Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

شارية والطوب في قلب الجدل الانتخابي بتطوان.. حين تتحول التصريحات إلى معركة انطباعات

كشفت التطورات الأخيرة التي رافقت الحملة الانتخابية بمدينة تطوان أن المعارك السياسية لا تُحسم دائماً بالخطابات المعدّة سلفاً، ولا باللافتات الانتخابية، ولا بوفرة الإمكانات التنظيمية، بل قد تنقلب في لحظة واحدة إلى اختبار حقيقي للذكاء السياسي والقدرة على تدبير الأزمات.
فبعد تداول تصريحات إسحاق شارية بشأن ما اعتبره حضور شخص أجنبي في حملة انتخابية مرتبطة بمنصف الطوب، واستماع النيابة العامة بتطوان إليه على خلفية التسجيل المصور، انتقل النقاش من البرامج والوعود الانتخابية إلى سؤال أوسع: من المستفيد فعلاً من هذه القضية؟ وهنا يبدو أن منصف الطوب، وهو يحاول الرد على خصمه أو التقليل من أثر تصريحاته، قد أسهم، من حيث أراد الإساءة إليه، في رفع منسوب حضوره داخل النقاش العام.
شارية خرج من الهامش إلى الواجهة
قبل هذه الواقعة، كان إسحاق شارية يخوض المنافسة الانتخابية باعتباره أحد الأسماء الجديدة نسبياً في المشهد المحلي، وسط تعدد المرشحين وتزاحم الأسماء الحزبية المعروفة. غير أن التسجيل المتداول جعله في قلب الاهتمام، وحوّل اسمه من مجرد اسم انتخابي بين أسماء كثيرة إلى شخصية حاضرة في الأحاديث اليومية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
وهذه قاعدة معروفة في السياسة والإعلام: قد تكون الحملة الانتخابية الطويلة عاجزة عن تحقيق الانتشار الذي تصنعه قضية واحدة، خصوصاً إذا ارتبطت بموضوع يلامس حساسية الناخبين، مثل نزاهة المنافسة الانتخابية، وحدود التدخل الأجنبي، وضرورة احترام القواعد المنظمة للاستحقاق.
وبصرف النظر عن مآل البحث القضائي، وعن صحة المعطيات التي وردت في تصريحات شارية من عدمها، فإن مجرد انتقال القضية إلى المؤسسات المختصة جعلها تحظى باهتمام واسع. وقد أكدت الأخبار المتداولة أن شارية طالب بفتح تحقيق للتحقق من طبيعة حضور الشخص الأجنبي وما إذا كان الأمر قد اقتصر على المرافقة أم شمل دعماً مادياً أو لوجستياً للحملة.
الطوب خدم خصمه من حيث لا يريد
كان بإمكان منصف الطوب أن يواجه القضية بهدوء، وأن يترك للمؤسسات المختصة مهمة التحقق من الوقائع، ثم يواصل عرض برنامجه الانتخابي والتواصل مع الناخبين. لكنه، بحسب ما نقلته بعض المنابر، اختار مهاجمة ما وصفه بتحويل الانتخابات إلى محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوة إلى خطاب إيجابي بدل ما اعتبره خطاباً عدمياً.
وقد يكون هذا الموقف مفهوماً من الناحية السياسية، غير أن أثره الاتصالي جاء معاكساً لما قد يكون مستهدفاً. فكلما جرى الحديث عن شارية بوصفه صانع محتوى أو صاحب تصريحات مثيرة، ازداد تداول اسمه، واتسعت دائرة المتابعين لقضيته، وتحول من منافس انتخابي إلى طرف رئيسي في النقاش العام.
إن محاولة إسكات الخصم أو التقليل من شأنه قد تمنحه، أحياناً، شرعية إضافية. فالمواطن لا يتابع فقط مضمون الاتهام، بل يتابع أيضاً طريقة الرد عليه، ونبرة الخطاب، ومدى احترام الخصم لعقل الناخب. وفي هذه الحالة، بدا أن شارية استفاد من موقع الطرف الذي يطالب بالتوضيح والتحقيق، بينما ظهر الطوب في موقع المدافع عن نفسه، حتى قبل صدور أي خلاصة رسمية.
التعاطف لا يعني الحسم الانتخابي
من المهم، مع ذلك، التمييز بين التعاطف الشعبي والنتيجة الانتخابية. لا يمكن الجزم بأن “كل تطوان” تقف مع إسحاق شارية، كما لا توجد، في المعطيات المتاحة، استطلاعات علمية تثبت ارتفاع شعبيته بنسبة محددة أو تفوقه على حزب الاستقلال. لكن المؤكد أن القضية وسّعت دائرة التعاطف معه، ورفعت حضوره الرمزي والإعلامي داخل المدينة.
فالتعاطف غالباً ما يتجه إلى الطرف الذي يبدو أكثر تعرضاً للهجوم أو التضييق، خصوصاً عندما يرى الناس أن خصمه يحاول تحويل النقاش من مضمون القضية إلى انتقاد الأسلوب أو الوسيلة. وقد وجد بعض المتابعين في شارية صورة المرشح الذي يغامر بفتح ملفات حساسة، بينما رأى آخرون في موقف الطوب دفاعاً عن خطاب انتخابي تقليدي لم يعد قادراً على احتواء سرعة انتشار الأخبار عبر وسائل التواصل.
لقد نفع الطوب شارية، إذن، من حيث أراد محاصرته. جعل من تصريحاته مادة للنقاش، ومن شخصه عنواناً انتخابياً، ومن حضوره الرقمي عاملاً مؤثراً في تشكيل الانطباعات. وفي زمن أصبحت فيه الشعبية تُقاس أيضاً بحجم التفاعل والانتشار، فإن الخصومة العلنية قد تتحول إلى حملة مجانية لفائدة الخصم.
حزب الاستقلال أمام اختبار مختلف
لا ينبغي اختزال القضية في شخص منصف الطوب وحده، لأن أي تراجع في صورته الانتخابية قد ينعكس، ولو جزئياً، على صورة حزب الاستقلال في الدائرة. فالحزب يدخل المنافسة برصيد تاريخي وتنظيمي معروف، لكن الرصيد التاريخي لا يكفي دائماً في مواجهة ناخب جديد يتابع المرشحين عبر الفيديوهات المباشرة والتعليقات السريعة والمقاطع القصيرة.
لقد أظهرت هذه الواقعة أن الناخب التطواني لا يريد فقط مرشحاً يكرر الشعارات أو يستعرض الحضور التنظيمي، بل يريد أيضاً خطاباً مقنعاً، وردوداً مسؤولة، ووضوحاً في التعامل مع القضايا التي تثير الرأي العام. وكلما ابتعد المرشح عن صلب الموضوع، وهاجم خصمه بدل الإجابة عن الأسئلة المطروحة، زادت الشكوك واتسعت مساحة التأويل.
ومن هذه الزاوية، فإن شارية لم يربح بالضرورة أصواتاً انتخابية مؤكدة، لكنه ربح شيئاً بالغ الأهمية: الحضور، والفضول، والتعاطف، والقدرة على فرض اسمه في معادلة كانت تبدو محكومة بأسماء حزبية أكثر رسوخاً.
السياسة حين تتحول إلى معركة انطباعات
تؤكد واقعة تطوان أن الانتخابات الحديثة لا تدور فقط حول البرامج، بل حول الانطباعات أيضاً. وقد يكون المرشح صاحب البرنامج الأفضل عاجزاً عن إقناع الناس إذا أخفق في إدارة لحظة إعلامية، بينما يستطيع مرشح آخر، بعبارة أو تسجيل أو موقف مثير، أن يتحول إلى حديث المدينة.
وهذا لا يعني أن الإثارة بديل عن العمل السياسي، ولا أن الانتشار الرقمي يساوي بالضرورة الشعبية الانتخابية. لكنه يعني أن المرشح الذي يستهين بقوة التواصل الاجتماعي، أو يهاجم خصمه دون تقدير لردود الفعل، قد يجد نفسه وقد منح منافسه ما لم يكن يملكه: منصة واسعة، وتعاطفاً متزايداً، واهتماماً يتجاوز حدود حملته الأصلية.
لقد أراد منصف الطوب، على ما يبدو، أن يقلل من قيمة تصريحات إسحاق شارية وأن يعيد النقاش إلى البرامج. غير أن النتيجة العملية كانت مختلفة: صار شارية أكثرv حضوراً، وصارت تصريحاته أكثر تداولاً، وتحول التعاطف معه إلى عنصر لا يمكن تجاهله في المشهد الانتخابي بتطوان.
ومهما يكن مآل القضية أمام الجهات المختصة، فإن الدرس السياسي واضح: في زمن الإعلام الرقمي، قد لا يخسر المرشح بسبب خصمه، بل بسبب الطريقة التي يختار بها الرد عليه.

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...