Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من انحلال الصفوة إلى اقتصاد النفوذ

 

قراءة في تداخل السلطة والمال والوساطة في الواقع السياسي المغربي على ضوء الجابري والعروي والسوسيولوجيا السياسية الأوروبية

لا يمكن فهم الحياة السياسية في المجتمعات المعاصرة من خلال المؤسسات الدستورية والقوانين المنظمة للسلطة وحدها؛ إذ تقتضي دراستها أيضًا تحليل العلاقات غير الرسمية، وشبكات المصالح، وأشكال الوساطة، والموارد الاقتصادية والرمزية التي تتيح لبعض الفاعلين التأثير في القرار السياسي. فخلف المجال السياسي المعلن، الذي تتحرك داخله الأحزاب والبرلمانات والحكومات والهيئات المنتخبة، قد تتشكل علاقات أقل ظهورًا، تتداخل فيها المصالح الشخصية والاقتصادية والاجتماعية مع مواقع النفوذ والسلطة.

ضمن هذا الأفق، يتيح كتاب عبد الله كمال «ظاهرة انحلال الصفوة: القوادون والسياسة» مدخلًا إشكاليًا لدراسة العلاقة بين الحياة الخاصة والسلطة العامة، من خلال تناوله تقاطعات الجنس والمال والوساطة والابتزاز في سياقات تاريخية وسياسية. وقد صدر الكتاب سنة 1998 عن دار الخيال، ويتناول، وفق بياناته الببليوغرافية، تاريخ البغاء والسياسة في مصر خلال الفترة الممتدة من سنة 1882 إلى سنة 1949. ومن ثم، لا يتعلق الأمر بكتاب عن المغرب، بل بعمل يمكن استثمار بعض أسئلته ومفاهيمه في بناء مقارنة تحليلية، شريطة عدم نقل استنتاجاته إلى الحالة المغربية بصورة آلية.

وتتجاوز أهمية هذه المقاربة موضوع العلاقات الجنسية في حد ذاته، لتطرح سؤالًا أوسع يتعلق بكيفية تحويل الموارد الخاصة إلى أدوات للنفوذ العام، وكيف يمكن للوساطة غير الرسمية أن تتقاطع مع المال والوجاهة الاجتماعية والسلطة السياسية. وهنا يصبح مفهوم «انحلال الصفوة» قابلًا لإعادة القراءة باعتباره سؤالًا عن أخلاقيات المسؤولية العامة، وحدود استقلال المؤسسات، والعلاقة بين النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء التحولات التي عرفها البناء الدستوري والمؤسساتي، ولا سيما دستور سنة 2011، الذي أكد مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة. غير أن دراسة العلاقة بين هذه المبادئ والممارسة السياسية تقتضي الانتقال من الأحكام الأخلاقية العامة إلى تحليل مؤسسات الرقابة، وأنماط الوساطة، وتوزيع الموارد، وآليات إنتاج الشرعية والنفوذ.

وتستند هذه القراءة إلى تقاطع ثلاثة مستويات نظرية: أولها علم الاجتماع السياسي، الذي يدرس الشبكات والمصالح وإعادة إنتاج النخب؛ وثانيها العلوم السياسية، التي تبحث في المؤسسات والمساءلة وتوازنات السلطة؛ وثالثها الفكر السياسي المغربي، ولا سيما مفاهيم محمد عابد الجابري حول القبيلة والغنيمة والعقيدة، ومفاهيم عبد الله العروي المرتبطة بالدولة والحداثة والإيديولوجيا. كما تستأنس بمقاربات أوروبية لدى ماكس فيبر وبيير بورديو وروبرت ميخلز، مع الاستفادة من مفهوم الفساد بوصفه ظاهرة مؤسساتية لا مجرد انحراف فردي.

وفي السياق ذاته ،إلى أي حد يمكن توظيف الأسئلة التي يثيرها كتاب عبد الله كمال حول العلاقة بين الوساطة والمال والحياة الخاصة والنفوذ السياسي في تحليل الواقع السياسي المغربي، من خلال تقاطع علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية والفكر السياسي عند محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وبعض النظريات الأوروبية، وما حدود تفسير هذه الظواهر في ضوء التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية:

كيف تتحول العلاقات الشخصية وشبكات الوساطة إلى موارد محتملة للتأثير في القرار السياسي أو الاقتصادي؟

ما حدود التمييز بين الوساطة الاجتماعية المشروعة والزبونية السياسية وتضارب المصالح واستغلال النفوذ؟

كيف تساعد مفاهيم الجابري، وخاصة القبيلة والغنيمة والعقيدة، على تفسير بعض آليات تشكل الولاء السياسي وتوزيع المنافع؟

كيف يتيح فكر العروي فهم التوتر بين تحديث المؤسسات واستمرار بعض البنيات الاجتماعية والثقافية التقليدية؟

ما دور القانون والمؤسسات الرقابية والشفافية والمجتمع المدني في الحد من تحويل السلطة العامة إلى مورد للمصالح الخاصة؟

الفرضية الأساسية: تفترض هذه الدراسة أن فهم مظاهر الفساد السياسي المحتملة في المغرب لا يستقيم بردها إلى الأخلاق الفردية وحدها، بل يقتضي تحليل التفاعل بين شبكات العلاقات، والحوافز الاقتصادية، وقواعد العمل المؤسساتي، وتفاوت القدرة على الوصول إلى الموارد ومراكز القرار. وتظل هذه الفرضية بحاجة إلى اختبار من خلال معطيات ميدانية ووثائق رسمية ودراسات حالة موثقة.

المحور الأول: من «انحلال الصفوة» إلى سوسيولوجيا النفوذ – السلطة والعلاقات غير الرسمية

يطرح كتاب عبد الله كمال سؤالًا يتجاوز الظاهرة التي يشير إليها عنوانه، ويتمثل في إمكانية استخدام العلاقات الخاصة والوساطة والأسرار لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا تكمن أهمية هذا السؤال في طبيعة العلاقة الخاصة وحدها، بل في الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تسمح بتحويلها إلى مصدر للنفوذ.

فالمجال السياسي لا يتكون من القواعد الرسمية وحدها؛ إذ تتحرك داخله أيضًا شبكات من العلاقات الشخصية والمهنية والاقتصادية، تتفاوت قدرتها على الوصول إلى المسؤولين والموارد والمعلومات. وقد تكون هذه الشبكات طبيعية ومشروعة حين تسهل التواصل والتنسيق وتبادل الخبرات، لكنها قد تصبح موضع إشكال حين تُستخدم لتجاوز القواعد العامة، أو لتفضيل المقربين، أو لإخفاء تضارب المصالح، أو للتأثير غير المشروع في القرارات.

ومن هنا ينبغي التمييز بين مفاهيم كثيرًا ما تختلط في الخطاب العام: فالوساطة ليست فسادًا بالضرورة، والقرابة ليست دليلًا على المحاباة، والعلاقات الخاصة لا تثبت وقوع الابتزاز أو استغلال النفوذ. إنما يبدأ التحليل السياسي عندما تتوافر أدلة على أن العلاقة الشخصية أثرت في قرار عام بطريقة تخالف القانون أو مبادئ تكافؤ الفرص والمصلحة العامة.

ويمكن في هذا السياق استحضار تصور ماكس فيبر للسلطة القانونية العقلانية، التي تقوم على قواعد عامة واختصاصات محددة وإدارة يفترض أن تشتغل وفق إجراءات معلومة، لا وفق الولاءات الشخصية. ويسمح هذا التصور بفهم التوتر الذي قد ينشأ بين منطق المؤسسة، الذي يفترض المعاملة المتكافئة والخضوع للقواعد، ومنطق العلاقات الشخصية، الذي قد يمنح الأفضلية للأقرب اجتماعيًا أو سياسيًا.

أما بيير بورديو، فيتيح مفهومه عن المجال السياسي ورأس المال الاجتماعي والرمزي فهم كيفية تحويل العلاقات والسمعة والوجاهة إلى موارد قابلة للاستثمار السياسي. فالشخص لا يمتلك النفوذ من خلال المال أو المنصب فقط، بل قد يستمده أيضًا من شبكة معارفه، ومكانته الاجتماعية، وقدرته على تقديم نفسه باعتباره وسيطًا موثوقًا أو فاعلًا لا غنى عنه. ولا يعني ذلك أن كل رأس مال اجتماعي يؤدي إلى الفساد؛ بل إن أثره يتوقف على قواعد المجال الذي يُستثمر داخله ومدى خضوعه للشفافية والمساءلة.

وبإسقاط هذه المفاهيم على الحالة المغربية، يمكن توجيه البحث نحو آليات الوساطة في الوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية والصفقات والوظائف والمواقع التمثيلية. غير أن هذه المسائل ينبغي أن تُدرس من خلال حالات محددة، لا باعتبارها خصائص ثابتة للمجتمع المغربي أو دليلًا عامًا على فساد النخب.

ويترتب على ذلك أن الدرس السوسيولوجي الأهم المستفاد من كتاب عبد الله كمال هو نقل الاهتمام من الفضائح الفردية إلى البنية الاجتماعية التي تجعل بعض العلاقات قابلة للتحول إلى أدوات للسيطرة أو الابتزاز أو تحقيق الامتيازات. فالسؤال ليس فقط: من استغل علاقته بمن؟ بل أيضًا: ما القواعد والظروف التي سمحت بحدوث ذلك، وما المؤسسات القادرة على منعه أو كشفه؟

المحور الثاني: الجابري وتحليل العقل السياسي – القبيلة والغنيمة والعقيدة في قراءة الوساطة والزبونية

يقدم محمد عابد الجابري، في كتابه «العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته»، إطارًا مفاهيميًا لتحليل بعض الآليات التاريخية والاجتماعية التي تؤثر في ممارسة السلطة. ويحدد ثلاث آليات رئيسية هي القبيلة والغنيمة والعقيدة، وهي مفاهيم لا ينبغي التعامل معها بوصفها أوصافًا حرفية للمجتمعات المعاصرة، وإنما باعتبارها أدوات تحليلية يمكن اختبار مدى قدرتها التفسيرية في سياقات مختلفة.

تشير القبيلة في هذا الإطار إلى منطق العصبية والولاء للجماعة، وما قد يرتبط به من تضامن داخلي وتفضيل لأبناء الدائرة القريبة. وعند نقل هذا المفهوم بحذر إلى تحليل الواقع المغربي، يمكن التساؤل عن الكيفية التي تؤثر بها الروابط العائلية والمحلية والمهنية والحزبية في بناء التحالفات وتوزيع فرص المشاركة السياسية. ولا يعني ذلك مساواة هذه الروابط بالقبيلة في معناها التاريخي، بل دراسة الوظائف التي قد تؤديها بعض أشكال التضامن والولاء في المجال السياسي.

أما الغنيمة، فيمكن قراءتها بوصفها مفتاحًا لتحليل العلاقة بين السلطة وتوزيع المنافع والموارد. وفي السياق المعاصر، يتيح هذا المفهوم طرح أسئلة حول مدى خضوع توزيع الصفقات والامتيازات والوظائف والموارد العامة لمعايير المنافسة والجدارة والقواعد القانونية، أو تأثره أحيانًا بموازين النفوذ وشبكات المصالح. غير أن إثبات وجود هذه الآليات في حالة معينة يتطلب وثائق وبيانات، ولا يكفي فيه الاستناد إلى المفهوم النظري وحده.

وتحيل العقيدة، في التحليل الجابري، إلى منظومات المعنى والشرعية التي تبرر السلطة وتمنحها قبولًا اجتماعيًا. ويمكن توسيع هذا النقاش لدراسة دور الخطاب السياسي والأيديولوجي في تبرير القرارات وبناء الولاء والتعبئة. فقد تُستخدم اللغة الوطنية أو الدينية أو الحزبية أو التنموية لتفسير خيارات سياسية معينة؛ ويظل السؤال البحثي هو ما إذا كان الخطاب يرافق ممارسة فعلية للمصلحة العامة، أم يُستخدم لتبرير قرارات تخدم مصالح ضيقة. ولا يجوز افتراض الحالة الثانية دون أدلة.

ومن خلال الجمع بين هذه الآليات الثلاث، يصبح بالإمكان بناء فرضية سوسيولوجية مفادها أن بعض أنماط النفوذ قد تتشكل عند تقاطع الولاء الاجتماعي وتوزيع المنافع وإنتاج الشرعية الرمزية. فالشبكة الاجتماعية توفر الثقة والتواصل، والموارد الاقتصادية تمنح القدرة على التأثير، والخطاب السياسي يتيح تبرير التحالفات وتقديمها للجمهور في صورة مقبولة.

مع ذلك، لا ينبغي تحويل نظرية الجابري إلى قالب جاهز لتفسير كل ظاهرة مغربية، أو اعتبار أن التاريخ السياسي يعيد إنتاج البنيات نفسها دون تغيير. فالمؤسسات الحديثة والتحولات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، فضلًا عن التعدد الحزبي والمجتمع المدني والقواعد الدستورية، تفرض إدخال متغيرات إضافية في التحليل.

وتتمثل القيمة العملية لهذا الإطار في أنه يوجه الباحث إلى أسئلة قابلة للتحقق: هل ترتبط بعض أنماط الوساطة بتوزيع الموارد؟ وهل تتقاطع الروابط الاجتماعية مع التمثيل الحزبي أو المحلي؟ وكيف تُبنى شرعية القرارات التي يثار حولها تضارب المصالح؟ وما مدى فعالية آليات الرقابة في ضمان أن تكون المنافع العامة خاضعة لمعايير معلنة؟

وعليه، فإن الاستفادة من الجابري لا تتمثل في إطلاق حكم شامل على العقل السياسي المغربي، بل في بناء أدوات مفاهيمية تساعد على فهم العلاقة بين الولاء والمصلحة والشرعية، ثم اختبارها على حالات مغربية موثقة.

المحور الثالث: عبد الله العروي وإشكالية الدولة والحداثة — بين تحديث المؤسسات واستمرار الوساطة الشخصية

يسمح فكر عبد الله العروي، ولا سيما كتاباته حول الدولة والإيديولوجيا والحداثة، بطرح إشكالية مختلفة عن تلك التي يركز عليها الجابري. فإذا كان الجابري يساعد على تحليل بعض آليات الممارسة السياسية من خلال القبيلة والغنيمة والعقيدة، فإن العروي يوجه الاهتمام إلى الدولة الحديثة، وشروط تشكلها التاريخي، والعلاقة بين تحديث البنيات السياسية والاجتماعية وبين استيعاب مفاهيم الحداثة ومؤسساتها.

وفي ضوء هذه المقاربة، يمكن النظر إلى الدولة الحديثة باعتبارها إطارًا يفترض أن تُمارس داخله السلطة من خلال قواعد ومؤسسات واختصاصات محددة، وأن تخضع القرارات العامة لمعايير قانونية وإجرائية معلنة. لكن وجود المؤسسات والقوانين لا يعني بالضرورة أن جميع العلاقات الاجتماعية والسياسية أصبحت خاضعة بالكامل للمنطق المؤسساتي؛ إذ يمكن أن تتعايش القواعد الحديثة مع أنماط من الوساطة الشخصية أو التراتبية الاجتماعية.

وتتمثل إحدى الإشكاليات الأساسية هنا في التفاوت المحتمل بين تحديث الشكل المؤسسي وتحول الممارسة الاجتماعية. فقد تكون القوانين متقدمة من حيث الصياغة، بينما تواجه عملية تطبيقها تحديات تتعلق بضعف المعلومات المتاحة، أو تفاوت القدرة على الوصول إلى الإدارة، أو تعقد الإجراءات، أو محدودية الرقابة في بعض المجالات. ولا يقتضي هذا القول إن الدولة المغربية تفتقر إلى المؤسسات الحديثة، بل يقتضي التمييز بين وجود المؤسسات ومدى فعالية عملها في الحالات المختلفة.

وفي المغرب، يوفر دستور سنة 2011 إطارًا مرجعيًا لهذا النقاش، من خلال تأكيد مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تنظيم العلاقة بين السلطات والحقوق والحريات. ويصبح السؤال، من منظور العلوم السياسية، هو كيف تتحول هذه المبادئ إلى إجراءات عملية قابلة للقياس: كيف تُنشر المعلومات المتعلقة بالقرارات والصفقات؟ ما مدى وضوح قواعد تضارب المصالح؟ كيف تتم متابعة تقارير أجهزة الرقابة؟ وما السبل المتاحة للمواطنين للطعن والتظلم والمشاركة في تقييم السياسات العامة؟

ويتيح فكر العروي أيضًا تجنب التفسير الثقافوي الذي يرد كل صعوبة مؤسساتية إلى «العقلية التقليدية» أو «الثقافة المحلية». فالممارسة السياسية لا تتحدد بالثقافة وحدها، وإنما تتأثر كذلك بتصميم المؤسسات، والحوافز التي تنتجها القواعد، وتوزيع الموارد، وتاريخ تشكل الدولة، ومستوى استقلال أجهزة الرقابة، والقدرة على تطبيق القانون بصورة متكافئة.

وعلى هذا الأساس، لا ينبغي فهم الوساطة الشخصية بوصفها أثرًا ثقافيًا ثابتًا، بل بوصفها ممارسة قد تتقوى أو تضعف وفقًا لشروط محددة. فكلما كانت الإجراءات واضحة، والمعلومات متاحة، وطرق التظلم فعالة، وقواعد التوظيف والتعاقد قابلة للتحقق، ضاقت المساحة المتاحة للمحاباة غير المشروعة. وفي المقابل، قد يرفع غموض الإجراءات وكلفة الوصول إلى الخدمات من أهمية الوسطاء، حتى عندما لا تكون جميع أشكال الوساطة مخالفة للقانون.

وتسمح المقاربة العروية، إذن، بربط موضوع «انحلال الصفوة» بسؤال بناء الدولة الحديثة: ليس فقط كيف يتصرف الأفراد في مواقع السلطة، بل كيف تُنظم المؤسسات ممارسة السلطة، وكيف تمنع تحول المنصب العام إلى امتياز شخصي، وكيف تضمن أن تكون العلاقة بين المواطن والإدارة محكومة بالحقوق والإجراءات لا بالاعتماد على العلاقات الخاصة.

المحور الرابع: المقاربات الأوروبية والعلوم السياسية – من أخلاق النخبة إلى الحوكمة والمساءلة

توفر بعض النظريات الأوروبية أدوات مكملة لتحليل العلاقة بين السلطة والمصالح الخاصة. وتكمن أهمية هذه المقاربات في أنها تنقل البحث من الأحكام الأخلاقية العامة إلى دراسة البنيات التنظيمية والحوافز والمؤسسات التي تؤثر في سلوك الفاعلين السياسيين.

أولًا، يتيح ماكس فيبر التمييز بين السلطة القائمة على القواعد القانونية والإدارة البيروقراطية، وبين أنماط السلطة التي تعتمد بدرجة أكبر على الولاء الشخصي أو التقاليد. وتسمح هذه المقارنة بتحليل ما إذا كانت القرارات العامة تصدر وفق معايير معلنة ومتساوية، أم أن العلاقات الشخصية تؤثر في تنفيذها. ولا يعني ذلك أن كل إدارة بيروقراطية خالية من الفساد، بل إن وضوح الاختصاصات والإجراءات يجعل القرار أكثر قابلية للتوثيق والمراجعة والمحاسبة.

ثانيًا، يقدم بيير بورديو مفهوم رأس المال الاجتماعي والرمزي لتفسير تفاوت قدرة الفاعلين على الوصول إلى المجال السياسي. فقد تتحول العلاقات والسمعة والمكانة المهنية أو الاجتماعية إلى موارد تساعد أصحابها على بناء التحالفات والتأثير في النقاش العام. ويقتضي التحليل هنا التمييز بين الاستخدام المشروع لهذه الموارد، مثل التواصل السياسي والعمل الجمعوي، وبين استغلالها للحصول على امتيازات مخالفة للقواعد أو التأثير غير المشروع في القرار العام.

ثالثًا، تساعد أطروحة روبرت ميخلز حول «القانون الحديدي للأوليغارشية» على طرح سؤال تركّز النفوذ داخل التنظيمات السياسية. فالأحزاب والجمعيات، رغم قيامها على المشاركة، قد تشهد أحيانًا تركزًا للخبرة والموارد والقرار لدى دائرة محدودة من القيادات. ويمكن توظيف هذه الأطروحة في دراسة آليات اختيار المرشحين، وتداول المسؤوليات، والشفافية الداخلية، وقدرة الأعضاء على مراقبة القيادات. لكنها لا تثبت بذاتها أن الأحزاب المغربية أوليغارشية؛ إذ يتطلب ذلك تحليلًا مقارنًا لأنظمتها الداخلية وممارساتها الفعلية.

رابعًا، تتيح مقاربات الوكالة في العلوم السياسية والاقتصاد المؤسسي فهم العلاقة بين المواطن والمسؤول باعتبارها علاقة تتضمن تفويضًا للسلطة ومشكلة محتملة في عدم تكافؤ المعلومات. فالمواطنون يفوضون المسؤولين لاتخاذ قرارات عامة، لكنهم لا يمتلكون دائمًا المعلومات الكافية لتقييم تلك القرارات. وكلما ارتفعت صعوبة الوصول إلى المعلومات أو ضعف التدقيق المستقل، زادت الحاجة إلى آليات للشفافية والمراجعة والتبليغ وحماية المبلغين.

وتبرز هنا أهمية مفهوم تضارب المصالح، الذي لا يعني بالضرورة وقوع فساد فعلي، بل يشير إلى وضع قد تتعارض فيه المصلحة الخاصة للمسؤول مع واجباته العامة. وتكمن وظيفة القواعد التنظيمية في الكشف عن هذا التعارض وتدبيره ومنع تحوله إلى قرار منحاز. ومن ثم، فإن دراسة العلاقة بين المال والنفوذ في المغرب ينبغي أن تتناول التصريح بالمصالح عند الاقتضاء، وقواعد الصفقات العمومية، والولوج إلى المعلومات، والتدقيق، وآليات التظلم، وفعالية الجزاءات عند ثبوت المخالفات.

وفي هذا الإطار، يشكل دستور 2011 مرجعًا مؤسساتيًا أساسيًا، كما تمثل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إحدى المؤسسات المعنية بمجال النزاهة. غير أن وجود النصوص والمؤسسات لا يكفي وحده للحكم على مستوى الفعالية؛ إذ ينبغي تقييم التنفيذ الفعلي، وموارد أجهزة الرقابة، ومدى نشر نتائج عملها، وقدرة الجهات المعنية على تتبع التوصيات والقرارات.

وتقود هذه المقاربات إلى نتيجة منهجية مهمة: إن معالجة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على الدعوة إلى الأخلاق أو تخليق الحياة العامة، على أهميتهما، بل يجب أن تشمل تصميم المؤسسات، وتقليص فرص تضارب المصالح، وتوفير المعلومات، وضمان استقلال المراقبة، وتيسير المشاركة المدنية. فالهدف ليس افتراض فساد جميع النخب، بل تحديد الشروط التي تمنع استغلال السلطة وتضمن المساواة أمام القواعد.

وبذلك يصبح كتاب عبد الله كمال مدخلًا لطرح سؤال عام حول قابلية الحياة الخاصة وشبكات الوساطة للتحول إلى موارد للنفوذ، بينما تقدم النظريات السوسيولوجية والسياسية أدوات لفحص هذا السؤال في الحالة المغربية دون إسقاط مباشر أو أحكام غير موثقة.

وختاما ،يُظهر تقاطع كتاب عبد الله كمال مع علم الاجتماع السياسي والفكر السياسي المغربي والمقاربات الأوروبية أن دراسة العلاقة بين السلطة والحياة الخاصة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الفضائح أو السلوك الفردي، بل يجب أن تنتقل إلى تحليل الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي قد تسمح بتحويل العلاقات الشخصية إلى أدوات للنفوذ.

فمن جهة أولى، تساعد مفاهيم الجابري على مساءلة تداخل الولاء والمصلحة والشرعية في الممارسة السياسية. ومن جهة ثانية، يوجه فكر العروي الانتباه إلى ضرورة فهم الدولة والحداثة من خلال التحولات التاريخية والمؤسساتية، بدل اختزال المشكلات في الثقافة أو الأخلاق وحدهما. أما فيبر وبورديو وميخلز، فيقدمون أدوات لفهم العلاقة بين القواعد الرسمية وشبكات العلاقات ورأس المال الاجتماعي وتوزيع النفوذ داخل التنظيمات.

وفي الحالة المغربية، يتيح دستور 2011 إطارًا معياريًا لتحليل هذه الإشكالات، من خلال مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما تطرح مؤسسات النزاهة والرقابة سؤال الانتقال من الالتزام القانوني إلى الفعالية العملية.

وعليه، فإن الرهان البحثي لا يتمثل في افتراض انحلال النخبة السياسية المغربية، أو تعميم الاتهامات على الفاعلين السياسيين، بل في تحديد الآليات التي يمكن أن تؤدي إلى تضارب المصالح أو المحاباة أو استغلال النفوذ، وقياس مدى قدرة المؤسسات على منعها وكشفها ومحاسبة المسؤولين عنها.

إن القيمة العلمية لهذه المقاربة تكمن في تحويل السؤال الأخلاقي عن فساد النخب إلى سؤال سوسيولوجي ومؤسساتي قابل للبحث: متى تتحول العلاقات الاجتماعية من مورد مشروع للتعاون السياسي إلى أداة لاحتكار الفرص والنفوذ، وما الشروط القانونية والمؤسساتية اللازمة لمنع هذا التحول؟


شاهد أيضا

شاهد أيضا