسم الانتخابات، قبل أن تعود إلى دائرة الغياب والانتظار؟
