حين تتحول المنافسة الانتخابية إلى معركة ضد الخصم.. أين يختفي نقاش البرامج والحلول التنموية؟
بقلم الدكتور سعيد يفلح العمراني
شارك
في خضم الاستحقاقات الانتخابية، تبرز أحيانًا ظواهر تتجاوز حدود التنافس السياسي المشروع، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الخطاب الانتخابي وحدود المنافسة وأخلاقياتها. ومن بين أكثر المظاهر إثارة للنقاش، لجوء بعض الفاعلين السياسيين إلى استحضار رموز أحزاب أخرى، وارتداء ألوانها أو صدرياتها، ثم توظيف ذلك في حملات هدفها الواضح التأثير في اختيارات الناخبين أو ثنيهم عن التصويت لجهة سياسية بعينها.
هذه الممارسات، متى تحولت من مجرد منافسة انتخابية إلى محاولة لتشويه الخصم أو مصادرة حق المواطن في الاختيار الحر، تضع العملية الديمقراطية أمام اختبار حقيقي. فالمنافسة السياسية، في جوهرها، يفترض أن تقوم على عرض البرامج ومناقشة الحصيلة وتقديم البدائل، لا على الاستعارة الرمزية لهوية المنافس ثم مهاجمتها.
وتزداد حساسية الظاهرة عندما يكون الخطاب موجها إلى ناخبين فقدوا، على امتداد السنوات، جزءًا من ثقتهم في الوعود السياسية. فالمواطن لا يقيس الخطاب الانتخابي فقط بما يقال في المنصات واللقاءات، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية: فرص الشغل، القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، جودة الخدمات العمومية، النقل، البنية التحتية، والقدرة الفعلية على تحويل الوعود إلى نتائج.
لقد شهدت الساحة السياسية، على مر السنوات، وعودًا كبيرة انتقلت من برنامج إلى آخر ومن حملة إلى أخرى، بينما ظل المواطن ينتظر أثرها الملموس. وبين الوعود المتعلقة بالنقل والبنيات التحتية والتشغيل وتحسين القدرة الشرائية، وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الناس، نشأت فجوة جعلت جزءًا من الرأي العام أكثر حذرًا تجاه الخطاب الانتخابي.
وفي مثل هذا السياق، يصبح الناخب أكثر حساسية تجاه أي محاولة للتأثير عليه خارج النقاش الحقيقي حول البرامج والحصيلة. فالمواطن، في النهاية، ليس مجرد رقم في صناديق الاقتراع، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره جمهورًا يمكن توجيهه بواسطة الرموز أو الشعارات أو الحملات المضادة.
أما استعمال رموز حزب منافس وصدرياته وألوانه في سياق هجومي، فهو يفتح نقاشًا مشروعًا حول أخلاقيات المنافسة السياسية. هل يتعلق الأمر بأسلوب دعائي مشروع؟ أم أنه يتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لإرباك الناخب وإثارة النفور من خصم سياسي بدل مناقشة أفكاره وبرنامجه؟ الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تترك للمواطن وللمؤسسات المختصة وللصحافة المهنية، بناءً على الوقائع الموثقة، لا على الانطباعات وحدها.
الديمقراطية لا تُختبر فقط يوم الاقتراع، وإنما أيضًا في الطريقة التي يتعامل بها المتنافسون مع بعضهم البعض ومع الناخبين. فمن حق كل حزب أن يدافع عن برنامجه، ومن حق كل مرشح أن ينتقد منافسيه، لكن ليس من حق بعض الأحزاب التي لها رمزها والتي تحاول الصيد في الماء العكر ان ترتدي قبعة وصدرية رمز الأسد و الطعن فيه بسبب عجزها الكامل عن تحقيق ذرة من الوعود الفضفاضة التي تطلقها اثناء حملتها الانتخابية بثقة وحماس ورقص تراهقي…ومن حق المواطن كذلك أن يسمع مختلف الآراء وأن يقرر بعيدًا عن التضليل أو التخويف أو انتحال الرموز.
وفي تطوان، كما في غيرها من المدن، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من سياسة استهلاك الشعارات إلى سياسة تقديم الحساب. المواطن يريد أن يعرف ماذا تحقق، وماذا لم يتحقق، ولماذا، وما الذي سيُنجز مستقبلًا، وكيف سيتم تمويله وتنفيذه. أما تحويل الانتخابات إلى حرب رموز وصدريات وشعارات مضادة، فلن يحل مشكلة الثقة بين المواطن والسياسة.
وفي النهاية، فإن أقوى رد على المنافس السياسي ليس ارتداء رمزه ثم مهاجمته، وإنما تقديم مشروع واضح، وحصيلة قابلة للتحقق، وخطاب يحترم ذكاء الناخب. فالصندوق الانتخابي لا يحتاج إلى من يقرر بالنيابة عن المواطن، بل إلى مواطن يملك المعلومات الكافية ليقرر بنفسه.
فعلى مثل هذه الأحزاب أن تتقي الله في الشعب بعدما خذلته في كل المحطات..وعليها أيضا أن تساهم في بناء صرح الديمقراطية وأن تتحلى بالروح الرياضية حتى نتجنب جميعا ما قاله الشاعر بشار بن برد :
متى يبلغ البنيانُ يوما تمامَهُ…إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ.
نستخدم في آخر خبر ملفات cookies للتأكد من أننا نقدم لك أفضل تجربة على موقعنا. إذا واصلت استخدام هذا الموقع ، فسوف نفترض أنك موافق على ذلك تبعا لقوانين GDPR