مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخر خبر
من منظور خارجي، لم تكن النسخة الخامسة والثلاثون من كأس أمم إفريقيا مجرد مسابقة كروية قارية. لقد شكلت، فيالعمق، تجسيدا لمسار بلد يشق طريقه بثبات نحو ترسيخ مكانته الإقليمية والدولية: قوة ناعمة متصاعدة، بنية تحتية حديثة،ورهان استراتيجي يمتد إلى أفق 2030. المغرب قدم نفسه للعالم في أبهى حلة.
رغم مرارة الهزيمة في المباراة النهائية أمام السنغال، فإن كأس أمم إفريقيا 2025 ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية والقارية كواحدة من أكثر النسخ تميزا في تاريخ المسابقة. فبعيدا عن النتيجة الرياضية، نجح المغرب في تحقيق مكاسب نوعية تتجاوز حدود التتويج بالكأس، وتلامس رهانات أعمق مرتبطة بالصورة، والجاهزية، والتموقع الجيو-استراتيجي.
منذ صافرة البداية، كان واضحا أن المغرب لا ينظم بطولة قارية فحسب، بل يختبر نموذجا متكاملا للتنظيم الرياضي الحديث. ملاعب بمعايير دولية، شبكات نقل فعالة، منظومة أمنية محكمة، وخدمات لوجستية نالت إشادة الوفود والاتحادات الإفريقية، فضلا عن الإعلام الدولي.
هذا النجاح التنظيمي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استثمار طويل الأمد في البنية التحتية الرياضية والحضرية، ورؤية سياسية تعتبر الرياضة رافعة من روافع التنمية والتموقع الدولي. وهنا، بعث المغرب برسالة هادئة ولكن واضحة: القارة الإفريقية قادرة على تنظيم أكبر التظاهرات بأعلى المعايير، والمغرب في طليعة هذا التحول.
أكدت CAN 2025 أن كرة القدم باتت إحدى أدوات القوة الناعمة المغربية. فالتفاعل الجماهيري، والانفتاح الثقافي، وحسن الاستقبال، كلها عناصر ساهمت في بناء صورة بلد مستقر، منفتح، وقادر على الجمع بين الأصالة والحداثة.
على امتداد البطولة، تحولت المدن المستضيفة إلى فضاءات تلاقٍ إفريقي-إفريقي، حيث امتزجت الثقافات واللهجات والأعلام، في مشهد عزز من دور المغرب كجسر بين شمال القارة وعمقها، وبين إفريقيا وأوروبا.
اقتصاديا، شكلت البطولة دفعة قوية لقطاعات حيوية، في مقدمتها السياحة، والنقل، والخدمات. نسب الإشغال الفندقي ارتفعت، والمطارات سجلت حركة غير مسبوقة، فيما استفادت آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة من الزخم المرتبط بالحدث.
لكن الأهم من الأرقام الظرفية، هو الأثر التراكمي لصورة المغرب كوجهة آمنة وقادرة على احتضان التظاهرات الكبرى، وهو ما يعزز جاذبيته للاستثمارات المستقبلية، سواء في المجال الرياضي أو خارجه.
لا يمكن فصل نجاح CAN 2025 عن الأفق الأوسع لكأس العالم 2030، الذي يستعد المغرب لاحتضانه بشكل مشترك. فقد شكلت البطولة القارية بمثابة اختبار حقيقي للبنية التحتية، والموارد البشرية، وآليات التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، يرى العديد من المراقبين أن المغرب خرج من هذه التجربة أكثر ثقة في قدراته، وأكثر إقناعا لشركائه الدوليين، بعدما أثبت ميدانيا أن رهانه على مونديال 2030 يستند إلى أسس واقعية لا إلى طموحات خطابية.
صحيح أن الكأس لم ترفع في الرباط، وأن الجماهير كانت تأمل نهاية أكثر سعادة، لكن التاريخ الرياضي يعلمنا أن بعض الهزائم تكون أكثر ثراء من انتصارات عابرة. فالمغرب، في CAN 2025، ربح ما هو أثمن: صورة دولة منظمة، طموحة، وقادرة على تحويل الرياضة إلى مشروع وطني متكامل.
وبهذا المعنى، فإن ما كسبه المغرب في هذه البطولة يتجاوز بكثير نتيجة مباراة نهائية. إنه ربح ثقة القارة، واحترام الشركاء، ونقطة إضافية في مسار صعود هادئ ولكن ثابت على الساحة الدولية.
