Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عيد الشباب.. حين قاد الملك الشاب المغرب نحو مغرب جديد

 

لم يكن اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999 مجرد انتقال في قيادة الدولة، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ المغرب الحديث، ارتبطت منذ بدايتها بصورة الملك الشاب الذي اختار أن يجعل من التحديث والإصلاح والتنمية والانفتاح عناوين لمسار وطني امتد لأكثر من ربع قرن، وترك بصمته في مختلف مناحي الحياة المغربية.

واليوم، والمملكة تحتفي بعيد الشباب المجيد، المتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لميلاد جلالة الملك محمد السادس، تبدو المناسبة أكبر من مجرد احتفال رمزي؛ إنها محطة لاستحضار مسيرة وطنية طويلة، انتقل خلالها المغرب من مرحلة إلى أخرى، وتغيرت معها ملامح المدن والقرى، وتطورت بنياته التحتية، واتسعت قاعدة اقتصاده، وتعزز حضوره إقليمياً وقارياً ودولياً.

فمنذ انطلاق العهد الجديد، دخل المغرب مساراً إصلاحياً عميقاً شمل مختلف المجالات، مستنداً إلى رؤية ملكية جعلت الإنسان محوراً للسياسات العمومية، وأساساً للتنمية وغايتها. وقد تجسدت هذه الرؤية عبر مجموعة من الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي أعادت صياغة ملامح المغرب الحديث، ورسخت تدريجياً أسس تحولات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وتنموية متكاملة، وجعلت من بناء مغرب قوي ومتوازن ومتقدم مشروعاً متواصلاً لا يتوقف عند حدود مرحلة زمنية معينة.

فخلال سبعة وعشرين عاماً من العهد الجديد، اختار المغرب أن يبني تحوله على قاعدة واضحة: التنمية لا يمكن أن تكون قوية ومستدامة من دون الاستثمار في الإنسان، ولا يمكن للاقتصاد أن يتقدم من دون بنية تحتية حديثة، ولا يمكن للدولة أن تواجه المستقبل من دون إصلاح مؤسساتها وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحولات.

ومن هذا المنطلق، أطلق المغرب أوراشاً كبرى غيرت صورته الاقتصادية والجغرافية. طرق سيارة جديدة، وتوسيع وتحديث شبكة السكك الحديدية، والقطار فائق السرعة، وموانئ كبرى في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، ومناطق صناعية ولوجستيكية، واستثمارات متزايدة في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الحديثة والطاقات المتجددة.

لم تعد هذه المشاريع مجرد منشآت منفصلة، بل أصبحت جزءاً من رؤية جعلت من الموقع الجغرافي للمغرب ورقة قوة، وحولت المملكة تدريجياً إلى منصة تربط أوروبا بإفريقيا، وتستقطب الاستثمارات وتوسع حضورها في سلاسل الإنتاج العالمية.

وفي قلب هذا التحول برز ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد أبرز النماذج التي تختزل التحول الذي عرفه المغرب خلال عهد الملك محمد السادس، ليس فقط باعتباره ميناء، وإنما باعتباره منظومة لوجستيكية وصناعية عززت موقع المملكة في التجارة الدولية وربطتها بمسارات اقتصادية عالمية.

وبالتوازي مع ذلك، عرف المغرب تحولاً في مجال الطاقة، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتطوير مشاريع كبرى في الطاقة الشمسية والريحية، ضمن توجه يروم تعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية الطاقية، وتحويل المؤهلات الطبيعية للمملكة إلى فرص اقتصادية وتنموية.

لكن مغرب العهد الجديد لم يبنِ رهانه على الاقتصاد والبنية التحتية وحدهما.

فمنذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، أصبح البعد الاجتماعي جزءاً مركزياً من السياسات العمومية، عبر برامج استهدفت محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وتحسين ظروف عيش المواطنين، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً.

ثم جاء ورش تعميم الحماية الاجتماعية ليعطي لهذا المسار بعداً أكثر شمولاً، من خلال توسيع الاستفادة من التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، في تحول يعكس انتقال الدولة إلى بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر اتساعاً.

غير أن أبرز ما يميز هذه المسيرة هو أن الشباب ظل في قلب الرؤية المستقبلية للمغرب.

فالملك الذي اعتلى العرش شاباً، وجد أمامه مجتمعاً شاباً، وبلداً تتطلع أجياله الجديدة إلى فرص أكبر في التعليم والتكوين والعمل والمشاركة. ولذلك أصبح الاستثمار في الشباب أحد الاختبارات الأساسية لنجاح النموذج التنموي المغربي.

ومن التكوين المهني إلى دعم ريادة الأعمال، ومن تشجيع الابتكار إلى توسيع مجالات الرقمنة، يواصل المغرب البحث عن أدوات جديدة لتمكين شبابه من مواكبة سوق شغل يتغير بسرعة، ويفرض مهارات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

إن صورة الشباب المغربي اليوم لم تعد محصورة في البحث عن الوظيفة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالمقاولة والابتكار والبحث العلمي والرياضة والثقافة والإبداع الرقمي.

وفي الجانب الرياضي، تبدو التحولات أكثر وضوحاً.

فخلال السنوات الأخيرة، حققت الرياضة المغربية نتائج لافتة، وأصبح المنتخب الوطني لكرة القدم نموذجاً لحضور مغربي قوي على الساحة الدولية، فيما تحولت المملكة إلى وجهة لاستضافة البطولات والتظاهرات الرياضية الكبرى.

ويأتي اختيار المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030 ليشكل محطة جديدة في مسار هذا التحول، وفرصة لتعزيز البنية التحتية الرياضية والسياحية والنقلية، وترسيخ صورة المغرب كبلد قادر على احتضان أكبر التظاهرات العالمية.

وفي موازاة ذلك، لم يعد المغرب ينظر إلى إفريقيا باعتبارها مجرد فضاء جغرافي، وإنما باعتبارها امتداداً استراتيجياً لعلاقاته الاقتصادية والدبلوماسية والتنموية.

ومن خلال عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضورها داخل القارة، وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، أصبح المغرب فاعلاً إفريقيا أكثر حضوراً، مستنداً إلى رؤية تقوم على التعاون جنوب-جنوب وعلى بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة.

وإذا كانت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية قد أعادت تشكيل صورة المغرب، فإن التحول المؤسساتي والسياسي كان بدوره حاضراً في مسيرة العهد الجديد.

فدستور 2011 شكل محطة أساسية في مسار الإصلاح المؤسساتي، بما حمله من مقتضيات جديدة مرتبطة بالحكامة والحقوق والحريات وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز أدوار المؤسسات المنتخبة.

وبذلك، لم يكن مشروع تحديث المغرب مرتبطاً بالمشاريع الكبرى فقط، وإنما شمل أيضاً تطوير المؤسسات وتعزيز الحكامة وتحديث علاقة المواطن بالدولة، بما يواكب التحولات التي عرفها المجتمع المغربي.

غير أن مغرب اليوم، رغم ما تحقق، لا يزال أمام تحديات حقيقية.

فالتنمية الاقتصادية مطالبة بإنتاج مزيد من فرص الشغل، والمنظومة التعليمية مطالبة بتحسين جودة التعلمات، والمنظومة الصحية مطالبة بمواصلة الإصلاح، كما أن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية يظل من أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

وهنا تحديداً تكتسب مناسبة عيد الشباب معناها الحقيقي.

فالشباب لا يريد فقط أن يرث مغرباً أفضل، بل يريد أن يكون شريكاً في صناعته.

والرهان اليوم ليس فقط على عدد المشاريع التي يتم إنجازها، وإنما على قدرة المغرب على تحويل هذه المشاريع إلى فرص حقيقية للشباب، وعلى جعل النمو الاقتصادي أكثر شمولاً، والتنمية أكثر عدالة، والنجاح الوطني أكثر انعكاساً على الحياة اليومية للمواطنين.

بعد سبعة وعشرين عاماً، أصبح المغرب مختلفاً في بنياته، وفي اقتصاده، وفي موقعه الدولي، وفي مستوى طموحه.

من بلد كان يبحث عن تثبيت أسس التنمية، إلى بلد يطمح اليوم إلى لعب أدوار أكبر في محيطه الإقليمي والقاري والدولي؛ ومن اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على قطاعات تقليدية، إلى اقتصاد جذب صناعات عالمية واستثمارات جديدة؛ ومن حضور رياضي محدود على الساحة الدولية، إلى بلد يستعد لاحتضان أكبر حدث رياضي عالمي.

هذه التحولات لم تحدث دفعة واحدة، ولم تكن نتيجة مشروع واحد، وإنما جاءت نتيجة تراكم أوراش وسياسات واختيارات امتدت على مدى سنوات، وكان الملك محمد السادس في صلب توجيهها ومواكبتها.

ولذلك، فإن عيد الشباب في عهد الملك محمد السادس يحمل دلالة خاصة؛ فهو يلتقي فيه شباب الملك مع شباب الوطن، وتلتقي ذكرى ميلاد ملك اعتلى العرش في سن الشباب مع مسيرة جيل كامل من المغاربة نشأ وترعرع في ظل العهد الجديد.

جيل شاهد المغرب يتغير أمام عينيه، من المدن والطرق والموانئ إلى التكنولوجيا والرياضة والانفتاح الدولي، ويحمل في الوقت نفسه انتظارات جديدة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والفرص والشغل والمشاركة وصناعة المستقبل.

إن الاحتفال بعيد الشباب، في نهاية المطاف، ليس احتفاء بما تحقق فقط، وإنما هو تجديد لسؤال المستقبل.

فالمغرب الذي تغير كثيراً خلال سبعة وعشرين عاماً، مطالب اليوم بأن يواصل التغيير بوتيرة أكبر، وأن يجعل من شبابه قوة اقتراح وإنتاج وابتكار، وأن يحول تحديات المرحلة إلى فرص جديدة.

وبين مغرب 1999 ومغرب 2026، تمتد قصة تحول طويلة قادها ملك شاب اختار منذ بداية عهده أن يجعل من التحديث والتنمية والانفتاح والاستقرار ركائز لبناء مغرب جديد.

وإذا كان الماضي قد صنع كثيراً من المكتسبات، فإن المستقبل سيكتب بالقدرة على تحويلها إلى تنمية أكثر عدالة، واقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر إنصافاً، وشباب أكثر حضوراً في صناعة القرار وصناعة الثروة.

ذلك هو المعنى الأعمق لعيد الشباب: أن يحتفل المغرب بشبابه، وأن يحتفل شبابه بمغرب يتغير، ويتقدم، ويستعد بثقة لما هو آت.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...