Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

التواصل السياسي في المغرب: من رهان الدستور إلى تحديات الخطاب والتسويق

مقدمة

تعرف المجتمعات المعاصرة تحولا عميقا في العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن، حيث لم يعد التواصل السياسي مجرد عملية إبلاغ بالقرارات، بل أصبح الآلية المركزية لبناء الشرعية والحفاظ على الاستقرار. وفي ظل “مجتمعات الإعلام في زمن العولمة”، أصبحت *الثقة* هي العملة الأساسية التي يتم بها تداول الخطاب السياسي.

ويحتل المغرب موقعا خاصا في هذا السياق. فمنذ دستور 2011 الذي كرس مجموعة من الحقوق والحريات، ومنح مكانة للديمقراطية التشاركية كنموذج ديمقراطي يهدف إلى إشراك المواطنين بشكل مباشر وفعال في صنع القرار العمومي، إلى جانب المؤسسات التمثيلية.

*إشكالية المقال*:
هل ساهمت هذه الترسانة القانونية في تمتين العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن؟ أم على العكس من ذلك؟
وهل أثرت شبكات التواصل الاجتماعي في خلق فجوة بينهما أم شكلت جسرا لإعادة بناء الثقة؟

*المحور الأول: التواصل السياسي في الزمن الرقمي*

تعرف العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن اليوم تحولا عميقا. فلم يعد التواصل السياسي مجرد “بلاغ” أو “خطاب رسمي”. في زمن العولمة و”مجتمعات الإعلام”، أصبح التواصل هو نفسه معركة الشرعية. والعملة المتداولة في هذه المعركة اسمها: *الثقة*.

وقد جاء دستور 2011 بنموذج “الديمقراطية التشاركية” وأعطى للمواطن حق تقديم العرائض، والملتمسات، والمشاركة في إعداد السياسات العمومية عبر الفصول 12 إلى 15.¹
وكان الرهان واضحا: إعادة المواطن إلى قلب القرار، وبالتالي إعادة بناء الثقة التي تآكلت لسنوات.

وفي المقابل، فتحت شبكات التواصل الاجتماعي فضاء لم نعرفه من قبل. في انتخابات 2021 لم تعد الحملة في القاعات، بل في التيك توك والفايسبوك. ظهر “السياسي الجديد” الذي يخاطبك بالدارجة ويرد عليك في التعليقات.²

*المحور الثاني: الأحزاب السياسية وأزمة الخطاب السياسي*

تعيش الأحزاب السياسية في المغرب أزمة خطاب عميقة انعكست سلبا على علاقتها بالمواطن وعلى منسوب الثقة في العمل السياسي. فبدل أن تكون الأحزاب مؤطرة للرأي العام ومنتجة لخطاب مقنع يحول المطالب الاجتماعية إلى برامج، تحولت إلى طرف ضعيف في معادلة التواصل السياسي.³

وتتجلى هذه الأزمة في عدة مظاهر: هيمنة “لغة الخشب” والعموميات البعيدة عن انشغالات المواطن اليومية، وتشابه الخطابات الحزبية مما يصعب على المواطن التمييز بين العروض السياسية، وغياب الاحتراف التواصلي داخل أغلب التنظيمات الحزبية. كما أن الخطاب لا يزال تقليديا في زمن يفرض فيه دستور 2011 وشبكات التواصل منطق “المشاركة والحوار”.

وتعود أسباب الأزمة إلى ضعف التأطير والتكوين، والمنافسة الشرسة من فاعلين جدد كالمؤثرين الرقميين الذين يقدمون خطابا أسرع وأقرب للشباب، وتراجع الثقة بسبب الفجوة بين الوعود والتنزيل.

وقد أدت هذه الأزمة إلى نتائج خطيرة أبرزها العزوف الانتخابي وهجرة الجمهور نحو مصادر إخبار بديلة.⁴

ويمكن تجاوز الأزمة عبر *ثلاثة مداخل*:
1. *المدخل الأول*: احتراف التواصل
2. *المدخل الثاني*: اعتماد لغة القرب والمصداقية
3. *المدخل الثالث*: تفعيل الرقمنة والتفاعل مع المواطن
ففي زمن الإعلام، من لا يحسن التواصل يفقد شرعيته.

*المحور الثالث: الانتخابات التشريعية وإشكالية التسويق السياسي*

أصبح التسويق السياسي في السنوات الأخيرة أداة مركزية في تدبير الانتخابات التشريعية بالمغرب. فلم تعد الحملة الانتخابية مقتصرة على المهرجانات والبرامج المكتوبة، بل تحولت إلى معركة “بيع” المرشح والحزب والمشروع للناخب عبر تقنيات مستوحاة من عالم المقاولات والإشهار.⁵

وتجلت إيجابيات هذا التحول في احتراف العمل الحزبي، وتقريب المرشح من المواطن عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستهداف شرائح انتخابية محددة بخطاب ولغة القرب. انتخابات 2021 وحملة 2026 الحالية كانت نموذجا لذلك حيث أصبحت التيك توك والفايسبوك واللايفات ساحة أساسية للتنافس.⁶

غير أن التسويق السياسي طرح إشكاليات عميقة. فقد كرس تغليب الشكل على المضمون، حيث أصبحت الصورة والفيديو القصير أهم من البرنامج السياسي. كما ساهم في تبسيط القضايا المعقدة وتأجيج العاطفة على حساب النقاش العقلاني. والأخطر هو الفجوة التي خلقها بين “المنتج المسوق” أثناء الحملة و “المنتج الحقي” بعد الانتخابات، مما عمق أزمة الثقة والعزوف.

ومع دستور 2011 وصعود شبكات التواصل، انتقلنا من “الحملة التقليدية” القائمة على المهرجانات والملصقات، إلى “الحملة التسويقية” القائمة على الصورة، الرسالة، والاستهداف.
والتسويق السياسي هو “مجموعة التقنيات التي تهدف إلى تكييف العرض السياسي للحزب مع توقعات السوق الانتخابي”.⁷

*على سبيل الختم*

الانتخابات التشريعية اليوم هي معركة تسويق قبل أن تكون معركة أفكار. لكن التحدي الحقي هو جعل التسويق السياسي أداة لترسيخ الديمقراطية وليس لتزييفها. والرهان هو الانتقال من “تسويق الوهم” إلى “تسويق الثقة”. فالناخب المغربي لم يعد يبحث عن “*أجمل إعلان*”، بل عن “*أصدق التزام*”.

بقلم: عبد الواحد بلقصري
*باحث في علم الاجتماع السياسي – جامعة ابن طفيل بالقنيطرة*

*المراجع والهوامش*
:
¹ المملكة المغربية، _دستور المملكة المغربية لسنة 2011_، الجريدة الرسمية، العدد 5964 مكرر، 30 يوليوز 2011. انظر الفصول 12، 13، 14، 15.
² محمد حبشي، _التواصل السياسي: النظريات والآليات والتطبيقات_، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2018، ص. 112
⁴ المجلس الوطني لحقوق الإنسان، _تقرير حول المشاركة السياسية والانتخابية بالمغرب_، الرباط: CNDH، 2021، ص. 45.
⁵ Philippe Maarek, _Marketing politique et communication: Les stratégies de campagne_, Paris: L.G.D.J, 2014, p. 23.
⁶ الهيئة الوطنية لمراقبة الانتخابات، _التقرير التركيبي حول الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية 8 شتنبر 2021_، الرباط: ANE، 2021.
⁷ Jürgen Habermas, _L’espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise_, Paris: Payot, 1993, p. 156.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...