Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من حول البحر إلى محكمة للأطفال؟

ليست كل المآسي التي تهز الأوطان ناتجة عن الفقر وحده، ولا عن البطالة وحدها، ولا حتى عن اليأس وحده. أحيانا تكون الكارثة نتاجا لاجتماع الاستهتار، والتحريض، والصمت الرسمي، والعدمية التي تتغذى على انهيار الثقة في كل شيء.

ما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة لم يكن مجرد محاولة هجرة جماعية، بل كان مشهدا صادما كشف عن انهيار خطير في مفهوم المسؤولية لدى بعض الأسر، وعن اختلالات في تدبير الأزمة من قبل السلطات، وعن استثمار سياسي وإعلامي مقيت لمأساة إنسانية كان ضحيتها الأولى الأطفال.

“الأمم لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضا بقدرتها على حماية أطفالها.”

هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل النقاشات الأخرى.

كيف يمكن لأب أن يحمل رضيعه نحو أمواج البحر وهو يعلم أن البحر لا يرحم؟ وكيف يمكن لأم أن تجر طفلها القاصر إلى مغامرة قد تنتهي بجثة مجهولة الهوية؟ وكيف يمكن أن يتحول طفل لا يملك حتى حق اتخاذ قرار الخروج من المنزل إلى أداة في مقامرة لا يعرف نتائجها إلا الله؟

إن الحديث هنا لا يتعلق بحرية التنقل، ولا بحق البحث عن حياة أفضل، وإنما بجريمة واضحة تتمثل في تعريض قاصر لخطر الموت. فالطفل ليس ملكية خاصة لوالديه.

الأبوة ليست رخصة تمنح صاحبها حق المقامرة بحياة أبنائه. بل إن أول واجبات الأب والأم، قانونا وشرعا وأخلاقا، هو حماية الطفل، لا تحويله إلى درع بشري أو تذكرة عبور نحو الضفة الأخرى.

ولهذا فإن النيابة العامة مطالبة، إذا ثبتت الوقائع، بفتح تحقيقات في كل حالة تم فيها تعريض طفل أو شخص في وضعية إعاقة لخطر جسيم.

ليس انتقاما من الآباء، وإنما حماية لهيبة القانون، ورسالة مفادها أن حقوق الطفل لا تسقط أمام أي ظرف اجتماعي أو اقتصادي.

“حين يعجز الضمير عن أداء واجبه، يصبح القانون آخر خطوط الدفاع عن الإنسان.”

لكن الوجه الآخر للمأساة لا يقل خطورة. فالدولة بدورها مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة في التواصل.

لقد تابع المغاربة ساعات طويلة سيلا من الأخبار المتضاربة، والصور القادمة من الضفة الإسبانية، والتقديرات المتناقضة حول أعداد المشاركين، والأطفال، والضحايا، دون أن يجدوا رواية رسمية متكاملة تشرح ما وقع.

في مثل هذه الأزمات، لا يكون الصمت حكمة، بل يتحول إلى مساحة مفتوحة للإشاعة. وكل دقيقة يغيب فيها التواصل الرسمي، تولد عشرات الروايات البديلة.

إن التواصل ليس ترفا سياسيا، بل هو جزء من الأمن الوطني. ولذلك يصبح من المشروع أن يتساءل المواطن:

من الذي دعا إلى هذا التحرك؟

من الذي عبأ الآلاف؟

كيف وصلت أعداد كبيرة من القاصرين إلى مكان الأحداث؟

هل كانت هناك شبكات منظمة؟

أم مجرد عدوى جماعية غذتها وسائل التواصل الاجتماعي؟

كم عدد الضحايا الحقيقي؟

وكم عدد الأطفال الذين كانوا ضمن تلك الحشود؟

هذه ليست أسئلة فضول، بل أسئلة دولة ومجتمع. وقد علمتنا أزمات وطنية سابقة أن قوة المؤسسات لا تظهر فقط في قدرتها على التدخل الميداني، بل أيضا في قدرتها على مخاطبة المواطنين بالحقائق، مهما كانت مؤلمة.

غير أن ما يثير الانتباه أيضاً هو ذلك الخطاب العدمي الذي وجد في المأساة فرصة لتصفية الحساب مع الوطن.

فمنذ الساعات الأولى، خرجت أصوات لا تبحث عن تفسير ولا عن حلول، بل عن تكريس صورة بلد منهار لا أمل فيه. وكأن كل أزمة هي مناسبة للاحتفال بإثبات أن الوطن فشل. وكأن الألم أصبح مادة للاستهلاك السياسي.

“ليس كل ناقد وطنيا، كما أن ليس كل مدافع عن الوطن مصفقا. الوطنية تبدأ حين يكون الهدف إصلاح الوطن لا التشفي فيه.”

النقد ضرورة. ومحاسبة الحكومة واجب. ومساءلة المؤسسات حق دستوري.

لكن تحويل كل مأساة إلى منصة لنشر اليأس، وإقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم إلا في البحر، هو شكل آخر من أشكال المشاركة في صناعة الكارثة.

فالعدمية لا تبني الأوطان. واليأس لا يصنع السياسات. وتكرار عبارة “لك الله يا وطني” لا يقدم حلا لطفل كاد يغرق، ولا لأسرة فقدت ابنها، ولا لشاب يبحث عن فرصة عمل.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا ليس الأزمة نفسها، وإنما اعتياده على الأزمات حتى تصبح جزءا من المشهد اليومي.

لهذا فإن أحداث سبتة يجب أن تتحول إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة. مراجعة لسياسات الهجرة. ولخطاب التواصل الرسمي. ولمسؤولية الأسرة. وللدور الخطير الذي تلعبه منصات التواصل في تعبئة الحشود. ولواجب الدولة في حماية الأطفال قبل حماية الحدود. لأن الوطن الذي يعجز عن حماية طفولته، يخسر جزءا من مستقبله.

ولأن الوطن الذي يكتفي بالصمت، يترك المجال لمن يصنع الرواية بدلا عنه. ولأن القانون، في النهاية، يجب أن يكون الكلمة الأخيرة. ليس فقط في مواجهة شبكات الهجرة، بل أيضا في مواجهة كل من يعتقد أن طفله مجرد وسيلة لعبور البحر، أو أن اليأس مشروع سياسي يمكن الاستثمار فيه كلما عصفت بالبلاد أزمة جديدة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...