Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

العزوف السياسي في المغرب… من أزمة الثقة إلى تجديد العقد الديمقراطي

أضحى موضوع العزوف عن المشاركة السياسية والحزبية من أبرز الإشكالات التي تواجه الديمقراطيات المعاصرة، ولم يعد ظاهرة مرتبطة بمجتمع أو نظام سياسي بعينه، بل أصبح اتجاهاً عاماً تشهده العديد من الديمقراطيات، وإن اختلفت أسبابه ودرجاته وأشكاله من سياق إلى آخر. غير أن خصوصية الحالة المغربية تفرض التعامل مع الظاهرة ضمن سياقها السياسي والدستوري والمؤسساتي، وعدم اختزالها في مجرد تراجع المشاركة الانتخابية أو ضعف الانخراط في الأحزاب السياسية.
فالمشاركة السياسية تشكل أحد المقومات الأساسية للديمقراطية، باعتبارها الآلية التي ينتقل من خلالها المواطن من موقع المتلقي للسياسات العمومية إلى موقع المساهم في إنتاجها ومراقبتها وتقييمها. وتحتل الأحزاب السياسية، في هذا الإطار، موقعاً مركزياً باعتبارها مؤسسات للوساطة بين المجتمع والدولة، وآلية للتأطير السياسي والتعبير عن الإرادة الشعبية والمساهمة في ممارسة السلطة.
وقد أولى دستور المملكة المغربية لسنة 2011 أهمية بالغة للأحزاب السياسية والمشاركة المواطنة، حيث نص في الفصل السابع على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كما جعل تنظيمها وتمويلها ومبادئها ووظائفها موضوع قانون تنظيمي. ويتكامل هذا المقتضى مع الفصول الدستورية المتعلقة بالديمقراطية التمثيلية والمشاركة المواطنة والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن التطور الدستوري والمؤسساتي لا يلغي وجود مفارقة واضحة بين المكانة الدستورية التي تحظى بها الأحزاب السياسية من جهة، وتراجع جاذبية الممارسة الحزبية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ولاسيما الشباب، من جهة أخرى.
وتزداد أهمية هذه المفارقة حينما نميز بين العزوف عن السياسة والعزوف عن الأحزاب؛ إذ قد يكون المواطن، وخاصة الشاب، شديد الاهتمام بالقضايا العامة وبالسياسات العمومية وبالشأن الوطني، لكنه لا يجد في الأشكال الحزبية التقليدية قناة مناسبة للتعبير عن هذا الاهتمام وتحويله إلى مشاركة مؤسساتية.
ومن هنا، فإن العزوف لا يمكن تفسيره فقط باعتباره إحجاماً فردياً عن المشاركة، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره مؤشراً محتملاً على وجود أزمة في علاقة المواطن بالمؤسسات السياسية، وعلى رأسها الأحزاب، وعلى طبيعة الوساطة السياسية وآليات التمثيل والتأطير.
انطلاقاً من ذلك، تطرح ظاهرة العزوف السياسي والحزبي في المغرب إشكالية مركزية مفادها:
إلى أي حد يعكس العزوف السياسي والحزبي بالمغرب أزمةً في علاقة المواطن، ولاسيما الشباب، بالمؤسسات والوسائط السياسية، وما مدى قدرة الإطار الدستوري والقانوني الذي أرساه دستور 2011 على إعادة بناء الثقة وتقوية الأحزاب وتجديد المشاركة السياسية بما يؤسس لعقد ديمقراطي جديد؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة: هل العزوف ظاهرة انتخابية فقط أم أنه تعبير عن أزمة أعمق للثقة؟ وما مسؤولية الأحزاب والفاعلين السياسيين في إنتاج هذه الأزمة أو تجاوزها؟ وهل تكفي الإصلاحات القانونية والدستورية لمعالجة الظاهرة؟ وما هي حدود التمييز بين العزوف عن السياسة والعزوف عن الممارسة الحزبية؟ وكيف يمكن الانتقال من مجرد الدعوة إلى مشاركة الشباب إلى إعادة بناء شروط جاذبية المشاركة السياسية؟
المحور الأول: العزوف السياسي والحزبي بين التحول الدولي وخصوصية السياق المغربي
أولاً: العزوف السياسي كظاهرة تتجاوز الحدود الوطنية
لم يعد العزوف السياسي ظاهرة مغربية أو مرتبطة حصراً بالدول التي تعرف تحولات ديمقراطية، وإنما أصبح موضوعاً مركزياً في أدبيات العلوم السياسية المقارنة. فقد شهدت العديد من الديمقراطيات تراجعاً في مستويات المشاركة الانتخابية، وتراجعاً في العضوية الحزبية، وضعفاً في الثقة بالمؤسسات والفاعلين السياسيين.
ويرتبط هذا التحول بمجموعة من العوامل، من بينها تغير أنماط المشاركة السياسية، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع قدرة الأحزاب التقليدية على احتكار عملية إنتاج الخطاب السياسي، فضلاً عن تنامي الفردانية وتغير علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات.
وعليه، فإن وضع ظاهرة العزوف المغربي في سياقها الدولي يمنع الوقوع في تفسير اختزالي يعتبرها دليلاً حصرياً على فشل التجربة السياسية الوطنية.
غير أن الطابع الدولي للظاهرة لا يعني غياب المسؤولية الوطنية في تفسيرها. فلكل نظام سياسي خصوصياته التاريخية والمؤسساتية، والعزوف في المغرب يتفاعل مع تطور التجربة الحزبية، وطبيعة التمثيل السياسي، ومستوى الثقة في المؤسسات، وطبيعة الخطاب السياسي والإعلامي.
ثانياً: من العزوف عن السياسة إلى العزوف عن الممارسة الحزبية
يكتسي التمييز بين العزوف السياسي والعزوف الحزبي أهمية بالغة في فهم الحالة المغربية.
فالعزوف عن السياسة يفترض وجود ابتعاد عام عن القضايا العامة والمشاركة في الشأن العام، بينما قد يعني العزوف الحزبي رفض الانخراط في التنظيمات الحزبية التقليدية مع استمرار الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية.
وهذا التمييز مهم خصوصاً بالنسبة للشباب المغربي، الذي لا يمكن افتراض أنه غير مهتم بالشأن العام لمجرد ضعف انخراطه في الأحزاب. فالشباب قد يعبر عن مواقفه السياسية من خلال المجتمع المدني، أو الحركات الاجتماعية، أو الفضاء الرقمي، أو النقاشات العمومية، دون أن يتحول هذا الاهتمام إلى عضوية حزبية أو مشاركة انتخابية منتظمة.
ومن منظور علم السياسة، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بغياب المشاركة، وإنما بــتحول أنماط المشاركة. وهو تحول يفرض على الأحزاب السياسية إعادة التفكير في وظائفها التقليدية وفي قدرتها على استيعاب أشكال المشاركة الجديدة.
المحور الثاني: أزمة الثقة ومسؤولية الفاعلين السياسيين في ضوء دستور 2011
أولاً: أزمة الثقة وأثرها على الشرعية التمثيلية
تشكل الثقة السياسية أحد العناصر الأساسية لاستقرار الأنظمة الديمقراطية. فالديمقراطية لا تقوم فقط على وجود انتخابات ومؤسسات، وإنما تحتاج أيضاً إلى اقتناع المواطنين بجدوى المشاركة وبقدرة المؤسسات على تمثيل مصالحهم والاستجابة لتطلعاتهم.
ومن هذه الزاوية، فإن العزوف قد يكون تعبيراً عن فجوة ثقة بين المواطن والفاعل السياسي.
وتتداخل في إنتاج هذه الفجوة عوامل متعددة، منها صورة الأحزاب السياسية، ودرجة ارتباط الخطاب السياسي بالمشكلات اليومية للمواطنين، ومدى تجدد النخب، وفعالية العمل البرلماني والحزبي، فضلاً عن التقييم الشعبي لأداء المؤسسات المنتخبة.
كما أن مسؤولية معالجة أزمة الثقة لا يمكن أن تُلقى حصراً على المعارضة أو الأغلبية؛ لأن العلاقة بين المواطن والسياسة تُنتجها مجمل مكونات الحقل السياسي والمؤسساتي.
فالأغلبية تتحمل مسؤولية الحكم وتنفيذ البرامج والسياسات العمومية، بينما تضطلع المعارضة بوظيفة المراقبة والاقتراح والتعبئة السياسية. وفي الحالتين، فإن صورة العمل السياسي لدى المواطن تتشكل من مجموع هذه الممارسات.
ثانياً: الإعلام وتبخيس الفاعل السياسي وإشكالية الشرعية
تتأثر صورة السياسة أيضاً بالخطاب الإعلامي وطريقة تقديم الفاعلين السياسيين والمؤسسات الحزبية للرأي العام.
ولا يعني ذلك إعفاء الأحزاب من مسؤولياتها، أو تحميل الإعلام مسؤولية أزمة الثقة، وإنما يقتضي الاعتراف بأن العلاقة بين الإعلام والسياسة يمكن أن تؤثر في تشكيل التصورات الاجتماعية حول المؤسسات والفاعلين.
إن اختزال النقاش السياسي في الصراع الشخصي، أو تقديم العمل الحزبي بصورة سلبية بشكل دائم، أو تحويل الفاعل السياسي إلى موضوع للسخرية والتجريح، يمكن أن يساهم في تعميق المسافة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
وفي المقابل، فإن استعادة الثقة لا يمكن أن تتحقق عبر تحسين الصورة الإعلامية فقط، بل عبر تحسين الممارسة السياسية ذاتها، لأن الشرعية في الديمقراطية المعاصرة لا تُبنى على الخطاب وحده وإنما على الأداء والنتائج والمصداقية.
المحور الثالث: المكانة الدستورية والقانونية للأحزاب السياسية وإشكالية تجديد الوساطة
أولاً: الأحزاب السياسية في دستور 2011
أعاد دستور 2011 تأكيد الدور المحوري للأحزاب السياسية داخل النظام الدستوري المغربي.
فالفصل السابع يمنح الأحزاب وظيفة دستورية تتمثل في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كما يحدد مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تحكم تنظيمها وعملها.
ويكشف ذلك عن تصور دستوري للحزب السياسي باعتباره مؤسسة للوساطة والتأطير والمشاركة، وليس مجرد أداة انتخابية للوصول إلى السلطة.
كما أن الفصل الأول من الدستور يؤكد أن نظام الحكم بالمغرب يقوم على الملكية الدستورية والديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، وعلى أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يجعل الأحزاب السياسية جزءاً من البنية التي تقوم عليها الديمقراطية التمثيلية.
ويتعزز هذا التوجه من خلال المقتضيات الدستورية المرتبطة بالمشاركة المواطنة، والانتخابات الحرة والنزيهة، ودور البرلمان، والحكامة الجيدة.
ومن ثم فإن ضعف الأحزاب لا يمثل مشكلة تنظيمية داخلية فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى إشكال يمس جودة الديمقراطية التمثيلية ذاتها.
ثانياً: قانون الأحزاب بين التأطير القانوني والممارسة السياسية
جاء القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية ليؤطر تأسيس الأحزاب وتنظيمها وعملها وتمويلها، وليحدد القواعد المرتبطة بالديمقراطية الداخلية والشفافية والتمثيلية.
غير أن الإشكال الأساسي لا يكمن فقط في وجود إطار قانوني ينظم الأحزاب، بل في مدى قدرة هذه المؤسسات على تحويل المبادئ الدستورية والقانونية إلى ممارسة سياسية فعلية.
فقد تكون القواعد القانونية متقدمة، بينما تبقى الممارسة الحزبية محدودة في قدرتها على تجديد النخب أو استقطاب الشباب أو خلق فضاءات فعلية للنقاش السياسي.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من مفهوم الإصلاح القانوني للأحزاب إلى مفهوم أوسع هو إعادة بناء الوظيفة الاجتماعية والسياسية للحزب.
فالحزب الذي يريد استعادة ثقة الشباب مطالب بأن يكون فضاءً للتكوين السياسي، وإنتاج الأفكار، وصناعة النخب، والتعبير عن المطالب الاجتماعية، والمساهمة في صياغة السياسات العمومية، وليس مجرد آلة انتخابية.
المحور الرابع: نحو عقد ديمقراطي جديد لتجديد النخب والخطاب والمشاركة السياسية
أولاً: تجديد النخب السياسية كمدخل لاستعادة الثقة
إن الدعوة إلى تجديد الخطاب السياسي تظل محدودة الأثر إذا لم تقترن بتجديد النخب وأساليب اشتغال المؤسسات الحزبية.
فتجديد النخب لا يعني بالضرورة استبدال جيل بجيل، وإنما يعني فتح المؤسسات أمام الكفاءات الجديدة، وتوسيع فرص المشاركة أمام الشباب والنساء، وربط تحمل المسؤولية السياسية بالكفاءة والقدرة على الإنجاز والمساءلة.
كما ينبغي أن يصبح الحزب فضاءً للحركية الداخلية، بحيث لا تتحول المواقع التنظيمية والانتخابية إلى مواقع مغلقة أمام الأجيال الجديدة.
ومن منظور العلوم السياسية، فإن تجديد النخب هو جزء من عملية إعادة إنتاج الشرعية السياسية؛ إذ يصعب إقناع الأجيال الجديدة بالمشاركة في مؤسسات لا ترى نفسها ممثلة فيها.
ثانياً: تجديد الخطاب السياسي دون وصاية على المجتمع
إن تجديد الخطاب السياسي لا يعني فرض نموذج موحد على المواطنين أو محاولة تحديد الطريقة التي ينبغي للشباب أن يمارس بها السياسة.
فالمطلوب هو أن تصبح الأحزاب أكثر قدرة على الإنصات والتفاعل والإقناع، وأن تنتقل من الخطاب التعبوي التقليدي إلى خطاب يقوم على البرامج والأفكار والحلول القابلة للتقييم.
كما ينبغي الاعتراف بتعدد أشكال المشاركة السياسية الحديثة. فالشاب الذي يشارك في نقاش عمومي عبر الفضاء الرقمي، أو ينخرط في مبادرة مدنية، أو يدافع عن قضية اجتماعية، لا ينبغي اعتباره بالضرورة بعيداً عن السياسة.
المطلوب هو بناء جسور بين هذه الأشكال الجديدة من المشاركة وبين المؤسسات الديمقراطية، بدل اعتبارها منافساً لها.
ثالثاً: العقد الديمقراطي الجديد كأفق لإعادة بناء الثقة
إن مفهوم العقد الديمقراطي الجديد يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، شريطة ألا يبقى مجرد شعار سياسي.
ويمكن أن يقوم هذا العقد على مجموعة من المرتكزات، في مقدمتها:
تقوية الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات دستورية للوساطة والتأطير.
تجديد النخب الحزبية وفتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجديدة.
تطوير الديمقراطية الداخلية للأحزاب.
رفع جودة الخطاب السياسي وربطه بالبرامج والنتائج.
تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تطوير أشكال المشاركة المواطنة بما ينسجم مع روح دستور 2011.
إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
الانتقال من التعامل مع الشباب باعتباره كتلة انتخابية إلى اعتباره شريكاً في إنتاج القرار السياسي.
إن جوهر هذا العقد هو إعادة الاعتبار إلى السياسة باعتبارها مجالاً للمشاركة والتأثير وصناعة المستقبل، وليس مجرد مجال للتنافس الانتخابي.
وختاما تكشف ظاهرة العزوف السياسي والحزبي في المغرب عن إشكالية تتجاوز مجرد انخفاض المشاركة الانتخابية أو تراجع الانخراط في الأحزاب؛ فهي تعكس، في أحد أبعادها الأساسية، أزمة في علاقة المواطن بالمؤسسات والوسائط السياسية، وفي مقدمتها الأحزاب.
غير أن تفسير هذه الظاهرة ينبغي أن يكون متوازناً. فالعزوف ظاهرة دولية لها أسباب مرتبطة بتحولات المجتمعات الديمقراطية وأنماط المشاركة الحديثة، لكنها في السياق المغربي تتقاطع أيضاً مع تاريخ الممارسة الحزبية، وتطور المؤسسات، وصورة الفاعل السياسي، ومستوى الثقة في العملية التمثيلية.
ومن هنا، لا يمكن اختزال المسؤولية في المعارضة وحدها أو في الأغلبية وحدها، كما لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية العزوف بمعزل عن البيئة السياسية والمؤسساتية التي يتحرك داخلها. فاستعادة المشاركة هي مسؤولية مشتركة للفاعلين السياسيين والمؤسسات والمجتمع، مع احترام الأدوار الدستورية المختلفة لكل طرف.
ويكشف دستور 2011 عن أساس دستوري متقدم يجعل من الأحزاب السياسية مؤسسات مركزية في التأطير والمشاركة والحياة الوطنية. كما يوفر القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية إطاراً قانونياً لتنظيم هذه المؤسسات. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من النص الدستوري والقانوني إلى الممارسة السياسية الفعلية.
فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالقواعد القانونية، وإنما تحتاج إلى أحزاب قوية وذات مصداقية، ونخب متجددة، وخطاب سياسي قادر على الإقناع، ومؤسسات تستجيب لتطلعات المواطنين.
ولذلك، فإن السؤال المركزي اليوم ليس فقط: لماذا يعزف المواطن المغربي عن المشاركة؟ وإنما أيضاً: ماذا فعلت المؤسسات والأحزاب والفاعلون السياسيون حتى تصبح المشاركة السياسية جذابة وذات معنى؟
إن الشباب المغربي، وفق هذا المنظور، لا ينبغي النظر إليه باعتباره جيلاً عازفاً عن السياسة بقدر ما ينبغي فهمه باعتباره جيلاً يبحث عن سياسة مختلفة، ووساطة سياسية أكثر انفتاحاً، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستماع والتأثير والاستجابة.
ومن ثم، فإن تجاوز أزمة العزوف يمر عبر إعادة بناء الثقة، وتقوية الأحزاب، وتجديد النخب والخطاب، وتطوير آليات المشاركة، بما يجعل من “العقد الديمقراطي الجديد” مشروعاً مؤسساتياً ومجتمعياً لإعادة وصل المواطن بالسياسة.
وبذلك يصبح تجديد الديمقراطية المغربية، في ضوء دستور 2011، ليس مجرد مسألة إصلاح تقني للقواعد الانتخابية أو الحزبية، وإنما مشروعاً لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة والفاعل السياسي، وترسيخ ديمقراطية قادرة على تحويل المشاركة من واجب انتخابي موسمي إلى ممارسة مواطنة مستدامة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...