Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

ما بعد المينورسو .. هل حان وقت الانتقال من تدبير الأزمات إلى هندسة الأمن الاستراتيجي للدولة؟

ليست كل الاجتماعات الملكية مجرد محطات لتوجيه التعليمات أو متابعة تنفيذ القرارات. بعضها يكتسب دلالته من طبيعة اللحظة التي ينعقد فيها، ومن نوعية الملفات المطروحة، ومن المؤسسات والشخصيات التي تجتمع حول طاولته. لذلك، فإن جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس يوم 4 نونبر الجاري، لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة المينورسو، تستحق قراءة تتجاوز مضمون بلاغها المباشر، لتلامس سؤالا أكبر يتعلق بكيفية استعداد الدولة المغربية لتدبير مرحلة مختلفة في تاريخ قضية الصحراء المغربية، وفي معادلة الأمن الوطني عموما.

فالمغرب لا يواجه اليوم مجرد تطور مرتبط بمصير بعثة أممية استمر حضورها لأكثر من ثلاثة عقود، وإنما يجد نفسه أمام تحول في الإطار الذي حكم تدبير النزاع، وما يترتب عنه من مسؤوليات جديدة في حماية السيادة، وصيانة الاستقرار، ومواكبة التحولات الدبلوماسية والميدانية. والفرق كبير بين دولة تكتفي بالتفاعل مع الوقائع بعد حدوثها، ودولة تستعد لما قد تفرزه هذه الوقائع من احتمالات، وتبني أدواتها المؤسساتية على أساس الاستباق لا رد الفعل.

من هنا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في سؤال ما الذي سيحدث للمينورسو بعد عدم تمديد ولايتها، بل يتعين أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقا: هل نحن أمام بداية مراجعة أوسع لطريقة تدبير الأمن الوطني، في ضوء التحولات التي تعرفها قضية الصحراء ومحيط المغرب الإقليمي؟

إن تركيبة الاجتماع الملكي تحمل في حد ذاتها عناصر تستحق التوقف. فقد جمع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية. نحن أمام مستويات مختلفة من المسؤولية، تتقاطع فيها القيادة الحكومية والتنسيق داخل المؤسسة الملكية والتدبير الترابي والقيادة العسكرية. وهذه التركيبة تعكس، على الأقل، طبيعة المقاربة المتعددة الأبعاد التي تفرضها المرحلة، حيث لم يعد ممكنا الفصل بين الأمن والدبلوماسية والإدارة الترابية والتنمية.

لكن الأهم في هذه القراءة هو عدم الخلط بين اجتماع عمل ذي طبيعة استراتيجية وبين انعقاد المجلس الأعلى للأمن بصفته الدستورية. فالبلاغ الملكي لم يعلن تفعيل هذه المؤسسة، ولا يجوز تحويل تشابه طبيعة المشاركين والاختصاصات إلى إعلان غير موجود. غير أن هذا التحفظ لا يلغي مشروعية طرح السؤال حول مدى الحاجة إلى إخراج هذه المؤسسة من دائرة النص الدستوري إلى مجال الممارسة المؤسساتية المنتظمة.

لقد نص الفصل 54 من دستور 2011 على إحداث مجلس أعلى للأمن، باعتباره هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي، وتدبير حالات الأزمات، ومأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. وهذا ليس تفصيلا دستوريا ثانويا، ولا مجرد مؤسسة إضافية في هندسة الدولة، بل هو تصور مؤسساتي يفترض أن يضمن التقاء مختلف مراكز المسؤولية حول القضايا التي تتجاوز اختصاص قطاع حكومي بعينه.

وإذا كانت المرحلة السابقة قد أفرزت تحديات أمنية ودبلوماسية متشابكة، فإن المرحلة المقبلة تجعل الحاجة إلى هذا المستوى من التنسيق أكثر وضوحا. فالأمن لم يعد محصورا في حماية الحدود أو الاستعداد العسكري، كما أن الدبلوماسية لم تعد مجرد تدبير للمواقف داخل المحافل الدولية. نحن أمام معادلة تتداخل فيها حماية المجال الترابي، وأمن المواطنين، والاستقرار الإقليمي، والتحولات الجيوسياسية، والرهانات الاقتصادية والتنموية.

إن انتهاء مهام المينورسو، وفق ما أعلنته المؤسسات المغربية عقب قرار مجلس الأمن في 30 أكتوبر، لا يعني أن كل الأسئلة المرتبطة بالنزاع قد انتهت تلقائيا، ولا أن مرحلة ما بعد البعثة ستكون خالية من التعقيدات. فالمؤسسات الدولية لا تختفي آثارها السياسية والميدانية بمجرد انتهاء ولايتها، كما أن التحولات في طبيعة النزاعات لا تعني بالضرورة اختفاء أسباب التوتر. ومن الخطأ أن يتحول التطور السياسي والدبلوماسي إلى مبرر للاطمئنان المسبق، أو إلى اعتقاد بأن ما تحقق على مستوى المواقف الدولية يغني عن الاستعداد لما قد تفرضه المرحلة من تحديات.

هنا تحديدا تبرز أهمية المقاربة الاستباقية. فالمغرب مطالب بمواكبة ترتيبات تصفية البعثة وانسحابها، وضمان استمرار التنسيق مع الأمم المتحدة، ومتابعة الوضع الميداني، والحفاظ على التزامه بوقف إطلاق النار، بالتوازي مع حماية أمن الأقاليم الجنوبية وطمأنينة سكانها. وهي مسؤوليات لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة، لأن أي تطور في أحد هذه المستويات قد تكون له انعكاسات على المستويات الأخرى.

وتزداد حساسية هذه المعادلة بالنظر إلى المحيط الإقليمي الذي يتحرك فيه المغرب. فمنطقة الساحل والصحراء تعيش تحولات أمنية متسارعة، تتداخل فيها النزاعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود والتهريب والجريمة المنظمة، فضلا عن التنافس الدولي على النفوذ والمصالح. وفي مثل هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الأمن الوطني باعتباره مسألة داخلية مغلقة، بل باعتباره منظومة مرتبطة بما يجري في المحيط الإقليمي وبقدرة الدولة على قراءة المخاطر قبل أن تتحول إلى تهديدات مباشرة.

غير أن اختزال الأمن في المقاربة العسكرية وحدها سيكون بدوره قراءة ناقصة. فالاستقرار في الأقاليم الجنوبية لا تحققه اليقظة الأمنية فقط، وإنما تعززه أيضا التنمية وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية وثقة المواطنين في المؤسسات. وهذه ليست إضافات اجتماعية إلى ملف السيادة، بل مكونات أساسية من مكونات تحصينها. فالدولة التي تحمي مجالها الترابي مطالبة، بالقدر نفسه، بأن تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء فعليون في ثمار الاستقرار والتنمية.

ولعل هذه إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من ربط البلاغ الملكي بين أمن المملكة وطمأنينة المواطنين، وبين حماية الوحدة الترابية ومواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية. فالسيادة ليست فقط مسألة حدود ورموز ومواقف دبلوماسية، بل هي أيضا قدرة على بناء الثقة، وتحقيق الاندماج، وترسيخ حضور الدولة من خلال مؤسساتها وخدماتها ومشاريعها.

ومن هذه الزاوية، يصبح تفعيل المجلس الأعلى للأمن نقاشا يتجاوز الظرفية المرتبطة بالمينورسو. فالمطلوب ليس استدعاء مؤسسة دستورية كلما ظهرت أزمة، ثم العودة إلى التدبير القطاعي المعتاد بعد تجاوزها، وإنما التفكير في آلية مؤسساتية قادرة على ضمان استمرارية التشاور الاستراتيجي، وتنسيق السياسات الأمنية، وتقييم المخاطر، واستحضار الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل قرار ذي طبيعة استراتيجية.

كما أن الحديث عن هذه المؤسسة يفتح نقاشا موازيا حول الحكامة الأمنية والمساءلة المؤسساتية. فالأمن القوي لا يتعارض مع دولة المؤسسات، بل إن قوته الحقيقية تكمن في وضوح الاختصاصات، ودقة التنسيق، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذا بالضبط ما يجعل الفصل 54 جديرا بالاهتمام؛ لأنه لا يتحدث فقط عن استراتيجيات الأمن وتدبير الأزمات، وإنما يربط ذلك أيضا بمأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تفعيل المجلس إلى مجرد نقاش تقني حول مؤسسة دستورية مؤجلة، أو إلى استنتاج أن اجتماع 4 نونبر كان إعلانا غير مباشر عن قرب انعقاده. فالمسألة أعمق من ذلك: هل أصبحت طبيعة التحديات التي يواجهها المغرب تفرض الانتقال إلى مستوى أكثر انتظاما في صناعة القرار الاستراتيجي؟ وهل آن الأوان لكي تتحول مقتضيات الدستور في هذا المجال إلى ممارسة مؤسساتية واضحة، بما يضمن استمرارية الرؤية وتكامل المسؤوليات؟

إن المرحلة التي يدخلها المغرب تقتضي كذلك التمييز بين النجاح الدبلوماسي والقدرة على تدبير نتائجه. فكل تحول في مسار قضية الصحراء يفتح فرصا جديدة، لكنه يطرح في الوقت نفسه مسؤوليات وتحديات مختلفة. والرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الإطار الذي جرى من خلاله تدبير النزاع، بل في امتلاك الأدوات السياسية والمؤسساتية والأمنية والتنموية التي تجعل الدولة قادرة على مواكبة ما بعد هذا التحول.

لقد اعتاد المغرب، خلال السنوات الماضية، أن يراكم مكاسب في ملف الصحراء عبر الدبلوماسية وتوسيع الشراكات وتعزيز الحضور الاقتصادي والاستراتيجي. واليوم، تبدو الحاجة قائمة إلى استكمال هذا المسار ببناء تصور متكامل للأمن الوطني، لا يفصل بين حماية السيادة والاستقرار الداخلي، ولا بين اليقظة الأمنية والفعالية الدبلوماسية، ولا بين التنمية والاندماج الترابي.

إن السؤال الذي تطرحه لحظة ما بعد المينورسو ليس فقط كيف سيدبر المغرب المرحلة المقبلة، وإنما بأي أدوات مؤسساتية واستراتيجية سيضمن ألا يفاجئه المستقبل؟ فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات عندما تقع، بل بقدرتها على استشرافها، وتنسيق مؤسساتها، وتحويل التحولات الكبرى إلى فرص لتعزيز الاستقرار وبناء المستقبل.

وربما تكون الدلالة الأعمق لاجتماع 4 نونبر أنه أعاد إلى الواجهة سؤالا دستوريا واستراتيجيا ظل مؤجلا: كيف يمكن للمغرب أن ينتقل من تعدد مراكز التدبير إلى تكامل الرؤية الأمنية للدولة؟ فالمجلس الأعلى للأمن، إذا ما جرى تفعيله وفق روحه الدستورية، لا ينبغي أن يكون مجرد مؤسسة تضاف إلى مؤسسات الدولة، بل إطارا للتفكير الاستراتيجي والتشاور وتدبير الأزمات، بما يجعل الدولة أكثر قدرة على استيعاب التحولات واستباق تحدياتها.

فالمغرب لا يحتاج فقط إلى تدبير مرحلة ما بعد المينورسو، بل إلى بناء أدوات الدولة التي تستعد لما بعد هذه المرحلة. وبين الأمرين يكمن الفرق بين تدبير اللحظة وصناعة المستقبل.


شاهد أيضا

شاهد أيضا