مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
هناك مدن تهدم ذاكرتها بالجرافات، ومدن أخرى تتركها تموت ببطء. والقنيطرة، في السنوات الأخيرة، تبدو وكأنها اختارت الطريق الثاني. ليس لأن المدينة تفتقر إلى التاريخ، ولا لأنها لم تنجب أجيالا من الفنانين والمثقفين، ولا لأن ذاكرتها الثقافية فقيرة. العكس تماما. المشكلة أن جزءا من هذه الذاكرة ظل، لسنوات، يتآكل أمام أعين الجميع، بينما تتكاثر الأسئلة حول من يفترض أن يحميه، ومن يملك القرار، ومن يتحمل مسؤولية أن تتحول معالم ثقافية إلى أطلال صامتة. سينما بلاص واحدة من أكثر هذه الأسئلة إلحاحا.
في شارع محمد الخامس، تقف هذه المعلمة التي حملت لسنوات اسم «Palace de Cinéma et Théâtre»، شاهدة على زمن كانت فيه القنيطرة مدينة تذهب إلى السينما والمسرح، وتلتقي حول الفن والثقافة، قبل أن تتحول القاعات التاريخية إلى مجرد أسماء في ذاكرة من عاشوا ذلك الزمن.
نحو 700 مقعد كانت تتسع لها القاعة، ولم تكن الشاشة وحدها هي التي تصنع وظيفتها. كان المسرح أيضا جزءا من هويتها، واستقبلت عروضا لفنانين من بينهم محمد الجم ونزهة الركراكي ثريا جبران محمد السنوسي والحسين بنياز، وسياسيين مثل عبد الرحيم بوعبيد محمد اليازغي والسوسيلوجي محمد جسوس وآخرون كما احتضنت عروضاً للأطفال والجمهور العام.
لكن المفارقة الأكثر قسوة ليست في أن سينما بلاص أغلقت أبوابها. المفارقة أن المكان مصنف ضمن التراث الوطني المغربي، وتظهر المعطيات المتاحة إدراجه ضمن المباني المسجلة سنة 2006 بموجب القرار 2067.06. وهنا ينتهي زمن الحنين ويبدأ زمن السؤال.
ما معنى أن يكون مبنى مصنفا ضمن التراث الوطني، ثم يظل مهددا بالتدهور والاندثار؟ ما قيمة قرار التصنيف إذا لم يتحول إلى حماية فعلية؟ وما جدوى الاعتراف بالقيمة التاريخية والمعمارية للمكان إذا كانت تلك القيمة لا تجد ترجمتها في برنامج واضح للحفاظ عليه وتأهيله وإعادة إدماجه في الحياة الثقافية للمدينة؟ هذه ليست أسئلة عاطفية. إنها أسئلة مؤسساتية، لأن حماية التراث لا يمكن أن تكون مجرد عنوان جميل في وثيقة رسمية، ولا رقما في قرار إداري، ولا فقرة في سجل للمباني المصنفة. التراث إما أن تكون له حماية حقيقية، أو أن التصنيف يصبح مجرد شهادة وفاة مؤجلة. والقنيطرة تعرف جيدا كيف تضيع الأشياء.
فانتازيو، رياض، تاناغرا، أطلس… أسماء كانت ذات يوم جزءا من خريطة المدينة الثقافية. اليوم، لم يبق منها في الذاكرة الجماعية إلا ما يكفي لإثارة سؤال مؤلم: كيف استطاعت مدينة أن تفقد هذا العدد من فضاءاتها السينمائية من دون أن تطرح بجدية سؤال ما الذي تريد أن تبقيه من ذاكرتها؟ ثم جاء الدور على سينما بلاص.
وإذا لم ننتبه، فقد لا يبقى منها بعد سنوات سوى صور قديمة ومنشورات حنين على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث: ألا يهدمه أحد، وإنما يتركه يموت وحده. المشكلة إذن ليست في الماضي. المشكلة في الحاضر.
القنيطرة اليوم تحتاج إلى أن تخرج من ثقافة التعامل مع التراث باعتباره عبئا عقاريا أو بناية قديمة، إلى النظر إليه باعتباره رأسمالا ثقافيا يمكن أن يعيد للمدينة جزءا من شخصيتها.
سينما بلاص، لو أعيد تأهيلها، يمكن أن تكون أكثر من قاعة سينما. يمكن أن تصبح مسرحا، وفضاء للعروض، ومكانا للقاءات الثقافية، وفضاء للأطفال والشباب، ومركزا لذاكرة السينما والمسرح بالمدينة، وربما نقطة جذب ثقافية تعيد وصل القنيطرة بتاريخها الفني. لكن ذلك يحتاج إلى إرادة. والإرادة تبدأ من شيء بسيط: فتح الملف.
من يملك المعطيات الكاملة عن الوضعية القانونية والعقارية للمبنى؟ ما الذي قامت به الجهات المختصة منذ تصنيفه؟ ما هي الإجراءات التي اتخذت لحمايته؟ هل توجد دراسة لإعادة تأهيله؟ هل هناك تصور لإعادة توظيفه؟ ومن يملك القرار في كل ذلك؟
هذه الأسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، ولا تفترض مسبقا وجود تقصير من جهة محددة.لكنها أسئلة مشروعة لأن الصمت، في ملفات التراث، لا يحمي أحدا. والأكثر إلحاحا أن يتم الانتقال من منطق «من المسؤول؟» إلى منطق «ماذا سنفعل الآن؟»
فالقنيطرة لا تحتاج إلى جنازة ثقافية جديدة. ولا تحتاج إلى مسؤولين يكتفون بالحديث عن أهمية التراث في المناسبات الرسمية، ثم يتركون المعالم التاريخية تواجه الزمن وحدها. تحتاج إلى مشروع. مشروع واضح، بجدول زمني، وبتمويل، وبشراكات، وبمسؤوليات محددة. تحتاج إلى أن تجتمع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والسلطات الترابية، والجماعة، والفاعلون الاقتصاديون، والفنانون، والمثقفون، والمجتمع المدني، حول طاولة واحدة، لا لإعادة إنتاج الخطابات نفسها، وإنما للإجابة عن سؤال واحد: كيف ننقذ سينما بلاص؟ لأن إنقاذها لن يكون إنقاذا لحجارة ومقاعد وشرفة مسرح. سيكون إنقاذا لذاكرة مدينة. والمدينة التي تفقد ذاكرتها تدريجيا تفقد، في النهاية، قدرتها على تعريف نفسها.
قد يقول البعض إن الأولويات كثيرة، وإن القنيطرة تحتاج إلى مشاريع أخرى أكثر إلحاحا. لكن الثقافة ليست ترفا يؤجل دائما إلى «وقت أفضل». والمدن التي تنفق على حاضرها وتترك ذاكرتها تنهار، قد تكتشف بعد سنوات أنها بنت الكثير، لكنها فقدت شيئا لا يمكن إعادة بنائه بالمال وحده. لقد أغلقت قاعات كثيرة أبوابها. فلنترك سينما بلاص على الأقل خارج هذه القائمة.
ليس المطلوب أن نعيد الماضي كما كان. المطلوب أن نمنح الماضي فرصة لكي يكون جزءا من المستقبل. سينما بلاص ليست عقارا قديما ينتظر مصيره. إنها امتحان حقيقي لجدية المدينة في حماية ذاكرتها، ولامعنى أن نصنف التراث إذا كنا لا نعرف كيف نحميه.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر قسوة بسيطا جدا: إذا كانت سينما بلاص تراثا وطنيا، فمن المسؤول عن أن تصل إلى الأجيال المقبلة وهي ما تزال واقفة؟ لأن تركها تسقط بصمت لن يكون مجرد خسارة لبناية. سيكون إعلانا بأن مدينة القنيطرة بدأت تنسى نفسها.
