Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

البرلمان المغربي يدخل زمن الكلاسيكو .. حين تصبح السياسة مباراة بين الحكومة والمعارضة

يبدو أن البرلمان المغربي يستعد لدخول موسم جديد من السياسة، ليس على طريقة المناظرات الهادئة التي اعتادتها القاعات التشريعية، وإنما على طريقة “الكلاسيكو” الإسباني، حيث لا يكفي أن تنتصر في الملعب، بل ينبغي أيضا أن تمنع خصمك من تسجيل الأهداف، وأن ترد على كل هجمة بهجمة أقوى.

ريال مدريد وبرشلونة لهما ملعب واحد، لكن لكل فريق جمهوره، لغته، تكتيكه، وذاكرته الخاصة بالمواجهة. وفي البرلمان أيضا، يبدو أن الحكومة والمعارضة تتجهان شيئا فشيئا نحو هذا النوع من السياسة: كل كلمة تحسب، كل هجوم يستدعي هجوما مضادا، وكل تصريح يمكن أن يتحول إلى مادة لمعركة أكبر من المناسبة التي قيل فيها.

ما وقع مع فوزي لقجع وإدريس الأزمي يستحق التوقف عنده، ليس لأن البرلمان لم يعرف من قبل مواجهات ساخنة، ولكن لأن نبرة المواجهة بدت مختلفة، ولأن لقجع نفسه لم يظهر هذه المرة باعتباره التكنوقراطي الذي يفضل لغة الأرقام والملفات، وإنما باعتباره سياسيا دخل الملعب بأدوات السياسة كاملة.

سوء النية، التضليل، الشعبوية، التغرير بالشباب، الإساءة إلى المؤسسات، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي في المعارك السياسية… ليست مجرد مفردات عابرة. إنها قاموس مواجهة. ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.

فحين يتحدث إدريس الأزمي عن تسييس الرياضة، أو يلمح إلى وجود حزب سياسي يدير الكرة الوطنية، فهو لا يناقش فقط علاقة السياسة بالرياضة، بل يقترب من منطقة شديدة الحساسية في الحياة العامة المغربية. وحين يرد لقجع بهذه الحدة، فإن الرد لا يصبح مجرد جواب على نائب معارض، وإنما يتحول إلى رسالة سياسية تتجاوز صاحب السؤال إلى المؤسسة والحزب والتيار الذي ينتمي إليه.

ثم هناك البعد الآخر في المواجهة: وصف لقجع بأنه “دوباج” جرى ضخه في “ريزيرفوار التراكتور” قبل الانتخابات.

هنا لم يعد النقاش متعلقا بكرة القدم ولا بالميزانية ولا حتى بالحكومة. لقد انتقلت المواجهة إلى منطقة الهوية السياسية، ومن أين جاء الرجل، وكيف صعد، ومن يقف وراءه، وما الذي يمثله.

وهذه بالضبط هي اللحظة التي يبدأ فيها “الكلاسيكو” السياسي.

لكن المفارقة أن فوزي لقجع، الذي حافظ خلال سنوات على صورة رجل المؤسسات والتكنوقراط، يبدو أنه يعيد تقديم نفسه اليوم بصورة مختلفة: سياسي أكثر صدامية، أكثر استعدادا للرد، وأقل ميلا إلى ترك المبادرة الخطابية للخصوم.

وقد يكون هذا التحول جزءا من تغيير أوسع في طريقة اشتغال الحكومة الجديدة.

فالمعارضة لم تعد تجد أمامها حكومة تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل حكومة تبدو مستعدة للذهاب إلى ملعب الخصم، والرد على الهجوم بهجوم مضاد.

فالخطاب الجديد لا يكتفي بالدفاع عن الحكومة الحالية، وإنما يبدو حريصا على رسم مسافة بينها وبين المرحلة السابقة، عبر استدعاء مفردات مثل الريع، وتضارب المصالح، والوساطة، والرأسمالية المتوحشة، والنيوليبرالية، وضرورة إعادة التوازن بين السوق والمجتمع.

إنها محاولة للقول إن هناك حكومة جديدة، وبالتالي هناك أيضا لغة سياسية جديدة. لكن السياسة لا تقاس باللغة وحدها. هنا يأتي مشروع قانون المالية.

بعد 243 صفحة من الأرقام والتدابير والوعود، يجد المواطن نفسه أمام السؤال الأصعب: هل نحن فعلا أمام تغيير في السياسة الاقتصادية والاجتماعية، أم أمام تغيير في طريقة تقديمها؟

صحيح أن المشروع يحمل إجراءات يمكن أن تكون لها آثار اجتماعية مهمة، من مراجعة بعض الإعفاءات الضريبية، إلى إجراءات مرتبطة بالدخل والتقاعد والمنح والدعم الاجتماعي، لكن الاختبار الحقيقي لا يوجد في العناوين التي تصلح للخطاب السياسي، بل في قدرة هذه التدابير على تغيير حياة الناس.

فالسياسة ليست أن تقول للمواطن إن هناك رقما ارتفع أو ضريبة انخفضت. السياسة هي أن يشعر المواطن بأن الدولة أصبحت أقرب إليه.

وفي المقابل، تظل الأسئلة الثقيلة حاضرة: النمو، التشغيل، الصحة، التعليم، كلفة الإدارة، الضرائب والرسوم، والقدرة على تمويل الوعود الانتخابية.

وهنا تحديدا يصبح البرلمان أكثر من مجرد قاعة للتصويت. إنه الملعب الذي ستختبر فيه الحكومة خطابها. والمعارضة تعرف ذلك جيدا.

لذلك يمكن أن يكون ما وقع بين لقجع والأزمي مجرد “صافرة البداية” لموسم سياسي مختلف، عنوانه أن الحكومة لن تترك المعارضة تلعب وحدها، وأن المعارضة لن تكتفي بدور المتفرج على أخطاء الحكومة. لكن هناك فرقا كبيرا بين “الكلاسيكو” الرياضي و”الكلاسيكو”  السياسي.

في كرة القدم، إذا خسر ريال مدريد أمام برشلونة، تنتهي المباراة ويبدأ الاستعداد للمباراة المقبلة. أما في السياسة، فإن الخسارة يدفع ثمنها المواطن.

إذا انتصرت الحكومة في السجال البرلماني ولم تنتصر في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، فلن يكون ذلك انتصارا سياسيا كاملا.

وإذا نجحت المعارضة في تسجيل أهداف خطابية متتالية، لكنها لم تقدم بديلا مقنعا، فإنها أيضا لن تكون قد فازت بالمباراة.

المشكلة إذن ليست أن البرلمان أصبح أكثر صخبا. المشكلة أن يتحول الصخب إلى بديل عن السياسة.

أن يصبح تسجيل الهدف أهم من صناعة اللعب، وأن تصبح إسقاطات الخصم أهم من تقديم البدائل، وأن تتحول الجلسات إلى منصة للمواجهة من أجل الجمهور، بدل أن تكون مساحة لإقناع المواطن. وهنا ربما يكون فوزي لقجع قد كشف شيئا أكبر من نفسه.

لقد كشف أن المرحلة السياسية المقبلة قد تكون أقل توافقية في خطابها، وأكثر صدامية في أدواتها.

وقد يكون البرلمان فعلا بصدد التحول إلى “كلاسيكو” مغربي: حكومة ومعارضة، هجوم ودفاع، أهداف ومرتدات، وجمهور يتابع من المدرجات ومن خارج المدرجات عبر البث المباشر.

لكن السؤال الذي يجب ألا ننساه وسط كل هذا الحماس هو:

هل نحن أمام مباراة سياسية حقيقية، أم مجرد مباراة في السياسة؟ لأن الفرق بين الاثنين هو أن الأولى تنتهي بإقناع المواطن، أما الثانية فتنتهي بالتصفيق فقط.

وفي السياسة، التصفيق لا يبني مدرسة، ولا يخلق منصب شغل، ولا يخفض فاتورة المعيشة.

أما الانتخابات، فهي وحدها التي تمنح الجمهور المغربي حق إعلان النتيجة النهائية. وذلك الجمهور، بخلاف جمهور الكلاسيكو، لا يكتفي بالفرجة. إنه من يدفع ثمن المباراة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا