مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
يحلم المواطن المغربي بدولة اجتماعية تحميه وتؤمّن له الحد الأدنى من العيش الكريم، فالدستور المغربي لسنة 2011 تحدث بوضوح عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وعن مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية في ضمان المساواة والتضامن غير أن هذا الحلم، الذي يُفترض أن يترجم إلى سياسات ملموسة، ما زال يعيش في كثير من جوانبه بين الوهم والواقع.
عندما ننظر حولنا، نرى أن معاني الدولة الاجتماعية ما زالت بعيدة عن التطبيق الكامل ,فالمواطن يطالب بحقوق أساسية: الحق في التعليم الجيد، الحق في التطبيب والعلاج، الحق في الشغل الكريم، والحق في بيئة سليمة وتنمية عادلة ,لكن الواقع يكشف اختلالات واضحة: مدارس مكتظة تضعف تكافؤ الفرص، مستشفيات تفتقد للتجهيزات والموارد، شباب عاطل يطارد فرصة عمل، ومناطق كاملة ما زالت على هامش التنمية.
المغرب، مثل كثير من الدول، تبنى خطاب “الدولة الاجتماعية” كطموح كبير، بل إن دستور 2011 والخطب الملكية والسياسات العمومية كلها أكدت هذا الخيار. لكن الفوارق بين المدن والقرى، وبين الطبقات الميسورة والفقيرة، تجعل المواطن البسيط يتساءل: هل الدولة الاجتماعية حقيقة أم مجرد شعار؟
الواقع أن الدولة الاجتماعية ليست مجرد قانون مكتوب أو خطاب سياسي، بل هي مؤسسات قوية وخدمات عمومية عادلة تضمن الكرامة. فالأم التي تنتظر ساعات طويلة في قسم المستعجلات، والتلميذ الذي يقطع عشرات الكيلومترات ليصل إلى مدرسته، والمتقاعد الذي لا يتجاوز معاشه ألف درهم في مواجهة غلاء المعيشة… هؤلاء جميعًا يجسدون الفارق بين ما نطمح إليه وما نعيشه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المغرب خطا خطوات مهمة عبر برامج الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، وإطلاق مشاريع إصلاحية، لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه البرامج من أوراق وخطط إلى واقع يومي يلمسه المواطن، فالدولة الاجتماعية ليست شعارًا نتباهى به، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع لإعادة بناء الثقة، وضمان الكرامة، وصون حقوق كل فرد.
لكن إذا انتقلنا من النصوص والخطب إلى الحياة اليومية للمواطن، سنجد أن الدولة الاجتماعية في المغرب ما تزال مشروعًا أكثر منها واقعًا ملموسًا، فالكثير من الأسر تواجه صعوبات في ولوج الخدمات الأساسية، سواء في الصحة أو التعليم أو الشغل، بينما تعاني مناطق واسعة من تهميش مجالي يجعل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية أكثر وضوحًا.
المستشفيات العمومية، رغم مجهودات التوسيع والإصلاح، ما تزال تعاني الاكتظاظ ونقص التجهيزات والموارد البشرية، مما يجعل المواطن البسيط يضطر أحيانًا للجوء إلى القطاع الخاص بأثمان باهظة, والمدرسة العمومية تعيش بدورها تحديات الاكتظاظ وضعف الجودة، وهو ما ينعكس على تكافؤ الفرص بين أبناء الفئات الميسورة وأبناء الفئات الفقيرة. أما سوق الشغل، فيطرح بدوره معضلة بطالة الشباب وخريجي الجامعات، في ظل ضعف النموذج التنموي في استيعاب الطاقات والكفاءات.
وإذا كان الدستور والسياسات العمومية قد أكدوا على مبدأ العدالة الاجتماعية، فإن الواقع يكشف استمرار اختلالات عميقة، أبرزها التفاوت بين المجال الحضري والقروي، وبين الجهات الساحلية والمناطق الداخلية، وهذا ما يجعل المواطن في الكثير من الأحيان يشعر أن خطاب الدولة الاجتماعية لم يكتمل بعد، وأن الحلم ما زال أبعد من أن يتحقق.
اليوم، يبدو أن المواطن المغربي أصبح يعاني أكثر من أي وقت مضى، رغم كل الشعارات حول بناء الدولة الاجتماعية، فبدل أن يلمس ثمار هذا المشروع في حياته اليومية، يجد نفسه أحيانًا كأنه يدفع ضريبة تحقيق الدولة الاجتماعية، سواء من جيبه أو من صبره وكرامته، فالتحديات اليومية في الصحة والتعليم والشغل تجعل المواطن يعيش حالة من الانتظار الطويل، حيث يظل الوعد بالعدالة الاجتماعية بعيدًا عن الواقع الملموس، مؤكدًا أن الطريق نحو دولة اجتماعية حقيقية ما زال طويلًا وشاقًا.
إن الدولة الاجتماعية ليست مجرد نصوص أو برامج، بل هي اختبار حقيقي لالتزام مؤسسات الدولة تجاه كرامة مواطنيها، وقياس لصدق وعدها بالعدالة والمساواة، المواطن الذي ينتظر العلاج، أو يسعى وراء التعليم والعمل، هو المرآة الحقيقية لهذا الاختبار. وحتى يتحقق هذا الحلم، يبقى الطريق طويلاً وغامضا، ويستلزم من الجميع—الدولة والمجتمع—العمل معًا لإعادة بناء الثقة، وتجاوز الفوارق، وتحويل الشعارات إلى واقع ملموس يلمسه كل فرد في حياته اليومية,فالدولة الاجتماعية الحقيقية ليست حلمًا بعيدًا، بل مسؤولية تتجسد في تفاصيل حياة المواطن اليومية.
