مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست وظيفة التحليل السياسي أن يجد لكل حدث تفسيرا، وإنما أن يميز بين مستويات التفسير، وأن يقاوم الإغراء الدائم الذي يدفع الباحث إلى رد الوقائع المركبة إلى سبب واحد. فكلما كان الحدث استثنائيا، ازدادت الحاجة إلى التواضع المعرفي، لأن الواقع أعقد من أن يُختزل في سردية واحدة، وأغنى من أن يستسلم لنظرية جاهزة.
من هذه الزاوية قرأت مقال الأستاذ حسن أوريد، «البحر أمامكم»، المنشور في الجزيرة نت. وهو مقال يشي بثقافة سياسية واسعة، ويُكتب بلغة رفيعة، لكنه يطرح، في تقديري، إشكالًا منهجيًا يستحق النقاش. فالإشكال لا يكمن في جرأة النقد، ولا في تشخيص الاختلالات التي يعرفها المغرب، وإنما في الكيفية التي بُني بها التفسير، وفي المسار الذي انتقل به الكاتب من حدث حدودي بالغ التعقيد إلى خلاصة سياسية تكاد تجعل الداخل المغربي وحده مفتاح فهم ما جرى.
ذلك أن أحداث سبتة لم تكن مجرد موجة هجرة جماعية حتى تُقرأ بمنظار اجتماعي أو سياسي داخلي فحسب. لقد كانت أزمة أوروبية بامتياز، كما كانت أزمة مغربية. كانت اختبارًا لقدرة إسبانيا على حماية حدود الاتحاد الأوروبي، وامتحانًا لسياسات الهجرة الأوروبية، وتحركت فيها شبكات الاتجار بالبشر، ولعب فيها الفضاء الرقمي دورًا غير مسبوق في التعبئة وتداول الأخبار والإشاعات، كما حضرت فيها اعتبارات القانون، والأمن، والدبلوماسية، والاقتصاد، والرأي العام. وبعبارة أخرى، نحن أمام حدث لا ينتمي إلى حقل معرفي واحد، ولا يمكن أن يُختزل في سبب واحد.
غير أن المقال، كلما تقدم في بناء حجته، أخذ يرد هذا التشابك كله إلى الداخل المغربي. يبدأ من الهجرة، ثم ينتقل إلى أزمة الوسائط السياسية، ثم إلى ضعف الأحزاب، ثم إلى تحولات المجتمع، قبل أن يصل إلى الأسرة ومدونة الأسرة. وهنا يبرز السؤال المنهجي الذي أراه جوهر النقاش: هل كانت هذه النتائج ثمرة الوقائع، أم أن الوقائع استُدعيت لتأكيد نتائج كانت حاضرة في ذهن الكاتب منذ البداية؟
ليس في هذا السؤال أي تشكيك في صدقية الكاتب أو نزاهته الفكرية، وإنما هو سؤال يتعلق بطبيعة التحليل ذاته. فالتحليل السياسي لا يُقاس بمدى انسجامه مع نفسه، بل بمدى قدرته على اختبار فرضياته أمام الوقائع. أما إذا أصبحت الوقائع تؤدي وظيفة واحدة، هي تأكيد ما نعتقده سلفًا، فإننا نكون قد انتقلنا، من حيث لا نشعر، من تفسير الواقع إلى إعادة تأويله.
ولعل أوضح مثال على ذلك ما أورده المقال من ربط بين عدد من المهاجرين وبين الأسر ذات الوالد الواحد، ثم إحالة ذلك إلى مدونة الأسرة. لا أقف هنا موقف المدافع عن المدونة ولا المعترض عليها، لأن النقاش القانوني شيء، والمنهج العلمي شيء آخر. فمثل هذا الربط لا يكفي فيه الانسجام المنطقي، ولا يكفي أن يبدو مقنعًا من الناحية الفكرية، بل يحتاج إلى دليل إمبريقي واضح: دراسات ميدانية، أو معطيات رسمية، أو عينات بحثية تثبت أن هذا العامل كان بالفعل محددًا في الظاهرة التي يناقشها الكاتب. أما في غياب ذلك، فإننا نكون أمام فرضية قابلة للنقاش، لا أمام نتيجة يمكن أن تُبنى عليها قراءة لحدث بهذا الحجم.
ومن الملاحظ أيضا أن المقال يرفض بعض التأويلات التي ربطت أحداث سبتة بحسابات سياسية بين الرباط ومدريد، لأنها ــ بحسب الكاتب ــ لا تستند إلى دليل كاف. وهذا موقف منهجي سليم في حد ذاته. غير أن المنهج يقتضي أن يُطبَّق المعيار نفسه على جميع الفرضيات، سواء وافقت قناعاتنا أم خالفتها. فإذا اشترطنا البرهان لرفض تفسير خارجي، فمن باب أولى أن نشترطه عند تبني تفسير داخلي واسع يمتد من السياسة إلى الاجتماع، ومن الاجتماع إلى الأسرة، ثم يُقدَّم باعتباره السلسلة التفسيرية الأكثر ترجيحًا.
وما يلفت الانتباه في المقال كذلك أنه، كلما اتسعت دوائر الحدث، ضاقت دوائر تفسيره. فالأزمة التي أقلقت مدريد، واستنفرت مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأعادت النقاش حول الهجرة والحدود والأمن في غرب المتوسط، انتهت في المقال إلى أن تكون، في المقام الأول، تعبيرًا عن أزمة الدولة والمجتمع المغربيين. ولا شك أن الداخل المغربي عنصر أساسي في فهم ما وقع، لكن تحويله إلى العنصر المهيمن يكاد يحجب أثر العوامل الأخرى، مع أنها كانت حاضرة بقوة في صناعة الحدث ومساره وتداعياته.
إن التحليل السياسي الرصين لا يقوم على المفاضلة بين الداخل والخارج، ولا بين الاجتماعي والسياسي، وإنما على إدراك أن الظواهر الكبرى تنشأ من تفاعل مستويات متعددة، وأن اختزالها في مستوى واحد يريح الذهن أكثر مما يفسر الواقع.
ولعل هذا ما جعلني أختلف مع البناء الحجاجي للمقال أكثر مما اختلفت مع نتائجه. فليس من الصعب أن نتفق على وجود اختلالات سياسية واجتماعية في المغرب، وليس من الصعب أيضًا أن نقر بأن اليأس وفقدان الأفق كانا من بين دوافع آلاف الشباب الذين اندفعوا نحو سبتة. لكن الانتقال من هذا الإقرار إلى اعتبار تلك الاختلالات التفسير المركزي لما وقع يظل انتقالًا يحتاج إلى برهنة أكثر مما يحتاج إلى بلاغة.
إن أسوأ ما يواجه الباحث ليس أن يخطئ في استنتاج، فكل اجتهاد معرض للخطأ، وإنما أن يقع في أسر الإطار التفسيري الذي اعتاده، فيرى في كل حدث تأكيدًا له. فالأحداث الكبرى لا تأتي لتثبت صحة نظرياتنا، بل كثيرًا ما تأتي لتختبرها، بل وربما لتنسفها.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للنقاش الذي يثيره مقال «البحر أمامكم» لا تكمن في الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفه، وإنما في إعادة طرح سؤال أعمق: كيف نقرأ الأزمات المركبة؟ هل نبدأ من الوقائع فنصوغ فرضياتنا، أم نبدأ من فرضياتنا فنبحث في الوقائع عما يؤيدها؟
أحسب أن أحداث سبتة تستحق قراءة أوسع من أن تُختزل في أزمة داخلية، كما تستحق في الوقت نفسه قراءة أعمق من أن تُفسر بعامل خارجي واحد. فهي لحظة تداخلت فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد، والهجرة مع القانون، والسيادة مع الأمن، والتحولات الاجتماعية مع الثورة الرقمية، بحيث أصبح أي تفسير أحادي، مهما بدا متماسكًا، أقل اتساعًا من الحدث نفسه.
إن احترام تعقيد الواقع ليس ترفا أكاديميا، بل هو الشرط الأول لكل تحليل يريد أن يكون منصفا. فالفكر لا تزداد قيمته حين يقدم أجوبة سريعة، وإنما حين يمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن بعض الأحداث أكبر من أي تفسير واحد، وأغنى من أن تُختزل في سردية واحدة.
