Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

كيف تتحول التزكية إلى امتحان للديمقراطية .. هل تعيد القنيطرة إنتاج السياسة أم تعيد إنتاج أزماتها؟

كتب الفيلسوف اليوناني أرسطو قبل أكثر من ألفي عام أن “غاية السياسة هي تحقيق الخير العام.” ولم يكن يقصد السلطة في ذاتها، بل الأخلاق التي تمنح السلطة مشروعيتها. وبعد قرون طويلة، سيضيف مونتسكيو أن “الفضيلة هي روح الجمهورية.” ثم يأتي ماكس فيبر ليحذر من أن السياسة لا تقوم على أخلاق النوايا وحدها، وإنما على “أخلاق المسؤولية.”

ولو اجتمع هؤلاء اليوم أمام مشهد الانتخابات في كثير من الديمقراطيات الناشئة، لربما أعادوا طرح السؤال نفسه: هل ما تزال السياسة فضاء لخدمة الصالح العام، أم تحولت إلى مجرد هندسة انتخابية هدفها الوصول إلى السلطة مهما كان الثمن؟

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة مع كل محطة انتخابية في المغرب، ويزداد إلحاحا كلما أعلنت الأحزاب عن مرشحيها، لأن الديمقراطية لا تختبر يوم الاقتراع، بل تختبر قبل ذلك، عندما تختار الأحزاب من يمثلها، ومن تمنحه حق الحديث باسم المواطنين.

وفي هذا السياق، يثير الحديث عن تحالف انتخابي محتمل بين محمد الغراس ومحمد تالموست بإقليم القنيطرة نقاشا يتجاوز حدود دائرة انتخابية أو حسابات حزبية ضيقة، ليطرح قضية أعمق تتعلق بأزمة تجديد النخب، وبحدود المسؤولية الأخلاقية للأحزاب وهي تمنح التزكيات.

فمحمد الغراس، الوزير السابق والرئيس السابق لجماعة بنمنصور، يتابع أمام القضاء في ملف يتعلق بشبهات تبديد واختلاس أموال عمومية على خلفية اختلالات منسوبة إلى فترة تدبيره للجماعة. وفي المقابل، ينفي جميع الاتهامات، ويؤكد أن القضية ذات خلفيات كيدية، وأن القضاء وحده سيحسم فيها.

أما محمد تالموست، فقد ارتبط اسمه بملف يتعلق بالفساد الانتخابي، وصدر في حقه حكم قضائي في قضية أثارت نقاشا واسعا حول نزاهة التنافس السياسي وحدود استعمال المال في الانتخابات.

ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة أحد خارج أسوار المحكمة، فالقضاء وحده هو صاحب الاختصاص، وقرينة البراءة تبقى من أهم ضمانات دولة الحق والقانون. غير أن المسؤولية السياسية لا تقف عند حدود النصوص القانونية، بل تبدأ حيث تنتهي سلطة القانون. فهناك فرق بين ما يسمح به القانون، وما تفرضه أخلاقيات العمل العام.

إن القانون يحدد الحد الأدنى، أما السياسة فتفترض الحد الأعلى.

ومن هنا يصبح السؤال المشروع: هل يكفي ألا يمنع القانون ترشح شخص ما حتى يصبح ترشيحه قرارا سياسيا سليما؟

في الديمقراطيات الراسخة، لا تقاس قوة الأحزاب بعدد المقاعد التي تفوز بها، وإنما بنوعية الرجال والنساء الذين تقدمهم للمجتمع. لأن التزكية ليست ورقة إدارية، بل شهادة سياسية وأخلاقية تقول للناخب: “هذا هو الشخص الذي نثق بأنه يستحق تمثيلكم.”

لكن ما يحدث في كثير من الأحيان يوحي بأن بعض الأحزاب لم تعد تبحث عن “أفضل المرشحين”، وإنما عن “أكثرهم قدرة على الفوز”، حتى لو كان ذلك على حساب صورتها، أو على حساب ما تبقى من الثقة بين المواطن والسياسة. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية. لسنا أمام أزمة أشخاص، بل أمام أزمة نموذج سياسي.

إن إعادة تدوير الوجوه نفسها، مهما كان حجم الجدل الذي يرافقها، تكشف أن جزءا من الحياة الحزبية ما يزال أسير منطق انتخابي قصير النفس، يرى في الأصوات غاية، لا وسيلة لبناء مؤسسات قوية.

لقد كتب أنطونيو غرامشي عبارته الشهيرة: “الأزمة هي أن القديم يحتضر، بينما الجديد لم يولد بعد.” وربما لا توجد عبارة تختصر جزءا من المشهد السياسي المغربي أكثر من هذه. فالجميع يتحدث عن تجديد النخب، لكن لحظة توزيع التزكيات تكشف أن القديم لا يزال يرفض مغادرة المسرح.

القنيطرة ليست مجرد دائرة انتخابية. إنها واحدة من أهم الأقطاب الصناعية والاقتصادية بالمغرب، ومدينة تختزن إمكانات هائلة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات معقدة في التشغيل، والتخطيط الحضري، والنقل، والخدمات العمومية، والعدالة المجالية.

ومثل هذه المدن لا تحتاج إلى تحالفات انتخابية ظرفية بقدر ما تحتاج إلى مشروع سياسي واضح، وإلى ممثلين يمتلكون الكفاءة والرؤية والمصداقية، ويستطيعون الدفاع عن قضايا الإقليم داخل البرلمان، بدل الاكتفاء بإدارة معارك انتخابية تنتهي بانتهاء موسم الاقتراع.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس وجود الفساد وحده، بل أن يصبح وجوده أمرا عاديا في الوعي العام، وأن يتعود المجتمع على تكرار المشهد نفسه حتى يفقد القدرة على الدهشة. حينها لا يموت القانون ..  بل تموت السياسة. وتصبح الانتخابات مجرد طقس دوري لإعادة إنتاج النخب نفسها، بدل أن تكون فرصة لتصحيح المسار وتجديد الثقة. ومن حق كل متابع أن يحظى بمحاكمة عادلة، ومن واجب الجميع احترام قرينة البراءة. لكن من حق المواطن أيضا أن يسأل الأحزاب سؤالا لا تستطيع أي حملة انتخابية الهروب منه:

إذا كنتم تؤمنون فعلا بالتجديد، فأين الوجوه الجديدة؟ وإذا كنتم تؤمنون بالكفاءة، فلماذا يتكرر الرهان على الأسماء نفسها؟ وإذا كنتم تؤمنون بربط المسؤولية بالمحاسبة، فلماذا تبدو الحسابات الانتخابية أقوى من الاعتبارات الأخلاقية؟

لقد قال المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل إن “قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بمؤسساتها، بل بثقة المواطنين فيها.” وهذه الثقة لا تشترى، ولا تفرض، ولا تستعاد بالشعارات. إنها تبنى بقرارات شجاعة، تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عندما تجعل من التزكية عقدا أخلاقيا مع المجتمع، لا مجرد حساب انتخابي.

وفي النهاية، قد تحسم نتائج الانتخابات في صناديق الاقتراع، لكن الحكم الحقيقي لن يصدره الصندوق وحده، بل سيصدره التاريخ، وستصدره ذاكرة المواطنين.

فالتاريخ لا يتذكر عدد المقاعد التي فاز بها السياسيون، بقدر ما يتذكر إن كانوا قد رفعوا من قيمة السياسة أم ساهموا في إضعافها.

ولذلك، فإن السؤال الذي سيظل معلقا فوق سماء القنيطرة، وربما فوق المشهد السياسي المغربي كله، ليس من سيفوز في الانتخابات، بل أي ديمقراطية نريد أن نتركها للأجيال القادمة: ديمقراطية تكافئ الثقة، أم سياسة تجيد فقط إعادة تدوير الأزمات؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...