Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

مسرح الطفل بين الفرجة والتربية: ماذا تقول تجربة «ساحر رغماً عنه»؟

متابعة // عبد الكامل بوكصة
في المشهد المسرحي المغربي، يظل مسرح الطفل واحداً من أكثر الأجناس المسرحية حاجة إلى المراجعة والنقد، ليس فقط لأنه يخاطب جمهوراً صغيراً في السن، وإنما لأنه يتعامل مع متلقٍّ شديد الحساسية، سريع التفاعل، ولا يمنح العرض كثيراً من الوقت لاستعادة انتباهه إذا أخفقت الخشبة في إقناعه. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة مسرحية «ساحر رغماً عنه»، لجمعية مسرح خميسات سيني تياتر، جديرة بالتوقف عندها، لا باعتبارها مجرد جولة مسرحية، وإنما باعتبارها محاولة لطرح سؤال قديم ومتجدد: هل يستطيع المسرح المغربي أن يجعل الطفل يستمتع بالفن دون أن يحوّل الخشبة إلى درس تربوي مباشر؟
الجولة، المدعومة من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، مرت عبر عدد من المدن، من بينها الحاجب وآزرو ومولاي إدريس زرهون ومكناس والدار البيضاء، قبل أن تصل إلى محطتي الخميسات وأبي القنادل. وقد استقطبت العروض، وفق معطيات الجمعية، نحو 3000 طفل وطفلة، وهو رقم يكشف في حد ذاته عن حاجة حقيقية إلى مثل هذه المبادرات، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده معياراً للحكم على القيمة الفنية للعمل.
ففي المسرح، لا يكفي أن تمتلئ القاعة بالأطفال؛ السؤال الأهم هو: ماذا يحدث لهم داخلها؟
«ساحر رغماً عنه»، من تأليف وإخراج عبد الرحمن بندحو، تنطلق من عالم الحكاية والخيال والتعبير المسرحي، محاولة الجمع بين المتعة والرسالة. وهذه المعادلة تبدو سهلة في الكتابة، لكنها من أصعب التحديات على الخشبة، لأن الطفل لا يتعامل مع الخطاب المسرحي باعتباره درساً أخلاقياً، بل باعتباره لعبة وخيالاً وحركة وشخصيات وصراعاً ومفاجأة.
ومن هنا تكمن قيمة التجربة في سعيها إلى تقديم القيم التربوية من داخل الفرجة، بدل الاكتفاء بتلقينها. غير أن نجاح هذا الاختيار يظل رهيناً بمدى قدرة العرض على تحقيق التوازن بين المضمون التربوي والاستقلال الجمالي للمسرح؛ فكلما طغت الرسالة على الفن، أصبح العرض أقرب إلى حصة توجيهية، وكلما انتصر الفن للفرجة وحدها، فقد المسرح إحدى أهم إمكاناته في بناء وعي الطفل.
وتبرز أهمية تجربة «ساحر رغماً عنه» أيضاً في كونها اختارت الجولة وسيلة للوصول إلى الجمهور، بدل انتظار أن يأتي الطفل إلى المؤسسة الثقافية. وهذه نقطة تستحق التوقف، خصوصاً في ظل التفاوت الواضح في العرض الثقافي بين المدن والمراكز الكبرى والمناطق التي لا تصلها البرمجة المسرحية بالانتظام نفسه.
إن انتقال العرض بين الحاجب وآزرو ومولاي إدريس زرهون ومكناس والدار البيضاء وغيرها، يجعل المسرح هنا فعلاً ثقافياً متنقلاً، ويمنحه فرصة لاختبار نفسه أمام جماهير مختلفة، وهو اختبار أكثر أهمية من التصفيق الذي قد ينتهي بانتهاء العرض.
أما فنياً، فقد شارك في التشخيص نجيب بنصرو، واليافع محمود أمين بندحو، إلى جانب عبدالرحمن بندحو، فيما تكلف المهدي مزي بالمحافظة، وأمينة ديدان بإدارة الخشبة. وهي تركيبة تضع عنصر الأداء والتفاعل المباشر مع الطفل في قلب التجربة، خصوصاً أن مسرح الناشئة يحتاج إلى إيقاع قادر على مقاومة التشتت، وإلى أداء يعرف كيف يجعل الطفل شريكاً في اللعبة المسرحية لا مجرد متفرج صامت.
لكن الأهم في مثل هذه التجارب ليس فقط عدد العروض أو عدد الأطفال الذين تابعوها، وإنما ما يبقى بعد إسدال الستار. هل يغادر الطفل القاعة وهو يتذكر الشخصيات والحكاية؟ هل يطرح سؤالاً؟ هل يعيد إنتاج ما شاهده في مخيلته؟ هل يدفعه العرض إلى الرغبة في مشاهدة مسرحية أخرى؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تحضر عند تقييم مسرح الطفل، لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى ثلاثة آلاف طفل مرة واحدة، وإنما في صناعة ثلاثة آلاف علاقة جديدة مع المسرح.
ومن هذه الزاوية، تقدم «ساحر رغماً عنه» تجربة تستحق التشجيع، لكنها تستحق أيضاً النقد والمساءلة، كما هو شأن كل عمل مسرحي جاد. فمسرح الطفل المغربي يحتاج اليوم إلى أكثر من المبادرات الموسمية؛ يحتاج إلى كتابة مسرحية متخصصة، ومخرجين يشتغلون على خصوصية المتلقي الصغير، وفضاءات ملائمة، وبرمجة مستمرة، ونقد مسرحي يتعامل مع عروض الأطفال باعتبارها فناً قائماً بذاته، لا هامشاً تابعاً للمسرح الموجه للكبار.
لقد أسدلت جمعية مسرح خميسات سيني تياتر الستار على جولتها، لكن قيمة التجربة لا تنتهي بانتهاء العروض. فالمسرح الذي يخاطب الطفل لا ينبغي أن يكتفي بأن يجعله يضحك أو يصغي؛ عليه أن يوقظ خياله، ويمنحه حق السؤال، ويترك في ذاكرته صورة جميلة عن الخشبة.
وهنا تحديداً يمكن أن يصبح «الساحر» أكثر من شخصية مسرحية؛ يمكن أن يصبح استعارة عن قدرة المسرح نفسه على تحويل الطفل من متلقٍّ عابر إلى عاشق محتمل للفن والثقافة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا