مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لفقيه بنصالح / جلال لويزي
من الفقيه بن صالح إلى واجهة العمل البرلماني الوطني، يواصل رحال المكاوي مساره السياسي من موقع جديد، بعد انتخابه رئيسا للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب يوم 19 أكتوبر 2026. محطة تعيد تسليط الضوء على تجربة جمعت بين التكوين العلمي والمسؤوليات الإدارية والمؤسساتية والتدرج الحزبي، وتضعه أمام رهانات جديدة تتجاوز حدود المسؤولية التنظيمية إلى إختبار القدرة على التأثير والترافع وتحقيق النتائج.
لم يكن المكاوي وافدا على المؤسسات، فقد راكم تجربة امتدت لسنوات في مواقع متعددة. بدأ مساره في المسؤولية الإدارية رئيسا لديوان كتابة الدولة المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص في وضعية إعاقة، ثم رئيسا لديوان وزير الصحة، قبل أن يتولى منصب الكاتب العام لوزارة الصحة بين سنتي 2008 و2013. وعلى المستوى الدولي، ترأس المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية سنة 2011، وهي محطة بارزة في مساره المؤسساتي.
أما في المجال السياسي والبرلماني، فقد التحق باللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال سنة 2012، وانتُخب عضوا بمجلس المستشارين خلال الولاية 2015–2021، حيث تولى رئاسة لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية. وعلى المستوى المحلي، انتُخب رئيسا لجماعة الفقيه بن صالح سنة 2023، قبل أن يتولى اليوم قيادة الفريق الاستقلالي بمجلس النواب. وهو مسار تتعدد محطاته بين الإدارة والعمل المؤسساتي والتدبير المحلي والمسؤولية الحزبية، ويمنح إنتخابه الأخير سياقا يتجاوز مجرد تداول المسؤوليات داخل الفريق النيابي.
ويأتي هذا التدرج داخل حزب الاستقلال، أحد أعرق الأحزاب الوطنية، المرتبط اسمه بتاريخ الحركة الوطنية والمقاومة، والذي راكم عبر أجيال حضورا في الحياة السياسية المغربية. فحزب الآباء والأجداد يواجه اليوم، مثل باقي التنظيمات السياسية، تحدي الحفاظ على رصيده التاريخي وتجديد نُخبه في الوقت نفسه، وربط المسؤولية بالقدرة على مواكبة تحولات المجتمع والاستجابة لإنتظارات المواطنين. ومن هذه الزاوية، فإن قيادة المكاوي للفريق النيابي تفتح المجال للتوقف عند مساره وتجربته، كما تضعه أمام مسؤولية تقديم إضافة ملموسة في المرحلة المقبلة.
غير أن تجربته في الفقيه بن صالح تظل محطة أساسية لفهم طبيعة التحديات التي يواجهها. فمنذ توليه رئاسة الجماعة، برز توجه يقوم على الصرامة والوضوح في التعامل مع الملفات، والسعي إلى تحريك عدد من القضايا والمشاريع التي ظلت عالقة أو متعثرة، مع التأكيد على إحترام المساطر الإدارية بإعتبارها الإطار الطبيعي لتدبير مصالح المواطنين.
ومثل هذا التوجه لا يمر دائما من دون نقاش أو انتقادات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتغيير أساليب تدبير استقر العمل بها لسنوات. وقد تؤثر الصرامة في التعامل مع الملفات والحد من التدخلات غير الرسمية في طبيعة العلاقات المحيطة بالمؤسسة، لكن تقييم التجربة يظل رهينا بما يمكن إثباته من وقائع، وبما ستكشف عنه الحصيلة الفعلية للتدبير، بعيدا عن الانطباعات والتأويلات.
لقد تسلم المكاوي رئاسة جماعة الفقيه بن صالح في سياق استثنائي، عقب مرحلة محمد مبديع، الذي صدر في حقه حكم إبتدائي بالسجن النافذ لمدة 13 سنة. ولم تكن التحديات مرتبطة بتغيير المسؤول على رأس الجماعة فحسب، بل شملت أيضا ملفات تحتاج إلى المعالجة، ومشاريع متوقفة أو متعثرة، وبنيات تحتية تثار بشأن بعضها ملاحظات تتعلق بالجودة وإحترام المواصفات، فضلا عن تساؤلات مرتبطة بالوضعية المالية والإلتزامات المتراكمة.
وهي ملفات لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الحلول الظرفية. فبعض الأوراش تحتاج إلى إفتحاص تقني جاد، وتحديد مكامن الخلل استنادا إلى الوثائق والخبرات، وترتيب المسؤوليات وفق ما تثبته المعطيات. وقد تتطلب بعض البنيات إعادة تأهيل عميقة، أو تدخلا أكبر إذا أثبتت الخبرة التقنية عدم صلاحيتها. أما الملفات المالية، فتحتاج إلى وضوح في الأرقام والإلتزامات، وتدبير مسؤول يحمي مصالح الجماعة والمال العام.
في هذا السياق، تبدو الصرامة في التدبير ضرورة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح التجربة. فتحريك المشاريع المتعثرة يظل اختبارا حقيقيا لجدوى القرارات المتخذة، والمواطن لا ينتظر فقط معرفة ما جرى في الماضي أو تحديد المسؤوليات، بل يريد أن يعرف ما الذي يُنجز اليوم لتجاوز الإختلالات، ومتى ستتحول الأوراش المعطلة إلى مرافق وخدمات يستفيد منها على أرض الواقع.
أما على المستوى البرلماني، فقد برز حضور المكاوي من خلال مداخلته بإسم الفريق الاستقلالي في مناقشة البرنامج الحكومي، حيث تناول قضايا متعددة، من الدفاع عن الثوابت الوطنية والوحدة الترابية إلى محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية. وهي ملفات تضعه أمام مسؤولية ترجمة موقعه الجديد إلى ترافع فعلي داخل المؤسسة التشريعية، ومتابعة القضايا التي تشغل المواطنين.
ولا شك أن التجربة الإدارية والتكوين العلمي والمسار الحزبي يمكن أن تمنح السياسي أدوات مهمة لفهم الملفات المعقدة والتعامل معها. كما أن القدرة على عرض المواقف بوضوح والحضور في النقاش المؤسساتي عنصران مهمان في ممارسة المسؤولية، لكن الخبرة لا تُقاس بعدد المناصب وحده، وقوة الخطاب لا تعوض الحصيلة. فالمعيار الأهم يظل ما يمكن تحقيقه من نتائج، وما يتركه الأداء من أثر في حياة المواطنين.
وبالنسبة إلى الفقيه بن صالح، تبدو المسؤولية مضاعفة. فالمنطقة تحتاج إلى صوت حاضر في الرباط، قادر على الترافع من أجل الاستثمار وخلق فرص الشغل وتأهيل البنيات التحتية وتحسين خدمات الصحة والتعليم، كما تحتاج إلى متابعة دقيقة للمشاريع المتعثرة والملفات التي تؤثر مباشرة في حياة الساكنة. ولا قيمة لحضور برلماني قوي إذا لم يجد صداه في قضايا الناس وإنتظاراتهم اليومية.
اليوم، يقف رحال المكاوي أمام مرحلة جديدة تتسع فيها دائرة المسؤولية بقدر ما تتسع دائرة التأثير. فقيادة الفريق الاستقلالي بمجلس النواب تمنحه موقعا مهما في تنسيق العمل البرلماني لنواب الحزب، لكنها ترفع في المقابل سقف الإنتظارات منه، سواء داخل المؤسسة التشريعية أو في الإقليم الذي يمثله. وبين تجربة التدبير المحلي والمسؤولية البرلمانية، يصبح التحدي هو تحقيق التكامل بين الموقعين، بما يخدم التنمية المحلية ويعزز حضور قضايا المواطنين داخل النقاش الوطني.
ويبقى الرهان الحقيقي أن تتحول الصرامة إلى حكامة أفضل، والوضوح إلى شفافية، وتحريك الملفات إلى مشاريع مكتملة، والترافع البرلماني إلى مكاسب تنموية ملموسة. أما الحكم على التجربة، فلن تحسمه المواقف وحدها، بل ما ستكشف عنه الوقائع والأرقام والنتائج.
ففي الفقيه بن صالح، كما في البرلمان، لا يكفي أن يكون الصوت مسموعا؛ الأهم أن يكون له أثر. والثقة التي يمنحها المواطن عبر صناديق الإقتراع لا تكتمل إلا حين يلمس نتائجها في واقعه اليومي. وبين مسار راكم فيه رحال المكاوي مسؤوليات وطنية ومؤسساتية، ومرحلة جديدة يتولى فيها قيادة الفريق الاستقلالي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تحسم الحصيلة الرهان؟
