Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من التدبير الظرفي لفيضانات المغرب إلى السياسة الوقائية المستدامة

الحكم الرشيد هو

الذي يمنع الكارثة قبل أن يدبر آثارها

              مقتبس من الفكر السياسي الحديث

الوقاية في المعاش أصل العمران، وفساده نذير الخراب

               ابن خلدون

لم تعد الفيضانات في المغرب مجرد أحداث طبيعية عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة تكشف، في كل مرة، هشاشة السياسات الترابية وضعف منطق الاستباق. ومع تزايد حدة التقلبات المناخية، وتوالي فترات الجفاف يعقبها تساقطات فجائية وعنيفة، أصبح من الواضح أن منطق التدبير الظرفي لم يعد كافيا، وأن استمرار التعامل مع الفيضانات كحوادث استثنائية هو في حد ذاته خلل بنيوي في السياسات العمومية.

لقد آن الأوان لسن سياسة وطنية شجاعة ومندمجة تجيب عن إشكالية الفيضانات، لا من زاوية التدخل بعد وقوع الكارثة، بل من زاوية الوقاية والتخطيط المسبق. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن قوة الدول لا تقاس بسرعة رد فعلها فقط، بل بقدرتها على توقع المخاطر قبل أن تتحول إلى كوارث. وكما قال توماس هوبز:الخطر المتوقع أخف وطأة من الكارثة المفاجئة.

إن الخسائر البشرية والمادية التي تخلفها الفيضانات تفوق بكثير كلفة الاستثمار في الوقاية. غير أن السياسات المعتمدة ما تزال، في الغالب، رهينة مقاربات قطاعية وتدخلات متفرقة تفتقر إلى رؤية ترابية شاملة. وفي هذا السياق، يصدق قول ونستون تشرشل حيث قال: “الفشل في التخطيط هو تخطيط للفشل.

وتبرز تجارب الدول المتقدمة أن سياسة السدود، ولا سيما السدود التلية، إلى جانب تهيئة الوديان وتنظيم مجاري المياه، تشكل حجر الزاوية في أي استراتيجية ناجعة للحد من مخاطر الفيضانات. فهذه المنشآت لا تستخدم فقط لتخزين المياه ومواجهة الجفاف، بل تلعب دورا حاسما في تنظيم الجريان، امتصاص الصدمات المائية، وحماية التجمعات السكنية. وكما قال ألكسيس دو توكفيل: إنالدولة التي تهمل المجال، تهمل الإنسان فيه.

وفي المغرب، يكتسي المجال القروي أهمية خاصة، إذ غالبا ما تنطلق السيول المدمرة من الأحواض العليا للأودية، حيث ضعف الغطاء النباتي، هشاشة التربة، وغياب منشآت الحماية. إن الاستثمار في السدود التلية، إعادة تشجير المنحدرات، وتنظيم مجاري الوديان في العالم القروي ليس مجرد خيار تقني، بل رهان تنموي متكامل يوفر الماء للفلاحة، يحد من الهجرة القروية، ويخلق دينامية اقتصادية محلية. وكما عبر نيلسون مانديلا بمقولته “القضايا البيئية ليست ترفا، بل شرطا من شروط العدالة الاجتماعية”.

غير أن البنية التحتية وحدها لا تكفي. فنجاعة أي سياسة وقائية تظل رهينة بحكامة جيدة وتنسيق فعلي بين مختلف المتدخلين: الدولة، الجماعات الترابية، وكالات الأحواض المائية. كما يفرض الأمر إشراك الساكنة المحلية في التخطيط والتنفيذ، لأن السياسات المفروضة من فوق غالبا ما تفشل على أرض الواقع. وفي هذا الصدد يقول جون ستيوارت ميل:أقوى السياسات هي تلك التي يشارك الناس في صنعها.

ويستدعي هذا التوجه كذلك تحديث أنظمة الإنذار المبكر، إعداد خرائط دقيقة لمناطق الخطر، والتصدي الصارم للبناء العشوائي في مجاري الوديان ومناطق الفيض. فالتاريخ مليء بالدروس التي تؤكد أن تجاهل قوانين الطبيعة يقود حتما إلى المأساة، كما نبه إلى ذلك سبينوزا بقوله:الطبيعة لا تخالف قوانينها لإرضاء البشر.

إن تحدي الفيضانات في المغرب هو في جوهره اختبار حقيقي لقدرتنا على الانتقال من منطق التدبير الموسمي إلى منطق السياسة العمومية المستدامة، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. فالمغرب يتوفر على الإمكانات والخبرات، وما ينقصه اليوم هو وضوح الاختيارات السياسية وطول النفس في التنفيذ. وكما قال شارل ديغول أيضا: “الدول العظيمة تبنى بالقرارات الصعبة لا بالحلول السهلة.

إن حماية الإنسان والمجال ليست شعارا عابرا، بل مسؤولية تاريخية. ومسؤولية اللحظة الراهنة تفرض إعادة التفكير في علاقتنا بالماء: لا باعتباره خطرا فقط، ولا موردا فقط، بل عنصرا طبيعيا يتطلب تدبيرا ذكيا ومتوازنا، يربط بين الوقاية والتنمية والاستدامة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...