Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تبدأ الحملة الانتخابية بالوعود.. وتنتهي بالنفايات

آخر خبر

فجأة، يعود بعض الوجوه إلى الشارع.

بعد غياب طويل، تستعيد القرى والمداشر والأحياء حركة انتخابية لافتة: مصافحات، عناق، ابتسامات عريضة، جلسات في الأسواق والمقاهي، زيارات للمناطق النائية، وإنصات يبدو أحياناً وكأنه اكتشاف متأخر لمعاناة المواطن.

كل شيء يصبح ممكناً في موسم الانتخابات.

الوعود كثيرة، والبرامج جاهزة، والمرشح حاضر في كل مكان، والكاميرات لا تكاد تفارقه، فيما تتولى منصات التواصل الاجتماعي مهمة بث الصور والمقاطع المباشرة وتوثيق كل مصافحة وكل تجمع وكل شعار.

لكن وسط هذا المشهد الصاخب، هناك تفصيل صغير يكشف الكثير.

إنها الورقة التي تبقى خلف الحملة.

منشورات انتخابية تُوزع بكثافة، ثم ينتهي بها المطاف على الأرصفة وفي الأزقة والساحات، وعلى جنبات الطرق، وأحياناً في الحقول والمناطق القروية. أوراق تحمل أسماء المرشحين وصورهم وبرامجهم وشعاراتهم، لكنها تتحول بعد ساعات من انتهاء النشاط الانتخابي إلى نفايات تبحث عن مكان في حاويات الأزبال.

وهنا تبرز المفارقة.

كيف يمكن لمرشح يضع حماية البيئة ضمن برنامجه الانتخابي أن يسمح بأن تتحول حملته نفسها إلى مصدر للتلوث؟

وكيف يمكن لحزب يتحدث عن التنمية المستدامة وتجويد المجال الترابي أن يتعامل مع الفضاء العام وكأنه مساحة مفتوحة لرمي المنشورات بعد انتهاء المسيرة أو التجمع؟

لا يتعلق الأمر بورقة واحدة سقطت عرضاً من يد مواطن، وإنما بمشهد يتكرر مع اتساع الحملات، حين تتحول كميات من المنشورات غير الموزعة إلى عبء إضافي على عمال النظافة، الذين يجدون أنفسهم مطالبين بإزالة آثار نشاط سياسي لم يشاركوا في تنظيمه.

وفي القرى، تصبح الصورة أكثر تعقيداً، لأن الورق لا يبقى دائماً داخل المجال الحضري. قد ينتهي به المطاف في الحقول أو بالقرب من الأراضي الزراعية، وقد تختلط بعض المنشورات بمخلفات الأعلاف والتبن، لتتحول الدعاية الانتخابية إلى جزء من مشهد بيئي لم يكن المواطن بحاجة إليه.

المشكلة، إذن، ليست في استعمال الورق للتعريف بالمرشحين وبرامجهم، فهذا جزء من العملية الانتخابية، وإنما في غياب الحس بالمسؤولية بعد انتهاء عملية التوزيع.

فالحملة الانتخابية ليست رخصة مؤقتة لتعليق قواعد النظافة، وليست مناسبة لإلقاء مسؤولية تنظيف مخلفاتها على الجماعات الترابية وعمال النظافة.

المرشح الذي يطلب من المواطن أن يمنحه صوته من أجل تدبير الشأن العام، مطالب قبل ذلك بأن يقدم نموذجاً مصغراً عن طريقة تدبيره للفضاء الذي يتحرك فيه.

وهنا يصبح السلوك الانتخابي نفسه جزءاً من البرنامج.

أن تنظف مكان التجمع بعد انتهاء النشاط، أن تقلل من الكميات غير الضرورية من المنشورات، أن تعتمد وسائل دعائية أقل استنزافاً للموارد، وأن تحترم الشارع والحي والقرية والحقول، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف الكثير عن ثقافة المسؤولية لدى من يطلب ثقة المواطنين.

المواطن لا يحتاج إلى خطابات بيئية منمقة إذا كان سيجد في اليوم الموالي صور المرشح نفسه على أوراق مبعثرة في الشوارع.

ولا يحتاج إلى وعود حول مدينة نظيفة ومستدامة إذا كانت الحملة التي قدمت له تلك الوعود قد تركت وراءها أكواماً من المخلفات.

الانتخابات ليست فقط لحظة لاختيار من سيمثل المواطنين، بل هي أيضاً لحظة اختبار للأحزاب والمرشحين.

اختبار للانضباط، وللاحترام، وللقدرة على تحويل المبادئ المكتوبة في البرامج إلى ممارسات ملموسة.

ولعل أول درس في المسؤولية السياسية هو ألا تترك وراءك، وأنت تطلب أصوات الناس، ما يضطر آخرين إلى تنظيفه بعد رحيلك.

لقد آن الأوان لأن تنتقل الأحزاب من الحديث عن البيئة في البرامج الانتخابية إلى احترامها في تفاصيل حملاتها اليومية، وأن تصبح نظافة الفضاءات التي تحتضن التجمعات والمسيرات جزءاً من المسؤولية التنظيمية والسياسية للمتنافسين.

فالسياسة التي تبدأ بابتسامة أمام الكاميرا، لا ينبغي أن تنتهي بورقة انتخابية ملقاة على قارعة الطريق.

وإذا كان المرشح يريد فعلاً أن يقول إنه جاء لخدمة المواطن، فليبدأ على الأقل من احترام الشارع الذي يعيش فيه هذا المواطن.


شاهد أيضا

شاهد أيضا