مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس البحر مجرد مساحة زرقاء تفصل بين الضفاف، بل هو، في كثير من الأحيان، أرشيف للصراعات الصامتة ورسائل لا تكتب بالحبر، وإنما ترسم بحركة السفن، وبأمواج الهجرة، وبالقرارات التي تتخذ بعيدا عن عدسات الكاميرات.
ما شهدته سبتة المحتلة في الأيام الأخيرة لم يكن حدثا عاديا. فالمشهد، بما حمله من تدفقات بشرية غير مسبوقة، تجاوز كونه أزمة حدود أو هجرة غير نظامية، ليصبح مادة مفتوحة للتأويل السياسي، ومرآة تعكس حجم التشابك الذي بات يميز العلاقات الدولية في زمن تتغير فيه التحالفات كل يوم.
ومن بين القراءات التي راجت بقوة، برزت فرضية تعتبر أن ما جرى يدخل في سياق ضغوط غير مباشرة على إسبانيا، على خلفية مواقفها الأخيرة من العدوان على غزة، ومن بعض الملفات المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى الحديث عن أدوار خفية لقوى دولية وإقليمية في توجيه مسار الأحداث.
قد تبدو هذه الفرضية منسجمة مع منطق الصراعات الدولية، وقد يراها آخرون مجرد قراءة تفتقر إلى الأدلة الكافية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الجوهري: هل أصبح البحر الأبيض المتوسط فضاء لتبادل الرسائل السياسية، أم أننا أصبحنا نرى في كل أزمة مؤامرة كونية؟
التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تتحرك بدافع الأخلاق، بل بمنطق المصالح. ويعلمنا أيضا أن الأزمات كثيرا ما تستثمر لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية. غير أن التاريخ نفسه يحذرنا من الوقوع في فخ تحويل كل حدث إلى رواية سرية تدار من خلف الستار.
إن اختزال ما وقع في سبتة في تفسير واحد، أيا كان، يظلم الحقيقة. فالهجرة ليست مجرد قرار سياسي، بل هي أيضا نتاج اختلالات اجتماعية واقتصادية، وأزمات تنموية، وأحلام مؤجلة لشباب يبحث عن مستقبل يعتقد أنه يوجد على الضفة الأخرى.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن البحر الأبيض المتوسط تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر مناطق العالم حساسية. فمن غزة إلى أوكرانيا، ومن الطاقة إلى الأمن البحري، ومن التنافس الأمريكي الصيني إلى الحضور الروسي، أصبحت هذه المنطقة عقدة تتقاطع فيها مصالح الجميع. وفي مثل هذا السياق، لا تبدو الأحداث معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي.
غير أن أكثر ما يثير القلق ليس تعدد التفسيرات، بل غياب النقاش الهادئ. فالإعلام لم يعد يكتفي أحيانا بنقل الوقائع، بل أصبح يصنع روايات مكتملة قبل اكتمال الحقائق. وبين السباق نحو الإثارة والبحث عن الحقيقة، تضيع الأسئلة الكبرى.
هل كانت سبتة مجرد أزمة هجرة؟ أم رسالة سياسية؟ أم ورقة ضغط دبلوماسية؟ أم خليطا من كل ذلك؟
لا أحد يستطيع أن يجيب بيقين، لأن عالم اليوم لم يعد بسيطا بما يكفي لتفسيره بجملة واحدة، ولا معقدا إلى درجة تجعل كل شيء مؤامرة.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله، ونحن نقرأ ما يجري حولنا، هو أن نستبدل التحقيق بالاقتناع، والدليل بالانطباع، والتحليل بالرغبة في تصديق الرواية التي توافق قناعاتنا المسبقة.
فالدول تبني سياساتها على المصالح، أما الصحافة فتبني رسالتها على الحقيقة. والحقيقة لا تستخرج من الضجيج، بل من البحث، ومن الشك المنهجي، ومن احترام عقل القارئ.
لذلك، فإن أحداث سبتة لا تستحق أن تتحول إلى مادة للمزايدات، بقدر ما تستحق أن تكون مدخلا لفهم عالم يتغير بسرعة، حيث لم تعد الحدود مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت ساحات مفتوحة لصراع الإرادات، وتوازنات القوة، ورسائل الدول. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: من يقف وراء ما حدث؟ بل أيضا: لماذا أصبح أي حدث في منطقتنا قابلا لأن يقرأ من زاوية الصراع الدولي؟ وهل يعود ذلك إلى تعقد المشهد الجيوسياسي، أم إلى ضعف الشفافية، أم إلى الفراغ المعلوماتي الذي يسمح بانتشار الروايات المتناقضة؟
لقد قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: تسخر منها، ثم تقاوم بعنف، ثم تقبل باعتبارها بديهية.” لكن الوصول إلى الحقيقة يظل رهينا بالدليل، لا بالرغبة في تصديق ما يوافق قناعاتنا.
ويبقى البحر .. شاهدا صامتا على ما يقال وما لا يقال، وعلى حقائق قد تكشفها الأيام، وأخرى قد تظل حبيسة دهاليز السياسة الدولية.
