مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قال رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، إن قرار العودة إلى الساعة القانونية (غرينيتش) ابتداء من نهاية التوقيت الصيفي جاء بعد “الاستماع إلى المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم”، مؤكدا أن الحكومة من واجبها أن تنصت للمواطنين وأن تكون في توافق معهم.
في الظاهر، يبدو هذا التصريح انتصارا لفكرة الديمقراطية التشاركية، ورسالة مفادها أن الحكومة تنصت للرأي العام وتستجيب لمطالبه. غير أن التوقيت السياسي لهذا القرار يفرض سؤالا لا يمكن القفز عليه: لماذا يأتي هذا الإنصات في الأشهر التي تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026؟ وهل كان صوت المواطنين غائبا طوال السنوات الماضية، أم أن اقتراب صناديق الاقتراع هو الذي أعاد إليه حضوره؟
فالإنصات الحقيقي لا يقاس بقرار واحد، مهما كانت رمزيته، وإنما يقاس بمنهجية حكم تجعل المواطن شريكا في صناعة القرار، لا مجرد مستمع إليه عندما تقترب المواعيد الانتخابية.
ولم تكن قضية الساعة الإضافية يوما مجرد خلاف حول تقديم عقارب الساعة أو تأخيرها. فمنذ اعتمادها بشكل شبه دائم، تحولت إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل المجتمع المغربي. آلاف الأسر اشتكت من اضطراب الإيقاع اليومي للأطفال، خاصة خلال فصل الشتاء، ومن خروجهم إلى المدارس في الظلام، وما يرافق ذلك من مخاوف تتعلق بالسلامة والصحة. كما أثارت نقابات وجمعيات مدنية وخبراء التربية والطب تساؤلات متكررة حول تأثيرها في النوم والتركيز والتحصيل الدراسي والتوازن الأسري.
وفي المقابل، كانت الحكومات المتعاقبة، ومن بينها الحكومة الحالية، تدافع عن الإبقاء على الساعة الإضافية بمنطق اقتصادي صرف، معتبرة أن هذا الاختيار يحقق مكاسب مرتبطة بترشيد استهلاك الطاقة، وتقليص كلفة الإنارة، وتحسين التزامن الزمني مع الشركاء الاقتصاديين الأوروبيين، بما يخدم المبادلات التجارية والاستثمارات والأسواق المالية.
وهنا تكمن المفارقة. فإذا كانت الحكومات قد ظلت لسنوات تؤكد أن المصلحة الاقتصادية تقتضي الإبقاء على الساعة الإضافية، فما الذي تغير اليوم؟ هل تغيرت المؤشرات الاقتصادية؟ هل ظهرت دراسات جديدة تنسف المبررات السابقة؟ أم أن المعيار الاقتصادي، الذي كان يقدم باعتباره حاسما، تراجع فجأة أمام معيار آخر فرضته الحسابات السياسية؟
إن الدولة التي تبني قراراتها على اعتبارات اقتصادية مطالبة بأن تفسر للرأي العام أسباب تغيير تلك الاعتبارات. أما الانتقال من خطاب يقول إن الاقتصاد يفرض ساعة معينة، إلى خطاب يقول إن الاستماع للمواطنين يفرض ساعة أخرى، دون تقديم تقييم شفاف يشرح كلفة كل خيار وعوائده، فإنه يفتح الباب أمام التأويل أكثر مما يغلقه.
فالاقتصاد مهم، لكنه ليس رقما مجردا. فالغاية من السياسات الاقتصادية هي خدمة الإنسان، لا العكس. وإذا كانت المصلحة الاقتصادية تبرر إزعاج ملايين المواطنين لسنوات، فإن من حق هؤلاء أن يعرفوا لماذا لم تعد تلك المصلحة اليوم بالوزن نفسه. أما إذا كانت كلفة القرار الاجتماعي أصبحت أهم من عوائده الاقتصادية، فإن ذلك يعني ضمنا أن المواطنين كانوا محقين منذ البداية عندما طالبوا بمراجعته.
واللافت أن هذا الجدل لم يولد اليوم، بل تكرر مع كل دخول مدرسي، وكل فصل شتاء، وكل تغيير في التوقيت. امتلأت الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي والعرائض الإلكترونية بمطالب مراجعة الساعة الإضافية، لكن تلك الأصوات ظلت، لسنوات، دون استجابة سياسية تذكر. لذلك يبدو من المشروع التساؤل: لماذا أصبح هذا الملف قابلا للحل الآن فقط؟
لقد عاش المغاربة، خلال الولاية الحكومية الحالية، سنوات صعبة اتسمت بارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وغلاء المحروقات، واتساع دائرة القلق الاجتماعي. وفي كل مرة، كان الخطاب الرسمي يؤكد أن الإصلاحات ضرورية، وأن الظرفية الدولية تفرض قرارات مؤلمة، بينما كانت الأسر المغربية تعيش واقعا مختلفا.
أقوى الحكومات هي التي تجعل الشعب يشعر بأن صوته مسموع لكن الشعور بأن الصوت مسموع لا يتولد من قرار ظرفي، بل من تراكم سياسات تجعل المواطن يلمس أن همومه اليومية تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها الحسابات الاقتصادية والسياسية.
من الطبيعي، والحال هذه، أن يطرح المواطن أسئلة مشروعة: إذا كانت الحكومة قد استجابت لمطلب يتعلق بالساعة القانونية، فلماذا لم تستجب بالحزم نفسه لنداءات الأسر التي أنهكها الغلاء؟ ولماذا لم يكن الإنصات بالزخم ذاته عندما تعالت الأصوات المطالبة بحماية القدرة الشرائية، والحد من ارتفاع الأسعار، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق فرص الشغل؟
إن السياسة ليست فنا لتدبير الصورة، وإنما مسؤولية لتدبير المصالح العامة. ولذلك فإن قيمة أي قرار لا تقاس فقط بمضمونه، بل أيضا بالسياق الذي يصدر فيه، وبمدى انسجامه مع مجمل السياسات العمومية.
وقد قال ونستون تشرشل: “السياسي يفكر في الانتخابات المقبلة، أما رجل الدولة فيفكر في الجيل المقبل.” وهي مقولة تختزل الفرق بين القرارات التي تنبع من رؤية استراتيجية طويلة المدى، وتلك التي تقرأ باعتبارها رسائل انتخابية أكثر منها اختيارات مؤسساتية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من أهمية العودة إلى الساعة القانونية، فلكل قرار انعكاساته الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وإنما يتعلق بالسؤال عن معيار الاستجابة نفسه. فإذا كان صوت المواطنين هو المرجعية، فلماذا لم يكن هذا الصوت حاسما في ملفات أكثر إلحاحا، كغلاء المعيشة، والبطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية؟
لقد أصبح المواطن المغربي أكثر وعيا من أن يخلط بين تدبير الشأن العام والتواصل السياسي. فهو لا يقيس نجاح الحكومات بعدد التصريحات، ولا بحجم الشعارات، وإنما بما ينعكس على حياته اليومية من نتائج ملموسة. ويدرك أن القرارات الكبرى لا تكتسب مشروعيتها من توقيتها فقط، بل من انسجامها مع رؤية واضحة وثابتة، ومن قدرتها على إقناع الرأي العام بأنها صدرت خدمة للمصلحة العامة، لا استجابة لإيقاع الاستحقاقات الانتخابية.
ويقول أبراهام لنكولن: “يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكن لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت.” وهي حكمة تؤكد أن ذاكرة الناخب ليست قصيرة كما يتصور البعض، وأن التقييم النهائي لأي حكومة يبقى رهينا بحصيلتها الكاملة، لا بقرارات تصدر في أشهرها الأخيرة.
إن الثقة لا تستعاد بقرار واحد، بل تبنى عبر سياسات متماسكة يشعر معها المواطن بأن كرامته، وقدرته الشرائية، وجودة التعليم والصحة، وفرص أبنائه في الشغل، تحظى بالأولوية قبل أي حساب انتخابي.
قد تعود عقارب الساعة إلى غرينيتش، لكن عقارب السياسة لا يمكن إرجاعها بسهولة. فالمواطن لا ينتظر فقط تصحيح التوقيت، بل ينتظر تصحيح الأولويات. أما إذا أصبح الإنصات مرتبطا فقط باقتراب موعد الاقتراع، فإن السؤال الذي سيظل يلاحق كل خطاب رسمي هو: هل عادت الحكومة إلى المواطنين لأنها اكتشفت أخيرا معاناتهم، أم لأن المواطنين هم الذين سيعودون قريبا إلى صناديق الاقتراع؟
