مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“حيث توجد السلطة، توجد المقاومة.”و “أخطر الأسئلة ليست تلك التي تبحث عن جواب، بل تلك التي تجعل السلطة مضطرة إلى تبرير نفسها.”
ليست المسألة في الفلسفة أن نعرف ماذا قال سارتر، وماذا كتب فوكو، ثم نضع أفكارهما في ميزان المقارنة. المسألة الأعمق هي أن نكتشف لماذا ما زال السؤال الذي شغلهما معا يطارد الإنسان إلى اليوم: هل نحن أحرار فعلا، أم أننا نتحرك داخل حدود رسمها لنا الآخرون قبل أن نعي حتى أنها موجودة؟
من هنا يبدأ الفرق بين جان بول سارتر وميشيل فوكو، ومن هنا أيضا تبدأ واحدة من أكثر المواجهات الفكرية إثارة حول الإنسان والسلطة والحرية.
سارتر، الخارج من أتون الحرب والاحتلال والمقاومة، لم يكن مستعدا لأن يمنح الإنسان رفاهية الاختباء خلف الظروف. كان يؤمن بأن الإنسان لا يولد حاملا ماهية مكتملة، وإنما يصنع ذاته عبر أفعاله واختياراته. ولذلك أصبحت عبارته الشهيرة: “الوجود يسبق الماهية” أكثر من مجرد مفهوم فلسفي؛ لقد كانت إعلانا عن مسؤولية الإنسان تجاه نفسه.
ليس ما يحدث لك هو كل الحكاية، يقول سارتر بصورة أو بأخرى، بل ما تفعله بما يحدث لك.
قد لا تختار الحرب، ولا الفقر، ولا القهر، ولا المكان الذي ولدت فيه، ولا السلطة التي وجدت نفسك تحت سقفها، لكنك تظل مطالبا بأن تتخذ موقفا. ولذلك كان الإنسان عند سارتر “محكوماً عليه بالحرية”؛ وهي مفارقة تبدو قاسية بقدر ما تبدو نبيلة: الحرية ليست دائما امتيازا، بل قد تكون عبئا، لأنك لا تستطيع أن تلقي مسؤولية وجودك بالكامل على الآخرين.
لكن فوكو يدخل إلى هذا المشهد من باب آخر.
لا يسأل: ماذا ستفعل وأنت حر؟
بل يسأل قبل ذلك: من الذي علمك ما تعتقد أنك اخترته بحرية؟
هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا.
فوكو لم يكن مهتما بالسلطة بوصفها قصرا للحاكم أو مكتبا للوزير أو بندقية في يد شرطي فقط. السلطة، في نظره، أكثر ذكاء من ذلك وأقل ظهورا. إنها تتسلل إلى المؤسسات، إلى المدرسة، إلى المستشفى، إلى السجن، إلى الجامعة، إلى مكان العمل، وإلى اللغة التي نصف بها أنفسنا والآخرين.
وقد تكون أخطر سلطة هي تلك التي لا تحتاج إلى أن تقول لك: “افعل”.
يكفي أن تجعلك تعرف ما الذي سيحدث إن لم تفعل.
في المدرسة، مثلا، لا يحتاج المدرس إلى الوقوف خلف كل تلميذ طوال اليوم. يكفي أن يعرف التلميذ أن هناك امتحانا، ونقطة، وترتيبا، وقاعدة، وعقوبة، ومكافأة. شيئا فشيئا يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي، ويبدأ الإنسان في مراقبة نفسه بنفسه.
وهنا تكمن عبقرية فوكو: السلطة لا تكون دائما في أن يراقبك أحد، بل في أن تتعلم أنت كيف تراقب نفسك.
لقد كانت تلك الفكرة جزءا من قراءته التاريخية للتحول الذي عرفته المجتمعات الحديثة في علاقتها بالعقاب والانضباط. ففي كتابه “المراقبة والعقاب” لم يكن فوكو يروي تاريخ السجون فقط، بل كان يحاول أن يكشف كيف انتقلت السلطة من استعراض العقاب على الأجساد في الساحات العامة إلى أشكال أكثر هدوءا ودقة من المراقبة والانضباط.
لقد اختفى الجلاد من المشهد تقريبا، لكن شيئا أكثر تعقيدا حل مكانه: النظام الذي يجعل الإنسان قابلا للمراقبة حتى عندما لا يرى الرقيب.
وهنا يصبح التاريخ أكثر من مجرد سجل للماضي. إنه مختبر لفهم الحاضر.
ما نعتبره اليوم “طبيعيا” لم يكن دائما طبيعيا. وما نراه بديهيا في علاقتنا بالجريمة، والمرض، والجنون، والعقوبة، والتعليم، والأخلاق، لم ينزل من السماء جاهزا، بل تشكل عبر صراعات طويلة بين المعرفة والمؤسسات والمصالح والقوانين.
فوكو كان يريد أن يقول لنا، بصورة أو بأخرى: انتبهوا إلى الأشياء التي تبدو لكم بديهية أكثر من اللازم.
فغالبا ما تخفي البديهيات تاريخا طويلا من السلطة.
وهنا يبدو سارتر وفوكو كأنهما يقفان أمام الإنسان من جهتين متقابلتين.
سارتر يقول له: لا تهرب من مسؤوليتك. أنت تختار، وموقفك جزء من وجودك.
وفوكو يقترب منه أكثر ويسأله: لكن قبل أن تحتفل باختيارك، حاول أن تعرف من أين جاءت اللغة التي تصف بها اختيارك، ومن وضع القواعد التي جعلت هذا الاختيار ممكنا أو مستحيلا.
الأول يدافع عن الإنسان في مواجهة ذريعة الظروف.
والثاني يحذر الإنسان من أن يظن أن الظروف مجرد خلفية محايدة.
وبينهما تتشكل منطقة فلسفية شديدة الأهمية: منطقة الحرية التي لا توجد خارج التاريخ، والمقاومة التي لا تولد في الفراغ.
فوكو لم يكن يرى الإنسان دمية تحركها السلطة بخيوط غير مرئية. ولو كان الأمر كذلك لانتهى السؤال قبل أن يبدأ. الإنسان يستطيع أن يقاوم، لكنه يقاوم من داخل شبكة من العلاقات والمعارف والمؤسسات واللغات والقيم التي سبقته إلى العالم.
ولذلك كان التاريخ عند فوكو سلاحا ضد وهم الخلود.
إن ما صنعه البشر يمكن أن يتغير.
وما يبدو اليوم قدرا محتوما قد يكون مجرد ترتيب تاريخي اكتسب مع الزمن هيئة الحقيقة.
وهذه الفكرة بالذات تجعل فوكو شديد الصلة بالسياسة، حتى عندما لا يتحدث عن السياسة بالمعنى التقليدي.
فالسلطة لا تحتاج دائما إلى منعك من الكلام؛ أحيانا يكفي أن تحدد لك ما الذي يستحق الكلام أصلا.
ولا تحتاج دائما إلى أن تسجن جسدك؛ قد يكفي أن تجعلك تخشى أن تخرج عن الصورة التي رسمها المجتمع للإنسان “المقبول”.
ولا تحتاج دائما إلى إصدار الأوامر؛ فقد تجعل الناس يتنافسون فيما بينهم على إثبات أنهم الأكثر التزاما بالقواعد.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المسائل حساسية في زمننا: هل الإنسان الذي يطيع القانون حرا لأنه اختار الطاعة، أم أن عليه أيضا أن يسأل كيف صيغ القانون، ومن يخدم، ومن يملك حق تعريف ما هو مشروع وما هو ممنوع؟
السؤال لا يعني الدعوة إلى الفوضى. على العكس تماما. إنه يعني أن الديمقراطية لا تبدأ فقط من صناديق الاقتراع، بل من القدرة على مساءلة القواعد التي تنظم حياتنا.
وهنا أيضا يلتقي الفيلسوفان، رغم اختلاف الطريق.
سارتر منح الإنسان شرف المسؤولية.
وفوكو منحه حق الشك.
الأول يقول له: لا تجعل السلطة عذرا لعجزك عن الاختيار.
والثاني يقول له: لا تجعل الحرية شعارا ساذجا وأنت تجهل الآليات التي صنعت المجال الذي تتحرك داخله.
في السياسة، قد يكون هذا الفرق أكثر أهمية مما يبدو.
فالسلطة الحديثة لا تحكم فقط بالقوة. إنها تحكم أيضا بالمعرفة، وبالتصنيف، وبالقانون، وبالمؤسسات، وبالخطاب، وبقدرتها على تعريف ما هو عادي وما هو استثناء، وما هو مقبول وما هو مرفوض.
ولهذا فإن أخطر سلطة ليست بالضرورة تلك التي تصرخ في وجهك، وإنما تلك التي تنجح في إقناعك بأن ما تفعله أنت نابع منك وحدك، وأن الخيارات الأخرى لم تكن موجودة أصلا.
لكن الإنسان، وهنا ربما تكمن المساحة التي لا ينبغي أن نستسلم بشأنها لفوكو، لا يعيش فقط داخل ما صنع له.
إنه قادر أيضا على إعادة صنع نفسه.
وهذه هي المسافة التي يظل سارتر حاضرا فيها.
لقد ارتبط سارتر بالالتزام السياسي لأنه كان يرى أن الصمت نفسه قد يتحول إلى موقف، وأن عدم الاختيار قد يكون اختيارا من نوع آخر. لم يكن يريد إنسانا يكتفي بفهم العالم، بل إنسانا يضع جسده واسمه وموقفه في مواجهة ما يراه ظلما.
ومن هنا تبدو الحرية عند سارتر فعلا سياسيا، بينما تبدو عند فوكو معركة يومية مع الآليات التي تصنع الطاعة.
الأول يسأل: ماذا ستفعل بحياتك؟
والثاني يسأل: من صنع العالم الذي ستختار داخله؟
وربما نحن في حاجة إلى السؤالين معا.
فليس كافيا أن نقول للإنسان: أنت حر.
علينا أن نسأله أيضا: هل كانت أمامك خيارات حقيقية؟
وليس كافيا أن نقول له: السلطة تؤثر فيك.
علينا أن نسأله أيضاً: هل ستستسلم لها أم ستقاومها؟
بين سارتر وفوكو لا ينبغي أن نختار أحدهما ونقصي الآخر. فالحياة السياسية والاجتماعية أكثر تعقيدا من أن تختصرها فلسفة واحدة.
نحن أبناء اختياراتنا، نعم.
لكننا أيضا أبناء تاريخنا.
نحن مسؤولون عن مواقفنا، لكن مواقفنا لا تولد في أرض محايدة.
نحن نختار، لكننا نختار داخل لغة تعلمناها، وقوانين ورثناها، ومؤسسات تحيط بنا، وقيم تشكل وعينا منذ الطفولة.
وهنا تصبح الحرية الحقيقية ليست مجرد القدرة على الاختيار، وإنما القدرة على معرفة ما الذي يؤثر في اختيارنا قبل أن نختار.
ربما لهذا السبب لا يزال سارتر وفوكو حاضرين بعد عقود من رحيلهما.
لأن السلطة تغيرت أشكالها، لكن سؤال الحرية لم يتغير.
قد يتغير السجن، وتتغير أدوات المراقبة، وتتغير لغة السلطة، وتتطور التكنولوجيا، لكن الإنسان يظل واقفا أمام السؤال القديم نفسه: هل أنا الذي أصنع حياتي، أم أن حياتي تصنع لي ثم يطلب مني أن أسميها اختيارا؟
في زمن أصبحت فيه المراقبة أكثر نعومة، والمعرفة أكثر وفرة، والسلطة أكثر قدرة على الوصول إلى تفاصيل الإنسان، لم تعد معركة الحرية مجرد مواجهة مع شرطي أو حاكم أو مؤسسة.
إنها معركة مع ما استقر داخلنا حتى أصبح يبدو لنا وكأنه صوتنا الشخصي.
ولهذا ربما يكون أعظم فعل مقاومة اليوم هو أن نسأل.
أن نشك في البديهي.
أن نراجع ما قيل لنا إنه “طبيعي”.
أن نرفض أن تتحول القاعدة إلى قدر.
وأن ندرك، في الوقت نفسه، أن الشك وحده لا يكفي، وأن الحرية التي لا تتحول إلى فعل ليست سوى فكرة جميلة.
في النهاية، سارتر يضع المرآة أمام الإنسان ويقول له: أنت مسؤول عما تفعل.
وفوكو يضع المرآة خلف المرآة ويقول له: لكن انظر أيضا إلى الأشياء التي جعلتك ترى نفسك بهذه الطريقة.
وبين المرآتين يقف الإنسان.
حرا بما يكفي ليقاوم.
ومحاصرا بما يكفي ليفكر.
ومسؤولا بما يكفي ألا يجعل السلطة عذرا.
ومتيقظا بما يكفي ألا يصدق أن كل ما يسميه “اختيارا” كان اختياره منذ البداية.
تلك، في آخر الكلام، ليست حكاية سارتر وفوكو فقط؛ إنها حكايتنا نحن مع السلطة، ومع الحرية، ومع أنفسنا.
