مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
سيدي سليمان // آخر خبر
لم تكن وفاة سلطانة مجرد خبر حزين يُضاف إلى أخبار الإقليم، بل هي واقعة إنسانية مؤلمة تعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الحزن نفسه: هل نحتاج إلى أن يموت شخص مشرّد في الشارع كل يوم، حتى ننتبه إلى معاناة من يعيشون بيننا بلا مأوى ولا رعاية؟
رحلت سلطانة وهي تفترش الأرض وتلتحف السماء، تاركة وراءها رسالة إنسانية أخيرة، لم تكن تطلب فيها امتيازاً ولا معاملة خاصة، بل كانت تناشد رئيس قسم الشؤون الداخلية، السيد عبد الله العظمي، التدخل من أجل جمع الأشخاص الذين يعيشون في وضعية تشرد بشوارع الإقليم وإيوائهم، والعمل على عرض الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو عقلية على أطباء ومصالح الطب النفسي المختصة، حتى يستفيدوا من التشخيص والعلاج والمواكبة اللازمة.
كانت رسالة سلطانة، في عمقها، نداءً من أجل إنقاذ أناس يعيشون بيننا في ظروف قاسية، ومن أجل التعامل مع هذه الحالات باعتبار أصحابها مواطنين كاملي الحقوق، لهم الحق في المواطنة والحماية والرعاية والعيش الكريم فوق هذا الوطن، لا أشخاصاً ينبغي أن نتعايش مع معاناتهم في الشوارع إلى أن تتحول حياتهم إلى مأساة جديدة.
إن مأساة سلطانة لا ينبغي أن تُختزل في حالة فردية، لأنها تكشف عن واقع إنساني يتكرر في إقليم سيدي سليمان، حيث يوجد أشخاص بلا مأوى، وآخرون يعانون اضطرابات نفسية أو عقلية ويعيشون في الشوارع دون رعاية أو مواكبة. وهؤلاء، مهما كانت أوضاعهم الصحية والاجتماعية، لهم الحق في الحماية والرعاية الصحية والاجتماعية، وفي معاملة تحفظ كرامتهم وتصون إنسانيتهم.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تدخل ظرفي بعد انتشار الصور أو وقوع الفاجعة، بل وضع مقاربة ميدانية استباقية، بتنسيق بين السلطات المحلية والمصالح الاجتماعية والصحية والمجالس المنتخبة والجمعيات المعنية، من أجل حصر الحالات، وتقييم احتياجاتها، وتوفير الإيواء المناسب، وضمان عرض من يحتاجون إلى الرعاية النفسية على المختصين، وفق المساطر الطبية والقانونية، بدل تركهم عرضة للشارع والمرض والجوع والبرد.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: أين هي فعاليات المجتمع المدني؟ وما الدور الذي تضطلع به الجمعية المكلفة بتدبير مؤسسة الرعاية الاجتماعية؟ وهل تقوم بزيارات ميدانية منتظمة لرصد الحالات الهشة في الشوارع؟ وما مدى التنسيق بينها وبين السلطات والمصالح المختصة لاستقبال الأشخاص الذين يوجدون في وضعية تشرد؟ إنها أسئلة مشروعة تستدعي أجوبة واضحة، وتقييماً موضوعياً للأدوار والمسؤوليات.
لقد عرف إقليم سيدي سليمان حالات إنسانية مؤلمة أخرى، من بينها الحالة التي عُرفت إعلامياً بـ«رجل الدود»، والتي لم تحظَ بالاهتمام الواسع إلا بعد تداول صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن حالات أخرى جرى تداولها، من بينها وفاة المرحوم عباد قبل وصول سيارة الإسعاف، وفق ما تم تداوله آنذاك. وتكرار مثل هذه الوقائع يفرض علينا أن نتساءل: إلى متى سيظل التدخل مرتبطاً بانتشار الصور ووقوع المآسي؟ ولماذا لا تتحول المبادرات الإنسانية إلى عمل مؤسساتي يومي واستباقي؟
إن وفاة سلطانة تستوجب من السيد عامل إقليم سيدي سليمان فتح بحث إداري واجتماعي للوقوف على ظروف هذه الواقعة، ومدى التفاعل مع النداءات التي أُطلقت بشأن وضعيتها، وتقييم تدخل مختلف الجهات المعنية، كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته، مع اتخاذ تدابير عملية لحماية باقي الأشخاص الذين ما زالوا يعيشون في الشوارع بمختلف جماعات الإقليم.
سلطانة رحلت، لكن رسالتها الأخيرة ينبغي ألا تُدفن معها: اجمعوا المتشردين، آووهم، اعرضوا المرضى النفسيين على المختصين، وتفاعلوا مع هذه الحالات باعتبار أصحابها مواطنين كاملي الحقوق، لهم الحق في المواطنة والعيش الكريم.
فهل نحتاج إلى مأساة جديدة كل يوم حتى نتحرك ونقوم بواجبنا؟ إن كرامة الإنسان ليست مناسبة بروتوكولية، والرعاية الاجتماعية ليست عملاً موسمياً، بل مسؤولية مستمرة واختبار حقيقي لمدى حضور التضامن والإنسانية في مؤسساتنا ومجتمعنا.
