Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

مباراة التعليم حين تتحول الميزة الجامعية إلى حكم على الكفاءة الطالب بين المطرقة والسندان

 

بين عتبة المعدل الجامعي ورهان استقطاب الكفاءات التربوية، يتجدد النقاش حول معايير الانتقاء في مباريات التعليم، ومدى قدرة التقدير الأكاديمي وحده على قياس مؤهلات المترشحين واستعدادهم لتحمل مسؤولية التدريس.

هل تكفي ميزة جامعية لتخبرنا من يستحق أن يكون أستاذا ومن لا يستحق وهل يمكن اختزال سنوات من التحصيل العلمي والبحث والتكوين في رقم أو تقدير نهائي ثم اتخاذه معيارا فاصلا بين من يمنح فرصة اجتياز مباراة التعليم ومن يقصى منها قبل أن تتاح له فرصة إثبات قدراته يبدو أن النقاش حول شرط الانتقاء في مباريات التعليم يتجاوز مجرد اختلاف حول عتبة رقمية أو معدل مطلوب ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بفلسفة الجامعة ومعنى الاستحقاق وحدود الإنصاف في الولوج إلى المهن التربوية لا أحد يجادل في أهمية الانتقاء ولا في ضرورة البحث عن الكفاءات التي تستطيع تحمل مسؤولية التربية والتعليم. لكن ما يستحق النقاش هو تحويل الميزة الجامعية إلى معيار شبه حاسم للحكم على أهلية المترشح لمهنة التعليم وكأنها شهادة نهائية على مستوى المعرفة والنضج الفكري والقدرة على التدريس فالحقيقة التي ينبغي ألا نتجاهلها هي أن الميزة الجامعية ليست دائما مرآة صافية لمستوى الطالب الحقيقي فالجامعة باعتبارها فضاء علميا وإنسانيا لا تخلو من التفاوت في طرق التقويم واختلاف المناهج البيداغوجية وتباين معايير التصحيح بين الأساتذة والمؤسسات والمسالك بل إن بعض أشكال التقويم تظل مرتبطة بتقدير الأستاذ واجتهاده في منح النقطة وهو ما يجعل الذاتية حاضرة بدرجات متفاوتة داخل عملية يفترض فيها أن تكون موضوعية قد يحصل طالب على ميزة حسن جدا في مؤسسة جامعية بينما يحصل آخر على ميزة مستحسن في مؤسسة أخرى رغم أن الفارق الحقيقي بينهما في المعرفة والتحليل والقدرة على الإنتاج العلمي قد لا يعكس بالضرورة الفارق العددي المسجل في الشهادتين وهنا يبرز سؤال محرج هل نحن أمام قياس حقيقي للكفاءة أم أمام مقارنة بين نتائج تقويمية لم تخضع بالضرورة للمعايير نفسها كما أن الجامعة لم تنشأ لتكون مصنعا لإنتاج أصحاب الميزات وإنما هي فضاء لطلب العلم وبناء الفكر النقدي وتطوير أدوات البحث وتكوين شخصية قادرة على التحليل والمساءلة والإبداع والطالب لا يدخل الجامعة ليحصد أعلى نقطة بل ليتعلم ويخطئ ويعيد المحاولة ويكتشف قدراته ويطور من معارفه وليس كل من لم يحصل على ميزة عالية طالبا ضعيفا كما أن الحصول على ميزة عالية لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة استثنائية على التواصل أو التحليل أو الإقناع أو نقل المعرفة إلى الآخرين
وهذه المسألة تزداد أهمية حين يتعلق الأمر بمهنة التعليم تحديدا فالأستاذ ليس مجرد حامل لشهادة جامعية ذات تقدير مرتفع وإنما هو شخصية تربوية وعلمية وإنسانية تحتاج إلى امتلاك رصيد معرفي وقدرة على التواصل ومهارات في التدبير والتفاعل وذكاء بيداغوجي ومرونة في التعامل مع الاختلافات الفردية بين المتعلمين فهل تستطيع الميزة الجامعية وحدها قياس كل هذه الأبعاد إننا حين نجعل المعدل الجامعي بوابة أولى وحاسمة للولوج إلى مباراة التعليم.
قد نكون أمام مفارقة تستحق التأمل نقول إننا نبحث عن أجود الكفاءات التربوية لكننا قد نقصي أشخاصا يمتلكون مؤهلات علمية وفكرية وتواصلية مهمة فقط لأن مسارهم الجامعي لم ينته بالميزة التي حددتها عتبة الانتقاءوالأكثر إشكالا أن الطالب يجد نفسه بين المطرقة والسندان فمن جهة يطلب منه أن ينظر إلى الجامعة باعتبارها فضاء للتحصيل العلمي والتكوين المعرفي ومن جهة أخرى يجد أن مستقبله المهني قد يتوقف على تقدير رقمي لا يعكس بالضرورة حقيقة ما اكتسبه من كفايات لا ندافع هنا عن إلغاء الانتقاء ولا عن مساواة جميع المترشحين بصرف النظر عن مستواهم وإنما ندافع عن ضرورة مراجعة فلسفة الانتقاء نفسها لما لا يكون الانتقاء متعدد المعايير ولماذا لا تمنح أهمية أكبر لاختبارات معرفية موحدة تقيس التمكن من التخصص والقدرة على التحليل والاستدلال والتفكير النقدي إلى جانب اختبارات تقيس الاستعداد للممارسة التربوية والتواصلية
أليس من الأجدر أن نختبر ما يعرفه المترشح وما يستطيع إنجازه بدلا من الاكتفاء بما حصل عليه في مرحلة سابقة من مساره الجامعي الإنصاف لا يعني التخلي عن معايير الجودة بل يعني أن تكون هذه المعايير قادرة على اكتشاف الكفاءة الحقيقية وألا تتحول الوسيلة إلى غاية أو يصبح المعدل الجامعي حكما نهائيا على مستقبل الإنسان
وفي المقابل ينبغي ألا نغفل أن الميزة الجامعية تظل مؤشرا يمكن الاستئناس به وقد تعكس بالفعل اجتهادا واستمرارية وتمكنا معرفيا لدى كثير من الطلبة لكن الإشكال يبدأ حين ننتقل به من مستوى المؤشر إلى مستوى الحكم المطلق الرهان الحقيقي ليس في انتقاء أصحاب أعلى المعدلات فحسب بل في اكتشاف أولئك الذين يمتلكون المعرفة والقدرة والاستعداد لتحويل العلم إلى فعل تربوي مؤثر
فالتعليم ليس جائزة تمنح للمتفوقين في الامتحانات الجامعية بل مسؤولية تتطلب كفاءة مركبة لا تختزلها شهادة ولا يستوعبها رقم
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفتح حوله نقاشا مجتمعيا وتربويا واسعا هل نريد مباراة تنتقي أصحاب أعلى الميزات الجامعية أم مباراة تستطيع اكتشاف أفضل الكفاءات القادرة على صناعة الأجيال
فبين الأمرين مسافة تستحق أن نفكر فيها كثيرا

شاهد أيضا

شاهد أيضا