مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست السياسة مجرد فن في تدبير السلطة، بل هي قبل كل شيء القدرة على إنتاج الثقة. والثقة لا تصنع بالمنصات العملاقة، ولا بالشاشات العملاقة، ولا بالمؤثرات البصرية، وإنما تبنى حين يشعر المواطن بأن حياته تغيرت نحو الأفضل.
من يتابع مشاهد “الجامعة الصيفية لشباب حزب التجمع الوطني للأحرار” يخال نفسه أمام مؤتمر للحزب الجمهوري الأمريكي؛ إخراج احترافي، قاعة فخمة، مؤثرات سمعية وبصرية، شعارات مصاغة بعناية، وضيوف من عالم السياسة والاقتصاد والتواصل. صورة تبدو مكتملة العناصر، لكنها تثير سؤالا بسيطا وعميقا في الآن نفسه: هل تستطيع قوة الإخراج أن تخفي قسوة الواقع؟
قد تكون الصورة ناجحة، لكن السياسة لا تقاس بجمال الصورة، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس.
ولعل المفارقة أن الحزب الذي يقدم نفسه اليوم باعتباره حزب الكفاءات والتحديث ينتمي، في نظر كثير من الباحثين، إلى المدرسة السياسية التي دشنتها سنة 1963 “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”، تلك التجربة التي جاءت في سياق بناء أغلبية سياسية مساندة للمؤسسات بعد أول دستور وأول انتخابات تشريعية. صحيح أن التجمع الوطني للأحرار ليس امتدادا تنظيميا مباشرا لتلك الجبهة، غير أن الفلسفة السياسية التي تجعل من تدبير السلطة وبناء الأغلبية محورا للعمل السياسي ظلت حاضرة في أكثر من تجربة حزبية عرفها المغرب.
ولم يكن عالم السياسة الفرنسي موريس دوفرجيه بعيدا عن هذا المعنى حين كتب أن “الأحزاب ليست مجرد تنظيمات، بل تعبير عن مصالح اجتماعية.”
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: عن أي مصالح يعبر حزب يقود الحكومة بينما يعيش آلاف الشباب على هامش الاقتصاد، بين بطالة مزمنة، وعقود هشة، وأحلام مؤجلة؟
تشير أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى استمرار معدلات بطالة مرتفعة، خصوصا وسط الشباب، حيث تقترب البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة من ثلث النشيطين، فيما يظل التشغيل الناقص واقعا يطال أعدادا كبيرة من الشباب. ليست هذه مجرد أرقام؛ إنها قصص انتظار طويلة، وشهادات جامعية معلقة، وأسر تستثمر سنوات في تعليم أبنائها لتجدهم في نهاية المطاف على أرصفة الانتظار.
أي رسالة يتلقاها هذا الشاب وهو يشاهد مهرجانات سياسية باذخة؟ وأي انطباع يتكون لديه عندما تصبح لغة الإنجاز على المنصات أكثر حضورا من الإنجاز في حياته اليومية؟
ثمة مفارقة أخرى يصعب تجاهلها. ففي الوقت الذي تنظم فيه “الجامعة الصيفية” بكل هذا الزخم، تعيش الجامعة المغربية، التي يفترض أن تكون مصنع النخب ورافعة التنمية، تحديات لا تخفى على أحد؛ اكتظاظ في المدرجات، وصعوبات في البحث العلمي، وإشكالات في التأطير، ثم المعضلة الأكبر: ضعف إدماج الخريجين في سوق الشغل.
وكأننا أمام جامعتين؛ جامعة تستثمر في صناعة الصورة، وأخرى تكافح من أجل صناعة المستقبل.
فالجامعة الحقيقية ليست تلك التي ترفع الشعارات تحت الأضواء، بل تلك التي تمنح خريجها فرصة عمل، وتفتح أمامه أفقا للحياة الكريمة.
وإذا كانت الأحزاب تتنافس اليوم في هندسة التواصل السياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبح التسويق السياسي بديلا عن الفعل السياسي؟
لقد كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن “الرأسمال الاقتصادي يتحول بسهولة إلى رأسمال سياسي.” وربما لهذا أصبحت بعض الأحزاب أكثر قدرة على الاستثمار في الصورة منها في معالجة جذور الأزمة الاجتماعية.
وكان التجمع الوطني للأحرار يوصف لعقود بأنه حزب البرجوازية الوسطى؛ حزب رجال الأعمال والإدارة والأطر. أما اليوم، فيرى عدد من منتقديه أنه بات يعبر بدرجة أكبر عن مصالح النخب الاقتصادية الأكثر نفوذا، في وقت تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، ويزداد شعور فئات واسعة بأن ثمار النمو لا توزع بصورة عادلة. وقد يختلف المرء مع هذا التوصيف أو يتفق معه، لكنه يجد ما يغذيه في النقاش العمومي حول العدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، وفرص الشغل.
والمفارقة لا تقف عند حدود المشهد السياسي، بل تمتد إلى جزء من المشهد الإعلامي والثقافي.
فمع كل تظاهرة حزبية، يخرج بعض الصحفيين، وبعض الجامعيين، وبعض المؤثرين، لا لمساءلة الخطاب أو اختبار الوعود أو مناقشة الحصيلة، وإنما للاحتفاء بالمشهد ذاته، حتى يبدو أحيانا وكأن الحدث يحتاج إلى من يصفق له أكثر مما يحتاج إلى من يحلله.
ولا يتعلق الأمر بحرمان أحد من حقه في تأييد حزب أو الدفاع عن تجربة حكومية، فذلك جزء من التعددية. لكن وظيفة الصحافة ليست العلاقات العامة، ووظيفة الجامعة ليست إنتاج البلاغ السياسي بلغة أكاديمية، ووظيفة المثقف ليست أن يكون جزءا من الديكور.
لقد كان أنطونيو غرامشي يعتبر أن المثقف الحقيقي هو الذي ينتج الوعي النقدي، لا الذي يعيد إنتاج الخطاب السائد. فحين يغيب السؤال، ويعلو التصفيق، يصبح النقاش العمومي أكثر فقرا، وتصبح الصورة أهم من الحقيقة، والانبهار بالإخراج أقوى من مساءلة النتائج.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس وجود أحزاب قوية، بل وجود بيئة إعلامية وثقافية تتخلى طواعية عن دورها الرقابي والنقدي، فتتحول من مساءلة السلطة إلى مرافقتها، ومن مراقبة الأداء إلى الاحتفاء به.
لقد قال نيلسون مانديلا: “يقاس المجتمع بطريقة تعامله مع شبابه.” وإذا كان هذا هو المعيار، فإن السؤال الحقيقي ليس كم كان عدد الحاضرين في الجامعة الصيفية، ولا كم بلغت كلفة تنظيمها، ولا عدد الشخصيات التي اعتلت المنصة، وإنما: كم شابا غادر طابور البطالة إلى فضاء العمل الكريم؟ وكم أسرة استعادت ثقتها في المستقبل؟ وكم خريجا وجد أن شهادته ما تزال تملك قيمة في وطنه؟
قد تربح الأحزاب معركة الصورة، وقد تنجح في تنظيم مؤتمرات مبهرة، لكن معركة الثقة لا تحسم بالديكور، ولا بالإضاءة، ولا بالشعارات المصقولة، بل تحسم عندما يشعر المواطن أن السياسة غيرت حياته بالفعل.
فالسياسة التي تتحول إلى عرض بصري، وتنسى أن وظيفتها الأولى هي تحسين شروط العيش، تخاطر بأن تصبح احتفالا بالنخبة في زمن ينتظر فيه الشباب فرصة واحدة فقط… فرصة عمل.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المغاربة في صناديق الاقتراع: هل تكفي المنصات اللامعة لصناعة الثقة؟ أم أن المواطن سيعود، كما يفعل دائما، إلى المعيار الأبسط والأكثر عدلا: ماذا تغير في حياته؟
