Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

دراسة “المستشارون الملكيون في المغرب..” نفوذ بلا اختصاص أم سلطة خارج الأضواء؟

آخر خبر

ظل موقع المستشار الملكي واحداً من أكثر المواقع إثارة للنقاش داخل بنية الدولة المغربية، ليس بسبب طبيعة المهام التي يضطلع بها بعض شاغليه فقط، وإنما أيضاً بسبب المسافة الفاصلة بين الحضور القوي في دوائر القرار وبين محدودية التأطير الدستوري المباشر لهذا الموقع.

وفي محاولة لإعادة ترتيب هذا النقاش بعيداً عن الانطباعات والتوصيفات السياسية الجاهزة، تعود دراسة أكاديمية حديثة إلى سؤال جوهري: أين ينتهي نفوذ المستشار الملكي وتبدأ سلطته القانونية؟ وهل يكفي القرب من الملك والخبرة والثقة لإثبات امتلاك اختصاصات تنفيذية؟

الدراسة، التي صدرت في غشت 2026 ضمن المجلة الدولية للبحث العلمي بلندن، تحمل عنوان «المستشار الملكي في المغرب – الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة: دراسة قانونية وسوسيولوجية في قوة المشورة وحدود الاختصاص»، وأعدها الباحثان في القانون العام والعلوم السياسية عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق.

وتحاول الورقة مقاربة موقع المستشار الملكي من زاويتين متداخلتين: الأولى قانونية تبحث في حدود الاختصاصات التي يمنحها النص، والثانية سوسيولوجية تتوقف عند مصادر النفوذ، مثل الثقة والخبرة والقرب من مركز القرار وشبكات العلاقات.

حين يصبح القرب من مركز القرار موضع سؤال

تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن المستشار الملكي يحتل موقعاً لافتاً في الحياة السياسية والمؤسساتية، رغم أن دستور 2011 لا ينشئ مؤسسة دستورية مستقلة تحمل هذا الاسم، ولا يحدد عدداً ثابتاً للمستشارين أو يضع لائحة تفصيلية باختصاصاتهم.

وفي المقابل، يحدد الدستور بدقة أكبر مواقع واختصاصات الملك والحكومة ورئيس الحكومة والوزراء وباقي المؤسسات الدستورية.

ومن هنا تطرح الدراسة إشكالية كثيراً ما تختلط في الخطاب العام: هل النفوذ السياسي دليل على وجود اختصاص قانوني؟

الجواب الذي تقترحه الورقة يقوم على الفصل بين أمرين مختلفين؛ فقد يكون الشخص قريباً من مركز القرار ومؤثراً في النقاش وصناعة الخيارات، من دون أن يعني ذلك امتلاكه سلطة قانونية مستقلة لاتخاذ القرار أو إصدار الأوامر للمؤسسات.

وبالمقابل، فإن عدم وجود نص دستوري مفصل بشأن المستشارين لا يعني، بحسب الدراسة، أن تأثيرهم الواقعي معدوم.

جذور أقدم من الدستور

ولا تبدأ الدراسة من دستور 2011، بل تعود إلى جذور المشورة في تاريخ الدولة المغربية.

ففي الدولة السلطانية، كان السلطان محاطاً بمجموعة من العلماء والكتاب والوزراء والأمناء والحجاب وأهل الرأي، وكانت عملية صناعة القرار تستند إلى معارف ومعلومات وخبرات موزعة بين هؤلاء الفاعلين.

وتقرأ الدراسة هذا التاريخ باعتباره دليلاً على أن الحكم لم يكن، حتى في مراحله التقليدية، عملية فردية خالصة من حيث إنتاج المعرفة والمعلومات، وإن ظل القرار النهائي مرتبطاً بموقع السلطان.

ومع انتقال المغرب إلى الدولة الحديثة وتطور مؤسساتها، تغير شكل هذه المشورة، وأصبحت أكثر ارتباطاً بالتخصص والخبرة والملفات، فيما استمر حضورها بالقرب من رأس الدولة.

الديوان الملكي ليس حكومة موازية

ولإبراز الفرق بين الموقع والاختصاص، تستحضر الدراسة واقعة تعود إلى عهد الملك الحسن الثاني، حين أُسندت سنة 1961 إلى أحمد رضا اكديرة أعباء وزارة الفلاحة، في الوقت الذي كان يشغل فيه منصب مدير عام الديوان الملكي.

غير أن هذه المهمة لم تنتج، وفق قراءة الدراسة، عن مجرد وجوده داخل الديوان، بل ارتبطت بسند قانوني خاص وتفويض للسلطة والتوقيع.

وتعتبر الدراسة أن هذه الواقعة تحمل دلالة مؤسساتية واضحة: لو كان القرب من الملك أو شغل منصب داخل الديوان كافياً لامتلاك الاختصاص التنفيذي، لما كانت هناك حاجة إلى إنشاء سند قانوني خاص لممارسة تلك السلطة.

ومن هنا تضع الدراسة إحدى أبرز خلاصاتها: الموقع القوي لا يساوي بالضرورة اختصاصاً قانونياً.

فالمستشار قد يكون قريباً من مركز القرار، وقد تكون له خبرة واسعة وقدرة على التأثير، لكن ذلك لا يجعله تلقائياً جزءاً من السلطة التنفيذية التي يمارسها الدستور عبر الحكومة ورئيسها والوزراء.

الصفة شيء.. والاختصاص شيء آخر

تقوم الدراسة على فصل مجموعة من المفاهيم التي غالباً ما تختلط في النقاش السياسي.

التعيين يمنح الصفة، والنص القانوني ينشئ الاختصاص، والتكليف يحدد المهمة، بينما ينتج النفوذ عن عوامل أخرى قد تكون مرتبطة بالثقة والخبرة والقرب وشبكات العلاقات.

وبهذا المعنى، لا يمكن الانتقال آلياً من إثبات نفوذ شخص ما إلى القول بامتلاكه سلطة قانونية.

كما أن أداء مهمة لحساب الملك لا يعني بالضرورة أن صاحبها أصبح صاحب اختصاص دائم في المجال الذي تدخل فيه.

وتعتبر الدراسة أن هذه القاعدة ضرورية لفهم طبيعة عمل المستشارين، لأن الكثير من الالتباسات تنشأ، في نظرها، من تحويل الوقائع السياسية إلى أوصاف قانونية من دون المرور عبر النصوص المؤسسة للاختصاص.

مستشارون بخلفيات مختلفة

وتتوقف الدراسة عند المسارات المهنية لعدد من مستشاري الملك محمد السادس، لتخلص إلى أن خلفياتهم بعيدة عن التجانس.

فهناك من جاء من الإدارة والهندسة والمشاريع الكبرى، ومن ارتبط بالقانون والعمل الاجتماعي، ومن تدرج في الجامعة والفكر والثقافة، ومن تخصص في القانون الدستوري، فيما جاء آخرون من الدبلوماسية والمالية الدولية والاستثمار والتدبير.

وترى الدراسة أن هذا التنوع يصعب معه التعامل مع المستشارين باعتبارهم أعضاء في «حكومة ثانية» موزعة على قطاعات الدولة.

وبدل ذلك، تقترح مفهوم «هندسة الخبرة حول الملك»، أي أن محيط المشورة يتكون من خبرات متعددة يمكن استدعاؤها وفق طبيعة الملفات والقضايا المطروحة.

فالمستشار، وفق هذا التصور، لا يحمل بالضرورة «حقيبة وزارية خفية»، وإنما يأتي إلى دائرة المشورة محملاً برصيد مهني ومؤسساتي قد يمنحه قدرة كبيرة على قراءة الملفات وتقديم الرأي.

فؤاد عالي الهمة.. الحالة الأكثر إثارة للجدل

وتولي الدراسة اهتماماً خاصاً لمسار فؤاد عالي الهمة، باعتباره نموذجاً يمكن من خلاله اختبار الحدود بين النفوذ والاختصاص.

فمساره مر عبر القانون والعلوم السياسية والإدارة ووزارة الداخلية ورئاسة ديوان ولي العهد والعمل داخل الديوان الملكي، كما شمل التجربة البرلمانية والمحلية والمسؤولية الحكومية والعمل الحزبي، قبل تعيينه مستشاراً للملك في دجنبر 2011.

وتعتبر الدراسة أن هذا المسار أنتج ما تسميه «الرأسمال السياسي والمؤسساتي العرضاني»، أي تراكم معرفة ناتجة عن المرور عبر مواقع ومؤسسات مختلفة داخل الدولة والمجال السياسي.

وهذا التراكم، بحسب الدراسة، يمكن أن يفسر جزءاً من الوزن الاستشاري والسياسي الذي يحظى به صاحبه.

لكن الباحثين يميزون مرة أخرى بين الخبرة المتراكمة وبين الاختصاص القانوني.

فالمسؤول الذي يغادر وزارة الداخلية لا يحمل معه اختصاصات الوزارة، كما أن مغادرة العمل الحزبي لا تنشئ سلطة قانونية دائمة داخل الحزب.

الذي يبقى هو المعرفة والخبرة والذاكرة المؤسساتية والعلاقات، وهي كلها عناصر يمكن أن تصنع نفوذاً، لكنها لا تشكل في حد ذاتها اختصاصاً قانونياً.

وتطلق الدراسة على الخلط بين الماضي الوظيفي والسلطة الحالية مفهوم «استصحاب الاختصاص»، معتبرة أن انتقال المسؤول من مؤسسة إلى أخرى لا يعني انتقال الاختصاصات نفسها معه.

النفوذ يحتاج إلى دليل

ولا تنكر الدراسة إمكانية وجود نفوذ سياسي واستشاري قوي لبعض المستشارين، لكنها تتحفظ على تحويل الأوصاف المتداولة إلى حقائق مثبتة.

فحين يصف فاعل سياسي شخصاً بأنه «متحكم»، فإن ذلك يكشف عن تصور موجود داخل المجال السياسي، لكنه لا يثبت وحده أن هذا الشخص مارس فعلاً سلطة تحكم في مؤسسة معينة.

ولتثبيت مثل هذا الادعاء، تقترح الدراسة البحث عن عناصر أكثر تحديداً: ما المؤسسة المعنية؟ ما القرار أو الفعل المنسوب إلى المستشار؟ كيف تم التأثير؟ ما طبيعة العلاقة؟ وهل كانت مستمرة؟ وما النتيجة التي ترتبت عنها؟

وبذلك تنتقل الدراسة من لغة الانطباع إلى لغة الإثبات.

كما تتوقف عند طبيعة الخطاب الذي يحيط بالمستشار الملكي، معتبرة أن موقعه يفرض عليه درجة مرتفعة من التحفظ، وهو ما يجعل الصمت عن الاتهامات السياسية غير كافٍ، في حد ذاته، لإثبات صحتها.

هل «حكومة الظل» وصف دقيق؟

ربما يكون هذا هو الجزء الأكثر إثارة في الدراسة، بالنظر إلى الانتشار الواسع لتعبير «حكومة الظل» عند الحديث عن المستشارين الملكيين.

وترى الدراسة أن استخدام هذا المفهوم بمعناه المؤسساتي يحتاج إلى إثبات ثلاثة عناصر على الأقل: وجود تنظيم جماعي، واختصاصات تنفيذية مستقرة، وآليات إلزام تعمل خارج الحكومة والمؤسسات الدستورية.

وبحسب ما خلصت إليه الدراسة من النصوص والوقائع التي فحصتها، فإنها لم تجد ما يكفي لإثبات قيام هذه العناصر مجتمعة بما يسمح بتوصيف محيط المستشارين باعتباره حكومة تنفيذية موازية.

لكن ذلك لا يعني، في المقابل، نفي وجود نفوذ أو تأثير.

فالمستشار يمكن أن يساهم في إعداد الخيارات، أو تقديم المشورة، أو التنسيق بين الفاعلين، أو تنفيذ مهمة يكلفه بها الملك، دون أن يتحول بذلك إلى صاحب اختصاص تنفيذي مستقل.

وهنا يكمن الفارق الذي تصر الدراسة على إبرازه: التأثير في القرار ليس هو نفسه امتلاك سلطة القرار.

من «حكومة خفية» إلى «محيط استشاري»

في خلاصة البحث، تحاول الدراسة تجاوز صورتين متناقضتين للمستشار الملكي.

الصورة الأولى تختزله في شخص قريب من الملك، بما يلغي أهمية الخبرة والمعرفة التي راكمها شاغلو هذا الموقع.

والصورة الثانية تنقله مباشرة إلى موقع «الحاكم من وراء الستار»، وتحول كل نفوذ محتمل إلى دليل على وجود سلطة تنفيذية خفية.

وبدل ذلك، تقترح الدراسة مفهوماً أكثر تركيباً هو «المحيط الاستشاري لهرم الدولة»؛ أي دائرة تضم خبرات متنوعة، تستند أهميتها إلى الثقة والخبرة والذاكرة المؤسساتية والتكليف، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام مؤسسة تنفيذية مستقلة عن الحكومة.

وهكذا يصبح السؤال الحقيقي، وفق منطق الدراسة، أقل ارتباطاً بمن يملك النفوذ وأكثر ارتباطاً بكيفية إنتاج المعرفة داخل الدولة قبل اتخاذ القرار.

كيف تصل المعلومة إلى رأس الدولة؟ ومن أين تأتي الخبرة؟ وكيف تتحول الثقة والمعرفة المتراكمة إلى مشورة؟ وأين يتوقف تأثير المستشار ليبدأ الاختصاص الذي لا يمنحه إلا القانون؟

هذه الأسئلة، أكثر من الأوصاف السياسية الجاهزة، هي التي تحاول الدراسة وضعها في قلب النقاش حول المستشار الملكي في المغرب، في محاولة للفصل بين ثلاثة عوالم متداخلة ولكنها ليست متطابقة: الثقة السياسية، والنفوذ الواقعي، والاختصاص القانوني.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...