مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس كل قانون ينشر في الجريدة الرسمية يطوي بالضرورة الصفحة السياسية التي كتب فيها، وليس كل نص دخل حيز التنفيذ يعني أن النقاش حوله أصبح من الماضي. فبين شرعية النص وشرعية التشريع مسافة لا تختصرها لحظة النشر، كما أن بين قوة القانون الملزمة وقوة الإقناع السياسي والاجتماعي فرقا لا ينبغي لدولة المؤسسات أن تتجاهله.
من هذه الزاوية تحديدا، يصبح القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة أكثر من مجرد نص تشريعي جديد دخل حيز التنفيذ. إنه اختبار مزدوج: اختبار لمدى قدرة المؤسسات على إنتاج تشريع منظم لمهنة ترتبط مباشرة بالعدالة وحقوق الدفاع، واختبار لقدرة الفاعلين السياسيين والمهنيين على التعامل مع قانون أصبح نافذا دون أن يتحول نفاذه إلى ذريعة لإغلاق باب النقاش.
فالبلاغ الرسمي للدولة، بما يمثله من إعلان عن اكتمال المسار التشريعي ودخول القانون مرحلة التنفيذ، ينتمي إلى منطق سلطة النص؛ أما بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية فينتمي إلى منطق استمرار النقاش السياسي حول النص. وبين الموقفين تقع المسألة الحقيقية.
الدولة تقول، عمليا، إن المسار التشريعي اكتمل، والقانون أصبح جزءا من المنظومة القانونية الوطنية. والمعارضة تقول إن اكتمال المسار لا يعني انتهاء الحق في النقد والمراجعة والتعديل. وكلا الأمرين صحيح، إذا وضع كل منهما في موقعه الدستوري والمؤسساتي الصحيح.
ذلك أن دولة القانون لا تعني أن القانون يصبح فوق النقد بمجرد نشره، كما لا تعني أن الاعتراض السياسي يستطيع تعطيل نص أصبح نافذا.
هنا بالضبط يبدأ الفرق بين الدولة التي تحكم بالقانون والسياسة التي تريد أن تحكم في القانون.
القانون بعد نشره ليس مشروعا سياسيا، وإنما قاعدة قانونية ملزمة. لكن السياسة لا تنتهي عند لحظة النشر، لأن البرلمان الذي شرع يمكن أن يعدل، والحكومة التي اقترحت يمكن أن تراجع، والأغلبية التي صوتت يمكن أن تتغير، والوقائع التي سيكشفها التطبيق يمكن أن تثبت الحاجة إلى إعادة النظر. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل أصبح القانون نافذا؟
نعم، أصبح نافذا. لكن السؤال الأهم هو: هل أصبح، بمجرد نفاذه، محصنا من النقد والمراجعة والتعديل؟
الجواب الدستوري والسياسي واضح: لا.
القوانين ليست نصوصا مقدسة، وإنما أدوات لتنظيم المجتمع. ولذلك فإن صلاحيتها لا تقاس فقط بمسطرتها التشريعية، وإنما أيضا بقدرتها على الصمود أمام الواقع. وهنا تكتسب قضية المحاماة خصوصيتها.
فالمحامي ليس مجرد صاحب مهنة منظمة بقانون، وإنما أحد الفاعلين الأساسيين في منظومة العدالة. إنه يقف في المنطقة الأكثر حساسية بين المواطن والسلطة، وبين الفرد والقضاء، وبين الحق في الدفاع ومتطلبات حسن سير العدالة. ومن ثم فإن أي قانون ينظم المهنة لا يمكن أن يقاس فقط بمقدار ما يفرضه من قواعد على المحامين، بل بما يوفره أيضا من ضمانات لاستقلال الدفاع وحماية حقوق المتقاضين وتحقيق التوازن بين المسؤولية المهنية والاستقلال.
لقد قال مونتسكيو، في عبارته الأشهر، إن «كل إنسان له سلطة يميل إلى إساءة استعمالها»، ولذلك فإن وظيفة المؤسسات ليست فقط توزيع السلطة، وإنما منع تحولها إلى قدرة بلا حدود.
وفي المجال القضائي، لا يكفي أن يكون القاضي مستقلا في النص إذا كان الدفاع الذي يقف أمامه يفتقد الشروط التي تسمح له بأداء وظيفته بحرية ومسؤولية.
ومن هنا فإن استقلال المحاماة ليس امتيازا للمحامي، تماما كما أن استقلال القضاء ليس امتيازا للقاضي. كلاهما ضمانة للمواطن.
وهذا هو المدخل الذي ينبغي أن تقرأ من خلاله المعركة حول القانون 66.23، بعيدا عن اختزالها في صراع بين الحكومة والمحامين، أو بين الأغلبية والمعارضة. المسألة أكبر من ذلك.
إنها تتعلق بالسؤال القديم نفسه الذي رافق نشأة الدولة الدستورية الحديثة: كيف نمنع السلطة من أن تتحول من وظيفة مؤسساتية إلى إرادة منفردة؟
مونتسكيو أجاب عن جزء من السؤال بتوازن السلطات، وجون ستيوارت ميل أجاب عن جزء آخر بالدفاع عن مجال الحرية الفردية في مواجهة ضغط السلطة والمجتمع. أما دولة القانون الحديثة، فقد حاولت تركيب الإجابتين داخل منظومة واحدة تقوم على الفصل والتوازن والرقابة والحقوق والحريات.
وفي هذه المنظومة، يصبح الدفاع المستقل جزءا من معادلة حماية المواطن، لا مجرد مطلب مهني.
ولذلك فإن الحديث عن قانون المحاماة لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من انتصر؟ بل من سؤال: هل أصبح المواطن أكثر حماية أمام مؤسسات الدولة؟
وهنا تبرز أهمية قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 الصادر في 10 غشت 2026، والذي ينبغي التعامل معه بكثير من الدقة حتى لا يتحول إلى مادة للتأويل السياسي غير المنضبط.
فالمحكمة الدستورية لم تقل إن القانون مطابق للدستور، كما أنها لم تقل إنه مخالف له. وإنما صرحت بتعذر البت في الإحالة على حالتها، بسبب عدم إرفاقها بالنسخة المطابقة للنص كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، والاكتفاء بمشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية.
وهنا تكمن دلالة لا ينبغي المرور عليها سريعا.
فالرقابة الدستورية ليست موقفا سياسيا من القانون، وإنما ممارسة مؤسساتية دقيقة تقوم على نص محدد ومعروض على المحكمة وفق الشروط التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية. بمعنى آخر، لم تدخل المحكمة في جوهر المقتضيات المختلف حولها، لأنها لم تجد أمامها النص الذي يسمح لها بممارسة الرقابة عليه.
وهذا يفتح، سياسيا، سؤالا مشروعا حول جودة المسار المؤسساتي المصاحب للإحالة، لكنه لا يسمح في المقابل بالقول إن المحكمة الدستورية «زكت» القانون، كما لا يسمح بالقول إنها «رفضته». بين الأمرين مسافة قانونية يجب احترامها. وهذه الدقة بالذات هي ما تحتاجه قضية بهذا الحجم.
ففي الديمقراطية، ليست كل معركة سياسية معركة دستورية، وليست كل ملاحظة دستورية معركة سياسية.
ثم إن البرلمان نفسه يكشف أن القانون لم يمر في مسار آلي أو صامت. فقد شهدت مناقشته تقديم عدد كبير من التعديلات، وانتهى المسار داخل مجلس المستشارين إلى إدخال تعديلات على عدد من المواد قبل مواصلة مسطرة القراءة الثانية.
وهذا مهم، لأنه يذكرنا بأن الشرعية التشريعية لا تختزل في النتيجة النهائية للتصويت. الأغلبية حق دستوري. لكن الحوار أيضا جزء من الديمقراطية البرلمانية. والتصويت ينهي النقاش التشريعي داخل المسطرة المحددة، لكنه لا ينهي النقاش السياسي والمجتمعي حول آثار القانون.
وهنا بالضبط ينبغي وضع البلاغ الرسمي للدولة وبلاغ العدالة والتنمية في سياقهما.
بلاغ الدولة ينطلق من حقيقة قانونية: النص صدر ونشر ودخل حيز التنفيذ.
أما بلاغ الحزب فينطلق من حقيقة سياسية: أن المعارضة لا تفقد حقها في تقييم القانون وانتقاده والدعوة إلى تعديله لمجرد أنه أصبح نافذا.
وبين الحقيقة القانونية والحقيقة السياسية لا يوجد بالضرورة تناقض.
التناقض يبدأ فقط عندما تريد السياسة أن تلغي القانون، أو عندما تريد السلطة أن تلغي السياسة.
فلا المعارضة تملك، بمجرد بيان سياسي، إسقاط قانون نافذ، ولا الحكومة تملك، بمجرد نشر القانون، إلغاء حق المجتمع والمهنيين والأحزاب في نقده. وهذه هي نقطة التوازن التي تحتاجها القضية.
الحكومة، من الناحية المؤسساتية، ربحت معركة التشريع. لكن ربح معركة التشريع لا يعني بالضرورة ربح معركة الإقناع.
فالسلطة تستطيع أن تمرر قانونا بالأغلبية، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع به بالأغلبية نفسها.
وهذا الفرق بين شرعية القرار وقوة الإقناع. قد يكون النص سليما من الناحية المسطرية، وقد يصبح نافذا وملزما، لكن ذلك لا يعفي المؤسسات من مراقبة آثاره، ولا يمنع المجتمع المهني من إبداء ملاحظاته، ولا يحرم البرلمان المقبل من حقه في تعديله.
وفي المقابل، فإن رفض بعض المقتضيات لا يمنح أي جهة حق تعطيل العدالة أو جعل المتقاضي ضحية للصراع المؤسساتي.
وهنا ربما يكون أهم ما في بلاغ العدالة والتنمية هو دعوته إلى استئناف العمل وعدم جعل المتقاضين رهائن للخلاف.
فالمعارضة الجادة لا ينبغي أن تقيس نجاحها بمدة الأزمة، وإنما بقدرتها على تحويل الاحتجاج إلى بديل سياسي وتشريعي.
وإذا كان الحزب يقول إن القانون يحتاج إلى تعديل، فالسؤال السياسي الذي يطرح نفسه هو: كيف؟ ومتى؟ ومن خلال أي أغلبية؟
هنا تنتقل المعركة من الشارع إلى المؤسسة. ومن الاحتجاج إلى التشريع. ومن رفض النص إلى تقديم بديل عنه. وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي معارضة تريد أن تقدم نفسها باعتبارها بديلا للحكم. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا يمكن تجاهل البعد السياسي لهذا التحول.
فحين تقول المعارضة إن القانون لم يغلق باب التعديل، فهي لا تتحدث فقط عن تقنية تشريعية؛ إنها تفتح أيضا بابا سياسيا أمام الناخب: إذا كان القانون يحتاج إلى مراجعة، فمن يملك الأغلبية التي تستطيع مراجعته؟
وهنا يصبح قانون المحاماة جزءا من معركة أوسع على صورة الدولة ومفهوم العدالة وعلاقة السلطة بالمهن والحقوق.
لكن تحويل القانون إلى ورقة انتخابية لا ينبغي أن يفرغه من مضمونه. فالناخب لا يحتاج إلى حزب يقول له فقط إن القانون سيئ، وإنما يحتاج إلى حزب يشرح له لماذا هو سيئ، وأي مقتضيات ينبغي تعديلها، وكيف سيؤثر ذلك على المواطن، وما البديل التشريعي المقترح. تلك هي السياسة حين ترتقي من الاعتراض إلى المسؤولية. وفي الجهة المقابلة، فإن على الحكومة ألا تتعامل مع دخول القانون حيز التنفيذ باعتباره نهاية القصة. بل ربما يكون العكس تماما. النشر الرسمي هو بداية الاختبار الحقيقي.
ففي البرلمان يمكن للنص أن يبدو متماسكا، أما في المحاكم فسيواجه الوقائع. وفي اللجان يمكن للمقتضى أن يبدو منطقيا، أما أمام المتقاضي فسيتبين أثره الحقيقي.
وفي الخطاب السياسي يمكن لكل طرف أن يقدم روايته، لكن الممارسة ستكشف في النهاية ما إذا كان القانون قد عزز استقلال الدفاع أم أضعفه، وما إذا كان قد رفع من جودة العدالة أم أضاف إليها تعقيدات جديدة. ولهذا ينبغي أن تترك المؤسسات مساحة للمراجعة. فالقانون الجيد ليس هو القانون الذي لا يعدل، وإنما القانون الذي يملك القدرة على التطور حين يكشف التطبيق حاجته إلى التطوير.
ومن هنا فإن الحديث عن «التراجع» عن بعض المقتضيات لا ينبغي أن ينظر إليه دائما باعتباره هزيمة سياسية. أحيانا يكون التعديل اعترافا بنضج المؤسسة. وأحيانا تكون مراجعة القانون أقوى من الدفاع عنه لمجرد أن كبرياء السلطة لا يسمح بالتراجع.
فالسياسة، في الديمقراطيات الراسخة، لا تقاس فقط بقدرة الحكومة على تمرير القوانين، وإنما بقدرتها أيضا على الاعتراف عندما يكشف الواقع أن بعض الاختيارات تحتاج إلى تصحيح.
وهنا نعود إلى جوهر القضية. المحاماة ليست ملكا للمحامين. والعدالة ليست ملكا للقضاة. والتشريع ليس ملكا للحكومة. والقانون ليس ملكا للأغلبية. كل هذه المؤسسات تعمل، في النهاية، من أجل المواطن.
وإذا كان استقلال المحامي يحمي حق الدفاع، وإذا كان استقلال القضاء يحمي حق المواطن في محاكمة عادلة، وإذا كان البرلمان يحمي حق المجتمع في التشريع الديمقراطي، فإن كل حلقة من هذه السلسلة تصبح ضرورية لحماية الحلقة الأخرى.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف حول قانون المحاماة إلى معركة كسر إرادات.
فلا انتصار حقيقيا عندما تنتصر الحكومة ويخرج المحامون أكثر غضبا. ولا انتصار عندما تنتصر هيئة مهنية ويخرج المتقاضي متضررا. ولا انتصار عندما تستثمر المعارضة في الأزمة دون أن تقدم بديلا. الانتصار الوحيد هو أن تخرج العدالة أقوى.
لقد أصبح القانون 66.23 نافذا، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. لكن نفاذ القانون لا يعني انتهاء السياسة، كما أن استمرار السياسة لا يعني سقوط القانون. وبينهما توجد دولة المؤسسات.
هناك فقط يمكن أن نفهم المعادلة الحقيقية: شرعية النص تمنح القانون قوته الإلزامية، لكن شرعية التشريع، بمعناها الأوسع، تحتاج أيضا إلى جودة المسار، وقوة الإقناع، واحترام الحقوق، وقدرة النص على الصمود أمام الواقع.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا ليس: هل صدر القانون؟ فقد صدر. وليس: هل دخل حيز التنفيذ؟ فقد دخل. بل السؤال الأصعب:
هل استطاع القانون أن يحقق التوازن بين سلطة الدولة واستقلال الدفاع، وبين مسؤولية المحامي وحقوق المتقاضي، وبين قوة التشريع وشرعية الإقناع؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للقانون 66.23. وامتحان القوانين، في نهاية المطاف، لا ينتهي عند الجريدة الرسمية. بل يبدأ منها.
