مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أما أبناء الحاج حريفة قدور وذريته، فإن مسؤوليتهم اليوم ليست في إعادة إنتاج زمن المقاومة، فقد تغيرت الأزمنة والوسائل، وإنما في الحفاظ على المعنى الذي حمله والدهم: أن حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالوفاء له، وبخدمته، وبحفظ ذاكرته، وبنقل قيم التضحية والانتماء إلى الأجيال المقبلة.
هناك رجال لا تختصرهم بطاقة مقاوم، ولا تختزلهم شهادة في بضعة أسطر، لأن سيرة حياتهم لم تكن مجرد تفاصيل شخصية عابرة، وإنما كانت جزءا من مرحلة كاملة من تاريخ الوطن. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الحاج حريفة قدور، ابن عرباوة، الرجل الذي اختار، في زمن كان فيه المغرب موزعا بين مناطق نفوذ استعمارية، أن يجعل من انتمائه للوطن فوق كل الحدود التي حاول الاستعمار أن يرسمها فوق الأرض.
ولأن التاريخ لا يفهم دائما من مراكزه الكبرى، بل كثيرا ما يقرأ من هوامشه التي تتحول في لحظات معينة إلى قلب الحدث، فإن عرباوة تبدو مدخلا ضروريا لفهم سيرة هذا الرجل. فلم تكن عرباوة مجرد قرية في الجغرافيا المغربية خلال فترة الحماية، وإنما كانت نقطة ذات حساسية استراتيجية بالغة؛ فقد شكلت منذ بداية الحماية منطقة تماس بين النفوذ الفرنسي والنفوذ الإسباني، وأصبحت فضاء يفصل بين شمال خاضع للإسبان ومناطق خاضعة للفرنسيين، في وقت كانت فيه الحدود الاستعمارية تخضع لمراقبة مشددة.
لكن ما أراده الاستعمار أن يكون خطا للفصل، استطاع أبناء المنطقة أن يجعلوا منه، في بعض اللحظات، مجالا للوصل. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للحاج حريفة قدور.
لقد كان الرجل، وفق الشهادة التي تركها أحد رفاقه في المقاومة، على صلة بالعمل الوطني وبالمقاومة المتمركزة في الدار البيضاء، ولم تكن مساهمته مجرد تعاطف مع القضية الوطنية أو انتماء معنوي إلى الحركة الوطنية، وإنما ارتبطت بأدوار عملية تحمل في تفاصيلها الكثير من المخاطرة والمسؤولية.
فالحاج حريفة قدور كان يشتري السلاح من ماله الخاص، ويضعه رهن إشارة المقاومين، ثم يعمل على توزيعه عليهم. ولم يكن الأمر يتوقف عند شراء العتاد، إذ كان يقوم كذلك بتأمينه وتخزينه في مخازن داخل بلدة عرباوة، في انتظار وصوله إلى المقاومين الذين يحتاجونه.
وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل عابر في سيرة رجل من رجال المقاومة، بل بصورة تختصر جانبا من طبيعة الكفاح الوطني نفسه.
فالمقاومة لم تكن دائما بندقية تطلق في وجه المستعمر، ولم تكن دائما عملية مسلحة تظهر في واجهة الأحداث. كانت أيضا مالا ينفق في الخفاء، وسلاحا يشترى بعيدا عن أعين السلطات، ومخزنا يحتضن العتاد، ويدا تتولى إيصاله، ورجلا يتحمل مخاطر الاحتفاظ به وتوزيعه.
كان المقاومون يعرفون أن الحرب على الاستعمار تحتاج إلى أكثر من الشجاعة في الميدان؛ تحتاج إلى شبكة من الثقة والسرية والإمداد والاتصال. وفي هذا النوع من العمل، تصبح الثقة نفسها سلاحا.
كان الرجل يضع ماله الخاص في خدمة القضية، ويضع مكانه وإمكاناته في خدمة المقاومة، وهو يعرف أن اكتشاف السلاح المخزن في عرباوة لا يعني فقط مساءلته عن قطعة من العتاد، وإنما قد يقود إلى كشف شبكة من الرجال والاتصالات والخلايا. وهذا هو أحد الأوجه التي تجعل سيرة الحاج حريفة قدور جديرة بالاستعادة اليوم.
فالرجل لم يكن فقط متعاطفا مع المقاومة، وإنما كان جزءا من بنيتها العملية، في منطقة لم تكن عادية في الحسابات الاستعمارية. فموقع عرباوة جعل منها نقطة حساسة في الجغرافيا الاستعمارية، بينما جعلت صلته بالمقاومة في الدار البيضاء منه حلقة وصل بين مجالين مختلفين في الظاهر، لكنهما كانا يلتقيان في هدف واحد: تحرير الوطن.
ولعل في هذه المفارقة درسا تاريخيا بالغ الدلالة. فالاستعمار يقسم الأرض لكي يسهل السيطرة عليها، بينما تبحث المقاومة عن الإنسان لتعيد وصل ما تم تقسيمه على الخرائط.
كان المستعمر يرى حدودا ومناطق نفوذ، وكان المقاوم يرى وطنا.
وهذه ليست مجرد صياغة أدبية، بل تختصر جانبا من فلسفة المقاومة المغربية في مواجهة واقع فرضته الحماية بالقوة.
فالحدود الاستعمارية لم تكن في الوجدان الشعبي حدودا وطنية، ولذلك ظل الإنسان المغربي يتحرك في فضائه الوطني باعتباره فضاء واحدا، حتى عندما كانت الإدارة الاستعمارية تفرض عليه واقعا مختلفا.
وفي هذا السياق، يصبح الحاج حريفة قدور نموذجا لمقاوم لم يكن موقعه الجغرافي عائقا أمام انخراطه في القضية الوطنية، بل ربما جعله أكثر إدراكا لمعنى الانقسام الذي فرضته الحماية.
لقد عاش الرجل في منطقة كانت ترى آثار التقسيم الاستعماري بأعينها، لكنه اختار أن يجعل من موقعه جزءا من معركة تجاوزه.
وكان شراء السلاح من ماله الخاص، وتخزينه في عرباوة، ثم توزيعه على المقاومين، فعلا يتجاوز الجانب المادي المباشر؛ لأنه يعكس قناعة بأن كل ما يملكه الإنسان يمكن أن يصبح وسيلة لخدمة قضية الوطن عندما تكون البلاد في حاجة إلى أبنائها.
وقد قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، في سياق مختلف، إن “الحرية ليست امتيازا يمنح، بل مسؤولية تحمل”. ولعل هذه الفكرة تكتسب، عند إسقاطها على تجارب رجال المقاومة، معنى أكثر قسوة ووضوحا؛ لأن الحرية بالنسبة إليهم لم تكن مفهوما نظريا، وإنما مسؤولية كان ثمنها المال والمخاطرة والخوف، وربما الحياة نفسها.
ومن هنا فإن قيمة الرجل لا تقاس فقط بعدد العمليات أو الأسلحة التي شارك فيها، وإنما بدرجة استعداده لتحمل المسؤولية في زمن كانت فيه كلمة “المقاومة” تعني أن حياة الإنسان الخاصة لم تعد منفصلة عن قضية الوطن.
إن تاريخ التحرر الوطني لا تصنعه دائما الأسماء التي تحتل الصفحات الأولى، وإنما تصنعه أيضا أسماء ظلت في الظل لأنها كانت تعمل في الظل.
وهؤلاء هم الذين جعلوا للمقاومة بنيتها اليومية: من يمول، ومن يخزن، ومن ينقل، ومن يتصل، ومن يوفر المأوى، ومن يحفظ السر، ومن يغامر دون أن يعرف إن كان التاريخ سيذكر اسمه يوما. والحاج حريفة قدور ينتمي إلى هذه المدرسة من الرجال. رجال لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصي، ولم تكن لديهم وسائل الإعلام التي تحفظ أسماءهم وتوثق أفعالهم لحظة بلحظة، ولم يكن لهم من الامتياز سوى يقين بسيط وعميق: أن الوطن يستحق التضحية.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة الاعتبار إلى سيرة الحاج حريفة قدور ليست مجرد استدعاء عاطفي للماضي، وإنما هي جزء من مسؤولية الذاكرة الوطنية. فالأمم التي تنسى رجالها الذين ساهموا في صناعة استقلالها تفقد، شيئا فشيئا، قدرتها على فهم الكلفة التي دفعت من أجل الوصول إلى الحاضر.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة أن أثر الرجل لم يتوقف عند جيله. فبحسب ما يؤكده أبناؤه وذريته، ظل الارتباط بقيم الوطنية والوفاء للوطن حاضرا داخل الأسرة، بما يجعل إرث المقاوم لا ينحصر في الماضي، وإنما يمتد إلى الأبناء والأحفاد باعتباره ذاكرة وسلوكا وقيمة أخلاقية.
فالمقاومة لا تنتهي دائما بانتهاء المعركة؛ أحيانا تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى قيم تنتقل من جيل إلى آخر.
وهنا يمكن فهم معنى الوفاء الحقيقي للمقاومين: ألا تتحول سيرهم إلى مجرد أسماء تستدعى في المناسبات الوطنية، بل أن تبقى القيم التي حملوها حاضرة في وعي الأجيال الجديدة.
لقد كان الحاج حريفة قدور ابن منطقة تعرف جيدا معنى الحدود، لكنه كان، قبل ذلك وبعده، ابن وطن لا يعترف بالحدود التي فرضها الاستعمار.
ففي عرباوة، حيث حاول المستعمر أن يرسم خطوطا بين مجالات نفوذ مختلفة، ظل هناك رجال يؤمنون بأن المغرب واحد، وأن التقسيم الاستعماري واقع مفروض بالقوة وليس حقيقة راسخة في وجدان الوطن.
ولذلك فإن سيرة الحاج حريفة قدور تبدو، في جوهرها، صورة مصغرة من صراع أوسع خاضه المغاربة من أجل استعادة وحدتهم واستقلالهم.
لقد انتهى زمن الحماية، واستعاد المغرب استقلاله سنة 1956، ثم جاءت مرحلة استكمال الوحدة وإزالة آثار التقسيم الاستعماري. وفي 17 فبراير 1958، وقف الملك محمد الخامس في عرباوة، في مكان ارتبط رمزيا بحدود فرضها الاستعمار، ليعلن استكمال الوحدة الاقتصادية والمالية وإزالة آثار ذلك التقسيم. كان المشهد، في رمزيته، أكبر من خطاب سياسي. فالمكان الذي أراد الاستعمار أن يكون شاهدا على الانقسام أصبح شاهدا على استعادة الوحدة.
وإذا كانت الدولة قد أسقطت الحدود الاستعمارية على مستوى القرار والمؤسسات، فإن رجالا مثل الحاج حريفة قدور كانوا قد أسقطوها قبل ذلك في الوعي والممارسة، عندما تعاملوا مع الوطن باعتباره واحدا، وحملوا السلاح والرسائل والمال عبر فضاءات لم يكن الاستعمار يريد لها أن تتصل.
ومن هنا، فإن الحديث عن الحاج حريفة قدور ليس فقط حديثا عن رجل من رجال المقاومة، وإنما عن معنى من معاني الوطنية المغربية التي لم تقبل أن تتحول خرائط المستعمر إلى خرائط للوجدان.
لقد كان يستطيع أن يحتفظ بماله لنفسه، لكنه أنفق منه على السلاح.
وكان يستطيع أن ينأى بنفسه عن المخاطر، لكنه جعل من مخازنه ومكانه جزءا من شبكة المقاومة. وكان يستطيع أن يتعامل مع الحدود كأمر واقع، لكنه تعامل معها باعتبارها واقعا استعماريا مؤقتا لا حقيقة وطنية دائمة.
وهذا هو المعنى العميق للمقاومة: أن تؤمن بالمستقبل قبل أن يصبح حقيقة، وأن تدفع ثمن الحرية في زمن لا تعرف فيه متى ستأتي، وأن تزرع ما قد لا تعيش لترى ثماره.
أما أبناء الحاج حريفة قدور وذريته، فإن مسؤوليتهم اليوم ليست في إعادة إنتاج زمن المقاومة، فقد تغيرت الأزمنة والوسائل، وإنما في الحفاظ على المعنى الذي حمله والدهم: أن حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالوفاء له، وبخدمته، وبحفظ ذاكرته، وبنقل قيم التضحية والانتماء إلى الأجيال المقبلة.
وهكذا يبقى الحاج حريفة قدور واحدا من أبناء ذلك الجيل الذي عاش الوطن مجزأ على الخرائط، لكنه ظل موحدا في القلب. جيل لم ير في الحدود الاستعمارية قدرا، ولا في الخوف سببا للتراجع، ولا في التضحية خسارة. جيل آمن بأن الاستقلال سيأتي يوما، وأن الرجال الذين يزرعون الحرية في زمن القهر قد لا يرون كل ثمارها، لكن أبناءهم سيعيشون في وطن أكثر حرية ووحدة.
ذلك هو الإرث الحقيقي للمقاوم الحاج حريفة قدور: أن يبقى اسمه شاهدا على زمن كان فيه الدفاع عن الوطن موقفا، والمقاومة مسؤولية، والمال وسيلة لخدمة القضية، والمكان أداة لحماية السلاح، والوطن أكبر من كل الحدود التي رسمها المستعمر.
ومن هذه الزاوية، تستحق سيرة الحاج حريفة قدور أن تستعاد لا باعتبارها مجرد اسم في سجل للمقاومين، وإنما باعتبارها صفحة من صفحات تاريخ المقاومة المغربية، تؤكد أن وراء كل مرحلة من مراحل التحرر الوطني رجالا حملوا نصيبهم من المسؤولية، ودفعوا من مالهم، وخاطروا بأمنهم، وحفظوا السلاح، وأوصلوه إلى من كانوا يحملون البندقية في الميدان.
ثم تركوا للأجيال، بعد رحيلهم، معنى لا يحتاج إلى كثير من الشرح:
لقد كنا هنا، وكان للوطن علينا حق، فأديناه.
