مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة العمومية أن تعاني من نقص التمويل، أو اختلالات الحكامة، أو محدودية العرض البيداغوجي، وإنما أن تتحول، بفعل اختيارات سياسية وتدبيرية، من مؤسسة لإنتاج المعرفة وتوسيع العدالة الاجتماعية إلى فضاء يعاد فيه ترتيب المواطنين وفق قدرتهم على الأداء المالي. فحين يصبح الموظف والأجير مطالباً بأداء رسوم مالية لمتابعة دراسته الجامعية، وحين يُدفع به إلى مسالك التوقيت الميسر والتكوين المستمر المؤدى عنه، فإن الأمر يتجاوز مجرد مراجعة تقنية لشروط التسجيل، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الدولة الاجتماعية التي تتحدث عنها الحكومة، وحول حدود التزامها الدستوري والسياسي بضمان الحق في التعليم وتكافؤ الفرص.
إن ما يثير الاستغراب السياسي والاجتماعي في هذه القضية هو أن هذا التحول يجري في سياق اقتصادي تتآكل فيه القدرة الشرائية للأسر المغربية، وتتزايد فيه كلفة الحياة اليومية بصورة أصبحت معها أبسط متطلبات العيش الكريم عبئاً متصاعداً على الموظف والأجير. فعندما يصل سعر الغازوال، وفق الأرقام المتداولة في الخطاب الاجتماعي، إلى حدود 17 درهماً، وتبلغ أسعار الطماطم مستويات مماثلة، وتتحول اللحوم الحمراء إلى سلعة بعيدة عن القدرة الشرائية لشرائح واسعة، ويصبح السمك بدوره عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة، فإن الحديث عن فرض أعباء مالية جديدة لمتابعة الدراسة الجامعية يكشف عن انفصال مقلق بين صناعة القرار العمومي والواقع الاجتماعي.
والأكثر إثارة للتناقض أن الحكومة التي ترفع شعار الدولة الاجتماعية تجد نفسها أمام امتحان حقيقي في قطاع التعليم العالي، حيث يبدو أن منطق تقليص النفقات وتدبير الندرة المالية بدأ يزاحم منطق الحقوق والمكتسبات. فبدل أن تكون الجامعة رافعة للترقي الاجتماعي ومجالاً مفتوحاً أمام الموظفين والأجراء لتطوير كفاءاتهم العلمية والمهنية، يجري توجيههم نحو صيغ تكوينية مؤدى عنها، بما يجعل القدرة المالية عاملاً مؤثراً في تحديد إمكانية الاستمرار في التحصيل الجامعي.
ومن هنا، فإن مسؤولية وزير التعليم العالي لا ينبغي اختزالها في تدبير مساطر التسجيل أو تنظيم الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الجامعية، بل يجب مساءلته سياسياً وأخلاقياً عن الفلسفة التي تؤطر هذه الاختيارات، وعن مدى انسجامها مع الدستور والقانون الإطار ومبادئ العدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، إلى أي حد يعكس اعتماد التوقيت الميسر والتكوين الجامعي المؤدى عنه للموظفين والأجراء بالمغرب تحولاً في فلسفة السياسات العمومية من ضمان الحق في التعليم والتكوين المستمر باعتباره حقاً اجتماعياً إلى تدبيره بمنطق السوق والكلفة المالية؟ وكيف يمكن مساءلة وزير التعليم العالي عن تداعيات هذه الاختيارات في ظل تراجع القدرة الشرائية وتآكل المكتسبات الاجتماعية، واستمرار الحكومة في تقديم نفسها باعتبارها حكومة الدولة الاجتماعية؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أربعة أسئلة أساسية:
هل يشكل التوقيت الميسر حلاً تنظيمياً لمشكلات الجامعة، أم مدخلاً لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي داخل التعليم العالي؟
ما مدى انسجام هذه السياسة مع المبادئ الدستورية والقانونية المؤطرة للحق في التعليم وتكافؤ الفرص؟
كيف يمكن فهم تحميل الموظف والأجير أعباء مالية إضافية في سياق التضخم وتراجع القدرة الشرائية؟
أين تنتهي المسؤولية التقنية للوزارة وتبدأ المسؤولية السياسية عن الإجهاز على المكتسبات الاجتماعية؟
المحور الأول: التوقيت الميسر من إجراء تنظيمي إلى اختيار سياسي يعيد هندسة الحق في التعليم
إن تقديم التوقيت الميسر باعتباره صيغة تنظيمية تسمح للموظفين والأجراء بمتابعة دراستهم خارج أوقات العمل قد يبدو، في ظاهره، استجابة لمتطلبات التوفيق بين الالتزامات المهنية والتحصيل العلمي. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في اعتماد توقيت مرن، بل في ربط هذه الصيغة بأداء رسوم مالية تجعل الاستفادة من التعليم الجامعي مرتبطة بالقدرة على تحمل التكلفة.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين مختلفين سياسياً وحقوقياً:
الأول يتعلق بمرونة الزمن الجامعي، وهو اختيار بيداغوجي وتنظيمي مشروع من حيث المبدأ؛ والثاني يتعلق بتحويل هذه المرونة إلى مدخل لفرض تكاليف مالية إضافية على فئات اجتماعية كانت تستفيد من مسارات التعليم العمومي وفق شروط الاستحقاق الأكاديمي.
إن هذا الخلط بين الزمن والكلفة يمثل جوهر الإشكال. فليس من المقبول أن يتحول عدم قدرة الموظف على حضور الدروس خلال التوقيت العادي إلى سبب لتحميله تكاليف إضافية، وكأن التزامه المهني أصبح عائقاً ينبغي أن يؤدي ثمنه من دخله الشخصي.
ومن منظور تحليل السياسات العمومية، فإننا أمام نموذج من نماذج نقل تكلفة الخدمة العمومية من الدولة والمؤسسات إلى المستفيد النهائي. وبدل معالجة الاختلالات البنيوية المتعلقة بضعف التأطير الجامعي، ومحدودية الموارد البشرية، واختلال توزيع العرض التكويني، يجري البحث عن صيغ مالية تسمح بتدبير الطلب الاجتماعي على التعليم.
وهذا يطرح سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: لماذا يتحمل الموظف تبعات الاختلالات التي لم يكن مسؤولاً عن إنتاجها؟
إن الجامعة العمومية ليست مقاولة خاصة تقدم خدماتها وفق منطق الربح والخسارة، وليست مؤسسة تجارية تقيس الحق في المعرفة بقدرة المستفيد على الأداء. إنها مؤسسة دستورية واجتماعية واستراتيجية، تتجاوز وظيفتها مجرد تقديم الشهادات إلى إنتاج الرأسمال البشري وتوسيع إمكانيات الحراك الاجتماعي.
وبالتالي، فإن التوقيت الميسر، إذا ارتبط بإقصاء مالي أو تمييز في الولوج، يتحول من آلية لتوسيع الاستفادة إلى آلية لإعادة تصنيف المستفيدين وفق أوضاعهم الاقتصادية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه وزير التعليم العالي ليس لماذا يحتاج الموظفون إلى توقيت ميسر، بل لماذا أصبح الحصول على فرصة ثانية للتعلم مشروطاً بقدرتهم على الدفع؟
المحور الثاني: من تكافؤ الفرص إلى تفاوت الفرص.. التراجع عن المكتسبات في ميزان الدستور والسياسات العمومية
إن الحق في التعليم ليس منحة تقدمها الحكومة متى سمحت الظروف المالية بذلك، وليس امتيازاً تمنحه الإدارة لفئة وتحجبه عن أخرى. إنه حق اجتماعي تؤطره المرجعيات الدستورية والقانونية للمملكة، وفي مقدمتها الفصل 31 من الدستور، الذي يقر التزام الدولة والمؤسسات العمومية بتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في التعليم، إلى جانب القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
كما أن القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي يشكل إحدى المرجعيات الأساسية لفهم دور الجامعة العمومية ووظيفتها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تدبير إداري أو تنظيمي يمس شروط الولوج إلى التعليم العالي ينبغي أن يخضع لاختبارين أساسيين:
اختبار المشروعية القانونية، أي مدى انسجامه مع النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة للقطاع.
اختبار العدالة الاجتماعية، أي مدى احترامه لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وعدم تحويل الوضعية الاقتصادية إلى معيار للإقصاء.
ولا يمكن اعتبار مجرد صدور مذكرة أو قرار تنظيمي دليلاً كافياً على سلامة الاختيار العمومي؛ لأن المشروعية الإدارية لا تنفصل عن احترام المبادئ الدستورية والحقوقية.
وتزداد حدة الإشكال عندما تطرح مسألة الإعفاءات أو الامتيازات القطاعية، وما قد يترتب عنها من تفاوت في معاملة موظفين ينتمون إلى قطاعات مختلفة، رغم اشتراكهم في الصفة المهنية والاجتماعية ذاتها.
فإذا كانت هناك فئات تستفيد من الإعفاء، بينما تتحمل فئات أخرى الرسوم نفسها أو أعباء أكبر، فإن الوزارة مطالبة بتقديم تبرير قانوني وموضوعي وشفاف لهذه المفاضلة.
إن المساواة لا تعني بالضرورة التطابق المطلق بين جميع الوضعيات، لكنها تقتضي ألا تكون الاختلافات في المعاملة اعتباطية أو غير متناسبة أو خالية من أساس موضوعي مشروع.
ومن زاوية العلوم السياسية، فإن هذا النوع من السياسات يطرح إشكالية الشرعية التوزيعية للدولة: كيف توزع الدولة الفرص والموارد والأعباء؟ ومن يتحمل تكلفة قراراتها؟ وهل تخدم هذه القرارات الفئات الأكثر حاجة إلى التمكين الاجتماعي أم تعيد إنتاج الامتيازات القائمة؟
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه السياسة هو انتقال الجامعة من فضاء يعالج التفاوتات الاجتماعية إلى مؤسسة قد تعيد إنتاجها. فالموظف ذو الدخل المحدود الذي يرغب في متابعة الماستر أو الدكتوراه لن يكون أمام منافسة أكاديمية خالصة، بل سيجد نفسه مضطراً إلى مواجهة عائق مالي إضافي.
وهكذا، يصبح التفوق العلمي غير كافٍ وحده، ويصبح الدخل عاملاً حاسماً في تحديد من يستطيع مواصلة الدراسة ومن يتوقف عند حدود إمكانياته المادية.
إن تكافؤ الفرص يفقد معناه عندما يصبح الحق في استكمال الدراسة متاحاً لمن يستطيع الأداء، ومؤجلاً أو مستحيلاً بالنسبة لمن لا يستطيع.
المحور الثالث: الموظف المغربي بين مطرقة التآكل المعيشي وسندان الأداء الجامعي.. مفارقة الدولة الاجتماعية
لا يمكن مناقشة الرسوم الجامعية المفروضة على الموظفين والأجراء بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشونه. فالسياسات العمومية لا تُقيَّم في الفراغ، وإنما في ضوء آثارها الفعلية على الحياة اليومية للمواطنين.
والموظف المغربي، خصوصاً المنتمي إلى الفئات المتوسطة والصغيرة، لم يعد يواجه فقط تحديات الترقية المهنية أو تحسين الدخل، بل أصبح يعيش ضغطاً مركباً تتداخل فيه كلفة السكن والنقل والغذاء والطاقة والصحة والتعليم.
إن وصول أسعار المحروقات إلى مستويات مرتفعة، وتزايد أسعار المواد الغذائية الأساسية، وارتفاع كلفة اللحوم الحمراء والأسماك، ليست مجرد مؤشرات اقتصادية معزولة، بل تعكس تحولات عميقة في ميزانية الأسرة المغربية.
فعندما يخصص الموظف جزءاً متزايداً من أجره لتغطية النفقات الأساسية، فإن فرض رسوم إضافية لمتابعة الدراسة الجامعية لا يمثل مجرد تكلفة تعليمية، بل يتحول إلى عبء اجتماعي قد يدفعه إلى التخلي عن مشروعه العلمي والمهني.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الخطاب الحكومي:
كيف يمكن لحكومة تتحدث عن الدولة الاجتماعية أن تجعل الموظف يؤدي ثمن رغبته في تحسين مستواه العلمي؟
كيف يمكن مطالبة الأجير بتطوير كفاءاته، ثم وضع حواجز مالية أمام هذا التطوير؟
كيف يمكن الحديث عن الاستثمار في الرأسمال البشري، في الوقت الذي يصبح فيه التكوين المستمر امتيازاً لمن يمتلك القدرة المالية؟
إن الدولة الاجتماعية ليست شعاراً سياسياً، ولا مجرد مجموعة من البرامج الاجتماعية أو التحويلات المالية، بل هي فلسفة في توزيع الثروة والفرص والأعباء، تقوم على حماية الفئات الهشة والمتوسطة، وضمان الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية.
ومن منظور السياسات العمومية، فإن قياس نجاح الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق المعلن، بل يجب أن يشمل أثر السياسات على القدرة الشرائية، وعلى فرص الترقية الاجتماعية، وعلى إمكانية وصول المواطنين إلى التعليم والصحة والخدمات العمومية.
وفي هذا السياق، تبدو مطالبة الموظفين بأداء تكاليف إضافية للتعليم الجامعي مفارقة سياسية واجتماعية، لأنها تأتي في لحظة يفترض أن تكون فيها الدولة أكثر حرصاً على تخفيف الأعباء عن الطبقة العاملة والموظفين.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هنا هو: هل أصبح الموظف المغربي مطالباً بأن يدفع من جيبه ثمن الاختلالات التي تعرفها الخدمات العمومية، ثم يدفع مرة أخرى ثمن محاولة تحسين وضعيته داخل المجتمع؟
إن تحميل الموظف تكلفة التعليم، في سياق ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً لما تدعيه السياسات الحكومية: إضعاف الحراك الاجتماعي، وتوسيع الفجوة بين الفئات، وإفراغ مفهوم التكوين المستمر من مضمونه الديمقراطي.
فالدولة الاجتماعية التي لا تحمي حق الموظف في التعلم، ولا تصون قدرته على العيش الكريم، تخاطر بالتحول إلى دولة تكتفي بتسويق التضامن في الخطاب، بينما تنقل كلفته إلى المواطنين في الممارسة.
المحور الرابع: مسؤولية وزير التعليم العالي.. أزمة حكامة أم فشل في استيعاب الوظيفة الاجتماعية للجامعة؟
إن المسؤولية السياسية لوزير التعليم العالي لا تقف عند حدود الإشراف الإداري على المؤسسات الجامعية، ولا تنحصر في تدبير الأعداد والميزانيات والمساطر التنظيمية، بل تمتد إلى تحديد الفلسفة العامة التي ينبغي أن تحكم الجامعة العمومية.
فالوزير، باعتباره عضواً في الحكومة ومسؤولاً عن قطاع استراتيجي، مطالب بتقديم أجوبة سياسية ومؤسساتية عن الاختيارات التي تمس حقوق فئات واسعة من المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الجدل حول التوقيت الميسر والرسوم الجامعية يطرح ثلاث إشكاليات أساسية في المسؤولية الحكومية.
أولاً: إشكالية المسؤولية السياسية عن القرار.
لا يمكن الاحتماء دائماً بالمذكرات التنظيمية أو استقلالية الجامعات أو ضرورات التدبير الإداري للتهرب من المسؤولية السياسية. فحين تتخذ تدابير لها آثار مباشرة على حق فئة اجتماعية في الولوج إلى التعليم، يصبح الوزير مطالباً بتوضيح خلفياتها وأهدافها ومدى انسجامها مع الالتزامات الحكومية والدستورية.
إن الإدارة تنفذ السياسات، لكن الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية عن اتجاهاتها ونتائجها.
ثانياً: إشكالية الحكامة وتحديد الأولويات.
إذا كانت الجامعات تعاني من محدودية الموارد والإمكانات، فإن السؤال ينبغي أن ينصب على كيفية تعبئة التمويل العمومي، وتحسين تدبير الموارد، ومحاربة الاختلالات، وتطوير العرض الجامعي، وليس على نقل التكلفة إلى الموظفين والأجراء.
إن إصلاح التعليم العالي لا يمكن أن يقوم على اختزال الأزمة في مسألة تمويل التسجيل، لأن الجامعة تواجه تحديات أعمق، منها ضعف التأطير، واكتظاظ المؤسسات، واختلال ملاءمة التكوينات مع حاجيات المجتمع وسوق الشغل، ومحدودية البحث العلمي.
ولا يمكن معالجة هذه الإشكالات بإغلاق منافذ التعلم أمام الموظفين أو تحويل التكوين المستمر إلى خدمة تتحدد إمكانية الاستفادة منها وفق القدرة على الأداء.
ثالثاً: إشكالية العدالة المهنية والترقية الإدارية.
إن متابعة الموظف لدراسته الجامعية، سواء في الماستر أو الدكتوراه، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد رغبة شخصية في الحصول على شهادة إضافية، بل باعتبارها استثماراً في الكفاءات التي تحتاج إليها الإدارة العمومية.
فالإدارة الحديثة لا تُبنى فقط على الموظف الذي يؤدي مهامه اليومية، وإنما على موظف متعلم وقادر على التجديد والابتكار وتطوير الأداء المؤسساتي.
وعندما توضع أمام الموظف عراقيل مالية وتنظيمية تحول دون مواصلة دراسته، فإن الخسارة لا تصيبه وحده، بل تمتد إلى الإدارة والدولة والمجتمع.
ومن هنا، فإن المطلوب من وزير التعليم العالي ليس الدفاع عن التدابير المتخذة بمنطق التبرير الإداري، وإنما الانخراط في مراجعة سياسية ومؤسساتية شاملة تقوم على:
إن الوزير الذي لا يستطيع التوفيق بين متطلبات إصلاح الجامعة وضمان حقوق المستفيدين منها، مطالب بمراجعة مقاربته الإصلاحية؛ لأن الإصلاح الذي يوسع الإقصاء لا يمكن تسويقه باعتباره تحديثاً، والتدبير الذي ينقل الأعباء إلى المواطنين لا يمكن اعتباره حكامة جيدة.
إن الجامعة ليست عبئاً على الدولة حتى تبحث عن التخلص من كلفتها الاجتماعية، وإنما هي إحدى أهم الأدوات التي تستثمر بها الدولة في مستقبلها.
وختاما ،فإن قضية التوقيت الميسر والرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء ليست خلافاً إدارياً عابراً حول شروط التسجيل الجامعي، بل هي قضية سياسية واجتماعية تكشف طبيعة الاختيارات التي تؤطر إصلاح التعليم العالي بالمغرب.
فحين يتزامن الحديث عن الدولة الاجتماعية مع تزايد الأعباء المعيشية، وحين يصبح الموظف مطالباً بتحمل تكاليف إضافية لمواصلة دراسته، وحين تتعرض المكتسبات الاجتماعية لخطر التراجع تحت مبررات التنظيم والتمويل، فإننا نكون أمام مفارقة تستحق مساءلة سياسية صريحة.
إن الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المرات التي تردد فيها الحكومة هذا المفهوم، وإنما بقدرتها على تحويله إلى حقوق ملموسة، وإلى سياسات عمومية تحمي القدرة الشرائية وتضمن العدالة في توزيع الفرص وتحافظ على مجانية الخدمات العمومية الأساسية وفق مرجعياتها القانونية.
ومن هذا المنطلق، فإن وزير التعليم العالي مطالب بالخروج من منطق الدفاع الإداري عن الإجراءات المتخذة إلى منطق المساءلة السياسية عن آثارها. فليس من المقبول أن يصبح الموظف ضحية اختلالات الجامعة، وليس من العدل أن يتحمل الأجير تكلفة عدم قدرة السياسات العمومية على توفير عرض جامعي عادل ومنصف.
إن الموظف الذي يشتغل طوال اليوم، ثم يطمح إلى متابعة دراسته الجامعية مساءً أو في أوقات ملائمة لالتزاماته المهنية، لا يطلب امتيازاً استثنائياً، بل يطالب بفرصة لتحسين مستواه العلمي والمهني. إنه لا يطلب من الدولة أن تمنحه شهادة دون استحقاق، وإنما يطالبها بألا تجعل وضعه الاقتصادي عائقاً أمام حقه في التعلم.
ومن غير المقبول أن تتحول الجامعة العمومية إلى فضاء تتقلص فيه فرص الفئات المتوسطة والفقيرة، بينما تظل الدولة تتغنى بالإنصاف وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إلغاء الرسوم أو مراجعة شروط التسجيل، بل إعادة الاعتبار للوظيفة الاجتماعية للجامعة، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والموظف على أساس الحقوق والواجبات، وليس على أساس نقل أعباء الاختلالات العمومية إلى الأفراد.
فلا معنى لدولة اجتماعية تجعل الموظف عاجزاً عن تأمين ضروريات عيشه، ثم تطالبه بأداء ثمن حقه في التعلم. ولا معنى لإصلاح جامعي يبدأ بتضييق منافذ المعرفة أمام من أفنوا سنوات من عمرهم في خدمة المرفق العمومي.
والحقيقة السياسية التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن:
ليس التوقيت الميسر هو الأزمة، بل الأزمة في العقلية التي جعلت من مرونة الزمن مدخلاً لتسليع الحق في التعليم. وليس الموظف هو من يجب أن يؤدي ثمن أزمة الجامعة، بل على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في تمويلها وإصلاحها.
أما الدولة الاجتماعية، فلا تُبنى بالشعارات ولا بالبلاغات الحكومية، وإنما تُبنى حين يستطيع ابن الموظف والموظف نفسه والأجير والعامل أن يلجوا الجامعة على قدم المساواة، دون أن تتحول القدرة على الأداء إلى شرط للحق في المعرفة.
فالجامعة التي تُغلق أبوابها المالية أمام الموظف، إنما تُغلق نافذة من نوافذ الترقي الاجتماعي. والحكومة التي تتراجع عن المكتسبات باسم الإصلاح، مطالبة بأن تجيب عن سؤال واحد: إصلاح الجامعة من أجل المواطن، أم إصلاحها على حساب المواطن؟
