مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
14 غشت 1979.. التاريخ ذاكرة دولة
في سجل التاريخ المغربي الحديث، ثمة تواريخ لا تستمد قيمتها من مرور الزمن، وإنما من قدرتها على اختزال مرحلة كاملة من تاريخ الوطن في لحظة واحدة. ويأتي الرابع عشر من غشت في مقدمة هذه التواريخ، لأنه يحيل إلى سنة 1979، حين استُرجع إقليم وادي الذهب، في محطة سياسية وتاريخية بارزة من مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة. وبعد سبعة وأربعين عاماً، لا تبدو هذه الذكرى مجرد مناسبة وطنية تستعاد فيها صور الماضي وتُردد فيها عبارات الوفاء، وإنما تبدو مناسبة لإعادة قراءة معنى تلك اللحظة في سياقها التاريخي، واستحضار الرجال الذين حملوا مسؤولية الوطن في زمن كانت فيه معركة استكمال الاستقلال والوحدة الترابية واحدة من أعقد معارك الدولة المغربية الحديثة. فالأوطان لا تُبنى فقط بالأحداث التي تقع فيها، وإنما أيضاً بالمعاني التي تمنحها الدولة والمجتمع لتلك الأحداث، و14 غشت 1979 كان، وما يزال، واحداً من التواريخ التي تختزن معنى عميقاً من معاني السيادة والوحدة واستمرارية الدولة.
من الاستقلال السياسي إلى استكمال الوحدة الترابية
لم يكن استقلال المغرب سنة 1956 نهاية لمسار استرجاع المجال الوطني، وإنما كان بداية مرحلة أخرى من الكفاح السياسي والدبلوماسي من أجل استكمال السيادة على مختلف أجزاء التراب الوطني التي خضعت للاحتلال والتقسيم الاستعماري. فالدولة المغربية، وهي تخرج من مرحلة الحماية، وجدت نفسها أمام واقع جغرافي وسياسي فرضه الاستعمار على مدى عقود، ولذلك ظل استكمال الوحدة الترابية جزءاً من المشروع الوطني الذي لم ينظر إلى الاستقلال باعتباره مجرد انتقال في إدارة الدولة، وإنما باعتباره استعادة تدريجية للسيادة على المجال الوطني. وفي هذا السياق استُرجعت طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، قبل أن تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة وحاسمة مع المسيرة الخضراء سنة 1975، التي شكلت لحظة فارقة في التاريخ السياسي للمغرب، لأنها حولت قضية الوحدة الترابية إلى تعبير جماهيري واسع عن ارتباط المغاربة بقضية اعتبروها امتداداً طبيعياً لمعركة الاستقلال. ومن هذه الزاوية، فإن استرجاع وادي الذهب سنة 1979 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حدثاً منفرداً، وإنما باعتباره حلقة في مسار طويل ومتدرج، انتقل فيه المغرب من مقاومة الاستعمار إلى استكمال بناء الدولة الوطنية وصيانة وحدتها الترابية.
البيعة.. عندما تتحدث الذاكرة السياسية للمغرب
ولعل خصوصية استرجاع وادي الذهب تكمن في أن الحدث ارتبط بمحطة سياسية ذات حمولة تاريخية عميقة، تمثلت في تقديم شيوخ وأعيان ووجهاء الإقليم بيعتهم للملك الراحل الحسن الثاني. فالبيعة في التجربة السياسية المغربية ليست مجرد طقس رمزي، وإنما هي جزء من تاريخ الدولة المغربية ومن طبيعة العلاقة التي تشكلت عبر قرون بين العرش ومختلف مكونات المجال الوطني. ولذلك فإن استحضار بيعة وادي الذهب سنة 1979 يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للحدث، قراءة تتجاوز الجغرافيا إلى التاريخ السياسي، وتتجاوز استرجاع الأرض إلى استعادة علاقة الدولة بمكون من مكونات مجالها التاريخي. وفي تلك اللحظة، كانت البيعة تحمل دلالة سياسية واضحة، لأنها جاءت في سياق إعادة ترتيب أوضاع الصحراء بعد نهاية المرحلة الاستعمارية، وفي وقت كان المغرب يخوض معركة متعددة الأبعاد من أجل تثبيت وحدته الترابية. ومن هنا اكتسب يوم 14 غشت مكانته في الذاكرة الوطنية، ليس فقط باعتباره تاريخاً لاسترجاع إقليم، وإنما باعتباره تاريخاً اجتمعت فيه الأرض والبيعة والعرش والدولة في مشهد واحد.
الحسن الثاني ومعركة استكمال بناء الدولة
كان الملك الراحل الحسن الثاني يتحرك في مرحلة شديدة التعقيد، داخلياً وإقليمياً ودولياً، وكانت قضية الوحدة الترابية في صلب الرؤية التي حكمت جزءاً أساسياً من السياسة المغربية خلال تلك المرحلة. لقد كان يدرك أن استكمال الاستقلال لا ينفصل عن استكمال الوحدة الترابية، وأن الدولة التي خرجت حديثاً من نظام الحماية تحتاج إلى تثبيت سيادتها على مجالها وإعادة بناء مؤسساتها وتحصين قرارها الوطني. وفي هذا السياق جاءت المسيرة الخضراء سنة 1975 باعتبارها لحظة سياسية كبرى أعادت ترتيب موقع قضية الصحراء داخل الوعي الوطني، ثم جاء استرجاع وادي الذهب بعد أربع سنوات ليشكل محطة أخرى في المسار نفسه. ولم يكن ذلك المسار سهلاً، فقد تداخلت فيه الحسابات الإقليمية والدولية مع التحولات التي عرفتها المنطقة المغاربية، لكن الدولة المغربية اختارت أن تتعامل مع القضية باعتبارها قضية سيادة ووحدة وطنية، وهو ما جعلها تستمر في حمل هذا الملف عبر العقود، وتنتقل به من مرحلة الاسترجاع إلى مرحلة التثبيت السياسي والدبلوماسي والتنمية.
وادي الذهب.. من لحظة الاسترجاع إلى مسؤولية الدولة
تاريخياً، لا تنتهي مسؤولية الدولة لحظة استرجاع الأرض، وإنما تبدأ في صورة أخرى. فالاسترجاع يضع الدولة أمام مسؤولية بناء المؤسسات، وترسيخ الإدارة، وربط المجال بمركز الدولة، وتوفير شروط الاستقرار والتنمية، وتحويل الوحدة الترابية من فكرة سياسية إلى واقع يومي يعيشه المواطن. ومن هذه الزاوية، فإن السنوات التي أعقبت 1979 كانت سنوات انتقال واندماج وبناء، أصبحت خلالها الأقاليم الجنوبية جزءاً من البنية المؤسساتية والسياسية والاقتصادية للمملكة، وتواصل هذا المسار في عهد الملك محمد السادس الذي أعطى للأقاليم الجنوبية موقعاً متقدماً في السياسات التنموية والاستراتيجية للمغرب. وهنا بالضبط ينبغي أن نقرأ التاريخ بعين سياسية لا بعين احتفالية فقط؛ لأن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على استرجاع الأرض وحدها، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ عليها وبنائها وإدماجها وجعلها جزءاً من مشروع وطني متكامل.
من الحسن الثاني إلى محمد السادس.. استمرارية في الثوابت وتطور في الأدوات
إذا كان عهد الملك الحسن الثاني قد ارتبط بمحطات كبرى في استكمال الوحدة الترابية، فإن عهد الملك محمد السادس نقل القضية إلى مستوى آخر، حيث أصبح الرهان لا يقتصر على تثبيت الموقف السياسي والدبلوماسي، وإنما امتد إلى بناء نموذج تنموي واقتصادي واجتماعي يجعل من الأقاليم الجنوبية جزءاً فاعلاً في مستقبل المغرب. وهذه الاستمرارية بين العهدين تكشف إحدى خصائص الدولة المغربية في تدبير القضايا الاستراتيجية؛ فالأدوات تتغير وفق تحولات الزمن، لكن الثوابت الكبرى للدولة تستمر. ولذلك انتقلت قضية الصحراء تدريجياً من سؤال استرجاع الأرض إلى سؤال تثبيت السيادة وتحصينها بالتنمية والدبلوماسية والانفتاح الاقتصادي والجهوية المتقدمة. وأصبحت الداخلة، بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي، واحدة من أبرز تجليات هذا التحول، إذ لم تعد مجرد مدينة في أقصى جنوب المملكة، وإنما أصبحت جزءاً من رؤية مغربية أوسع للواجهة الأطلسية والامتداد الإفريقي.
الداخلة.. تحول الجغرافيا إلى قوة سياسية
هنا تحديداً يصبح استرجاع وادي الذهب أكثر من ذكرى تاريخية. فالمدينة التي كانت شاهدة على لحظة سياسية سنة 1979 أصبحت اليوم شاهدة على تحول آخر في موقع الصحراء داخل المشروع المغربي. فالمغرب الذي كان يخوض معركة تثبيت وحدته الترابية أصبح ينظر إلى أقاليمه الجنوبية باعتبارها مجالاً استراتيجياً للمستقبل، وبوابة نحو إفريقيا، ومجالاً للاستثمار والتبادل الاقتصادي، ونقطة ارتكاز في الرؤية المغربية للواجهة الأطلسية. وهذا التحول لا يلغي البعد التاريخي للقضية، بل يمنحه معنى جديداً؛ لأن الدول لا تحافظ على وحدتها فقط باستحضار الماضي، وإنما بتحويل جغرافيتها إلى عناصر قوة في الحاضر والمستقبل. ومن هنا فإن الداخلة اليوم ليست فقط جزءاً من ذاكرة الاسترجاع، وإنما أصبحت جزءاً من الجغرافيا السياسية الجديدة للمغرب.
14 غشت.. من ذاكرة الاسترجاع إلى ذاكرة السيادة
بعد سبعة وأربعين عاماً، يمكن القول إن المعنى السياسي لذكرى استرجاع وادي الذهب أصبح أوسع من الحدث نفسه. فقد كانت سنة 1979 لحظة من لحظات استكمال الوحدة الترابية، أما اليوم فإن استحضارها يفرض علينا التفكير في معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين. والسيادة لم تعد مجرد حضور رمزي للدولة، وإنما أصبحت قدرة على حماية القرار الوطني، وتحصين المجال، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية، وإنتاج القوة الاقتصادية والدبلوماسية، وإدماج المواطنين في مشروع وطني يشعرون أنهم شركاء فيه. ولهذا فإن أقوى وفاء لوادي الذهب ليس أن نستعيد عباراته التاريخية كل سنة، وإنما أن نفهم أن ما استُرجع بالأمس أصبح مسؤولية اليوم، وأن الأجيال التي حملت عبء الاسترجاع كانت تفتح الطريق أمام أجيال أخرى عليها أن تحمل عبء البناء.
حين يصبح التاريخ أمانة وطنية
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه ذكرى 14 غشت للجيل الحالي هو أن تذكره بأن الوطن لم يكن دائماً أمراً جاهزاً ومسلماً به، وإنما كان نتيجة تضحيات وكفاح وتراكم تاريخي شاركت فيه أجيال من المغاربة، من المقاومة وجيش التحرير إلى أبناء الأقاليم الجنوبية، ومن رجال الدولة إلى المواطنين الذين ظلوا يعتبرون قضية الوحدة الترابية قضية تتجاوز الحسابات الظرفية. ولهذا فإن الوفاء لأولئك الرجال لا يكون بتحويل التاريخ إلى خطاب موسمي، وإنما بإدراك حجم المسؤولية التي انتقلت إلينا. فإذا كان جيل الأمس قد حمل مسؤولية استرجاع الأرض، فإن جيل اليوم يحمل مسؤولية حماية المكتسبات وتعزيز الدولة وبناء المستقبل. وإذا كان الذين سبقونا قد كتبوا صفحة من صفحات الوحدة بالدم والبيعة والكفاح، فإن علينا أن نكتب صفحات جديدة بالعمل والعلم والمؤسسات والإنجاز.
وادي الذهب.. فصل من قصة المغرب الكبرى
في الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع وادي الذهب، لا نستعيد حدثاً مضى، وإنما نستعيد جزءاً من الذاكرة السياسية للمغرب، بكل ما تحمله من دلالات حول الدولة والعرش والوحدة الترابية واستمرارية السيادة. ففي 14 غشت 1979، أضيف فصل جديد إلى مسار بدأ باستقلال المغرب واستمر عبر استرجاع الأجزاء التي كانت خاضعة للاستعمار، ثم تعزز بالمسيرة الخضراء وبناء الدولة في أقاليمها الجنوبية. وبعد ذلك انتقلت القضية إلى مراحل جديدة من التثبيت الدبلوماسي والتنمية والاندماج والانفتاح على إفريقيا والأطلسي. وبين كل هذه المحطات ظل خيط واحد ممتداً: المغرب الذي ينظر إلى وحدته الترابية باعتبارها جزءاً من استمرارية دولته وذاكرته وهويته السياسية.
ولهذا سيظل 14 غشت يوماً مغربياً بامتياز؛ يوماً نستحضر فيه وادي الذهب، ونستحضر معه أولئك الذين حملوا أمانة الوطن في زمن صعب، ونستحضر دولة واصلت، عبر العهود والأجيال، الدفاع عن وحدتها وبناء مستقبلها. فالتاريخ لا يطلب منا أن نبقى أسرى له، وإنما يطلب أن نفهمه ونحفظ معناه ونواصل ما بدأه السابقون. وإذا كان 14 غشت 1979 قد سجل عودة وادي الذهب إلى حضن الوطن، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نجعل من تلك العودة قوة للمغرب، ومن تلك الذاكرة جسراً إلى المستقبل، ومن الوحدة الترابية مشروعاً وطنياً لا ينتهي بانتهاء المناسبات، وإنما يتجدد كل يوم بقوة الدولة ووعي المجتمع ووفاء الأجيال.
47 سنة على استرجاع وادي الذهب.. 47 سنة من ذاكرة الوطن، ومن استمرارية الدولة، ومن تاريخ لم يُكتب بعد سطوره الأخيرة.
