مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
هناك فرق بين أن تدافع عن حكومة، وبين أن تعيد كتابة السنوات الخمس التي قضتها في السلطة باعتبارها رواية مكتملة عن النجاح.
تدوينة عمر الشرقاوي تفعل الأمرين معا.
فهي لا تكتفي بتقديم حصيلة رقمية لولاية حكومية، وإنما تذهب أبعد من ذلك: تمنح هذه الحصيلة معنى سياسيا وتاريخيا، وتضع حكومة عزيز أخنوش في موقع التجربة التي “سينصفها التاريخ”، بل وتؤسس لفكرة أن ما تعرضت له الحكومة كان في جوهره نتاج “الحقد والظلم والأعطاب النفسية والحسابات الكبرى وقليل من النقد المنصف”.
وهنا تحديدا تبدأ الحاجة إلى الحفر.
ليس لأن كل ما ورد في التدوينة خاطئ، بل لأن المشكلة في السياسة لا تكمن دائما في الكذب الصريح؛ أحيانا تكمن في الحقيقة المنتقاة حين ترتب بطريقة تنتج انطباعا أكبر من مجموع الوقائع التي تتضمنها.
وهذه هي المسافة بين كشف الحساب وبين الدعاية السياسية.
لنبدأ من الجملة المؤسسة في التدوينة: دعم حكومة أخنوش لأنها “أسقطت حزب الإسلام السياسي من السلطة بالانتخابات وقواعد اللعبة الديمقراطية”.
هذه العبارة تحتاج إلى تفكيك قبل أن تتحول إلى حقيقة بديهية.
صحيح أن انتخابات 8 شتنبر 2021 أفرزت تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد، مقابل 13 مقعدا لحزب العدالة والتنمية، بعد أن كان هذا الأخير يتوفر على 125 مقعدا في انتخابات 2016. وهذه واقعة انتخابية موثقة.
لكن تحويل الواقعة الانتخابية إلى قصة عن “إسقاط حزب الإسلام السياسي” ثم تقديمها باعتبارها “نموذجا عربيا فريدا” يحتاج إلى أكثر من مجرد إعلان النتائج.
لأن الانتخابات لم تخلق سنة 2021، وقواعد اللعبة لم تبدأ مع أخنوش، والدولة المغربية لم تكتشف في ذلك التاريخ فضيلة التداول الانتخابي.
بل إن دستور 2011 نفسه ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما ينص على التعددية والتداول الديمقراطي داخل المؤسسات الدستورية.
إذن ما حدث سنة 2021 هو، في المستوى الدستوري المباشر، انتقال حكومي نتج عن انتخابات.
أما تحويله إلى سردية كبرى عن “إسقاط الإسلام السياسي” فهو تأويل سياسي للحدث، وليس الحدث نفسه.
وهنا يقع أول انزياح في تدوينة الشرقاوي: يتم الانتقال من التاريخ إلى التأويل، ثم تقديم التأويل باعتباره التاريخ نفسه. وهذا ليس تفصيلا لغويا.
فإذا قلنا إن حكومة أخنوش حققت انتقالا ديمقراطيا استثنائيا لأنها أنهت حكم حزب ذي مرجعية إسلامية، فإننا نكون قد جعلنا معيار نجاح التجربة هو هوية الحزب الذي خسر، لا نوعية الديمقراطية التي أنتجت النتيجة، ولا طبيعة التمثيل السياسي، ولا نسبة المشاركة، ولا قدرة الأحزاب على إنتاج بدائل اجتماعية وسياسية مقنعة.
والأخطر أننا سنختزل تجربة المغرب كلها في ثنائية: إسلاميون أُخرجوا، وحكومة حديثة جاءت.
وهذه قراءة فقيرة لتاريخ سياسي أكثر تعقيدا.
ثم تأتي المقارنة مع مصر وتونس واليمن والجزائر وسوريا. وهنا يصبح الأمر أكثر إشكالا.
كيف يمكن وضع تجارب سياسية مختلفة جذريا في التاريخ والدستور وطبيعة الدولة ومسار التحول السياسي ضمن سلة واحدة، ثم اعتبار الحالة المغربية “نموذجا عربيا فريدا”؟
مصر ليست تونس، وتونس ليست الجزائر، والجزائر ليست سوريا، واليمن حالة مختلفة تماما.
المقارنة السياسية الجادة لا تقوم على تشابه أسماء الأحزاب أو وجود انتخابات، وإنما على تشابه المتغيرات المؤسسية وشروط المنافسة وموازين القوة وطبيعة الدولة ومسار الانتقال.
وإلا تحولت المقارنة إلى مجرد خلفية بلاغية لمدح التجربة المغربية.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل كان أخنوش هو صاحب كل ما تذكره التدوينة؟
ليس المقصود إنكار دور الحكومة. بل العكس تماما. المطلوب هو وضع المسؤولية في مكانها الدستوري والمؤسساتي والتاريخي.
فالدولة ليست حكومة واحدة، والسياسات العمومية ليست كلها اختراعا لحزب يقود الحكومة، وبعض الأوراش الكبرى ذات طبيعة ملكية واستراتيجية تتجاوز الولاية الحكومية نفسها.
خذوا الحماية الاجتماعية مثلا.
الخطاب الرسمي نفسه يربط ورش تعميم الحماية الاجتماعية بتوجيهات ملكية سبقت حكومة أخنوش؛ فقد دعا خطاب 2018 إلى إعادة النظر في منظومة الحماية الاجتماعية، وحدد خطاب 2020 الانطلاق التدريجي في التعميم ابتداء من يناير 2021، ثم صدر القانون الإطار 09.21 في أبريل 2021.
فهل تنسب النتيجة إلى الحكومة؟ نعم، بقدر ما يتعلق الأمر بالتنزيل والتشريع والتنفيذ والتدبير.
لكن هل يجوز محو المسار المؤسساتي السابق وإعادة تقديم الورش باعتباره إنجازا شخصيا لحكومة جاءت بعد انطلاقه القانوني والسياسي؟
هنا تبدأ أركيولوجيا السلطة والمعرفة.
ميشيل فوكو كان يلفت النظر إلى أن الحقيقة السياسية لا توجد فقط في الوقائع، وإنما أيضا في المؤسسات والخطابات التي تحدد ما الذي يسمح له بأن يظهر باعتباره “حقيقة”.
وفي حالتنا المغربية، السؤال ليس فقط: كم أنفقت الحكومة؟ بل: من يملك سلطة تسمية ما أنفقته الحكومة؟ ومن يقرر أن هذا الرقم دليل نجاح، وأن رقما آخر لا يدخل في الحساب؟
تدوينة الشرقاوي تبني معرفتها السياسية على قاعدة بسيطة:
زيادة في الأجور = إنجاز.
تعويضات = إنجاز.
دعم اجتماعي = إنجاز.
تغطية صحية = إنجاز.
قانون = إنجاز.
وهذا صحيح جزئيا فقط. لأن السياسة العمومية لا تقاس بالمدخلات وحدها، بل بمخرجاتها وآثارها وتوزيع منافعها وكلفتها واستدامتها.
زيادة الأجور حقيقة. لكن السؤال السياسي ليس فقط: كم زادت؟ بل: ماذا حدث للقدرة الشرائية بعد التضخم؟ وهنا تصبح الصورة أكثر تركيبا.
فحسب المندوبية السامية للتخطيط، ارتفع مؤشر الأسعار للمستهلك بـ6.6% سنة 2022، ثم بـ6.1% سنة 2023، قبل أن يتباطأ إلى 0.9% سنة 2024. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بـ11% في 2022 وبـ12.5% في 2023.
إذن لا يكفي أن نقول للموظف: “زادت أجرتك 1500 درهم”.
يجب أن نسأل أيضا: كم فقد من قيمة دخله خلال الفترة نفسها؟ وهذا لا يعني أن الزيادة بلا قيمة. بل يعني أن الرقم وحده لا يكفي. إنها مسألة منهج.
فالزيادة الاسمية ليست هي نفسها الزيادة الحقيقية. والإنفاق الاجتماعي ليس هو نفسه العدالة الاجتماعية. وعدد المستفيدين ليس هو نفسه أثر السياسة على الفقر. وعدد المناصب المحدثة ليس هو نفسه جودة التشغيل. وعدد المؤمن عليهم ليس هو نفسه جودة الخدمة الصحية.
وهنا تصبح التدوينة، رغم كثافة أرقامها، فقيرة في أهم شيء: الخط الأساسي الذي نقيس عليه.
فإذا قلت إن الحكومة رفعت أجور التعليم، فهذا صحيح ومثبت رسميا. فقد أكدت الحكومة أن الزيادة العامة الصافية بلغت 1500 درهم لنحو 330 ألف موظف، وأن كلفة منظومة الزيادة والتعويضات في القطاع بلغت مستويات مرتفعة.
لكن أين السؤال الآخر؟ ماذا حدث لجودة التعليم؟ ماذا حدث للهدر المدرسي؟ ماذا حدث للتعلمات؟ ماذا حدث للفوارق المجالية؟ ماذا حدث للثقة بين المدرسة والأسرة والمدرس والدولة؟
هذه هي الأسئلة التي تحول الحصيلة من جرد حسابات إلى تقييم سياسة عمومية. والشيء نفسه ينطبق على الصحة. رفع أجور الأطباء والممرضين مهم. لكن هل تحسنت الولوجية؟ هل تقلص زمن الانتظار؟ هل أصبح المستشفى العمومي أكثر قدرة على استقبال المواطن؟ هل تراجعت الفوارق بين المركز والهامش؟ هل تحسن مؤشر الثقة في الخدمة الصحية؟
لا يمكن لرقم الزيادة في الأجر أن يجيب عن هذه الأسئلة. والأكثر دلالة هو التشغيل.
هنا يصعب أن تظل الأرقام وحدها في خدمة الرواية.
المندوبية السامية للتخطيط تقول إن الاقتصاد المغربي أحدث سنة 2025 نحو 193 ألف منصب شغل، لكن معدل البطالة ظل عند 13%، مع 1.621 مليون عاطل، فيما ارتفعت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة من 36.7% إلى 37.2%، وارتفع معدل الشغل الناقص من 10.1% إلى 10.9%. كما ظل معدل نشاط النساء قريباً من 19%.
هذه ليست أرقاما لإدانة الحكومة. ولكنها بالتأكيد أرقام تمنعنا من إعلان النصر الكامل. لأن الحكومة نفسها، وفق تدوينة الشرقاوي، بذلت “مجهودا كبيرا وغير مسبوق” في التشغيل. حسنا.
إذا كان التشغيل هو الاختبار، فإن السؤال العلمي يصبح: لماذا لم يتحول ذلك المجهود إلى انخفاض أكثر وضوحا في البطالة، خصوصا لدى الشباب والنساء؟ هنا تبدأ السياسة الحقيقية. لا سياسة الأرقام المنتقاة.
ثم هناك مشكلة أخرى أكثر عمقا في التدوينة: إسناد النتائج إلى الفاعل السياسي.
في العلوم السياسية لا يكفي أن يحدث الشيء أثناء ولاية حكومة لكي يكون كل أثر سببه المباشر لتلك الحكومة. هذه مغالطة سببية معروفة.
قد تأتي حكومة فتجد ورشا بدأ قبلها فتسرع تنفيذه. وقد تأتي حكومة فتسن قانونا استجابة لمسار تفاوضي طويل. وقد تستفيد من تحسن دولي أو ظرف اقتصادي خارجي. وقد تتحمل مسؤولية نتائج سلبية نشأت جزئيا من عوامل خارجية.
السياسة ليست مختبرا مغلقا. ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: “هل فعلت الحكومة هذا؟” بل:
ما الذي بدأته؟ ما الذي واصلته؟ ما الذي غيرته؟ ما الذي فشلت في تحقيقه؟ وما الذي كانت الظروف الخارجية ستنتجه حتى بدونها؟
هذه الأسئلة هي التي غابت تقريبا عن التدوينة.
وهنا يمكن الاستعانة ببورديو أكثر من الاستعانة بالبيانات وحدها. لأن السياسي لا يشتغل فقط بالسياسات؛ يشتغل أيضا بـرأس المال الرمزي. أي تحويل الإنجاز الإداري إلى شرعية سياسية.
وهذا بالضبط ما نراه في بناء الحصيلة: كل إجراء يتحول إلى وحدة من رأس المال السياسي.
1500 درهم = شرعية.
4 ملايين أسرة = شرعية.
20 مليون مستفيد من التغطية الصحية = شرعية.
قانون = شرعية.
46 مليار درهم = شرعية.
لكن الديمقراطية لا تختبر الحكومة بعدد الوحدات التي تستطيع إضافتها إلى جدول الإنجازات، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكبر:
هل تغيرت علاقة المواطن بالدولة؟
هل أصبح يشعر أن المؤسسات أكثر عدلا؟
هل أصبحت المدرسة أكثر إنصافا؟
هل أصبح المستشفى أكثر إنسانية؟
هل أصبح الشغل أكثر وفرة وأمانا؟
هل أصبحت المنافسة الاقتصادية أكثر عدلا؟
هل تراجعت الفوارق؟
هل اتسعت الثقة في السياسة؟
وهنا بالضبط تظهر الأزمة البنيوية التي تحاول التدوينة أن تقفز فوقها.
أما عبارة “التاريخ سينصفها”، فهي في الحقيقة أكثر العبارات حاجة إلى الحذر.
التاريخ لا يعمل كهيئة تحكيم سياسية. والتاريخ لا يصدر أحكامه لأن أحدا أعلن مسبقا ما يجب أن يكون حكمه. التاريخ، في النهاية، يترك وراءه الوثائق والنتائج والمؤسسات والآثار الاجتماعية وتوزيع الثروة وتحولات المجتمع.
ولذلك فإن إعلان الحكم قبل أن تنتهي آثار التجربة ليس تاريخا. إنه صناعة مبكرة للذاكرة السياسية. وهنا ربما تكون هذه التدوينة أهم مما تبدو عليه. لأنها ليست فقط دفاعا عن حكومة انتهت ولايتها.
إنها محاولة لصياغة الرواية التي ينبغي أن نتذكر بها تلك الحكومة. وهذا هو الجانب الذي يستحق القراءة النقدية.
فالسياسة لا تنتهي بسقوط الحكومة أو انتهائها. هناك معركة أخرى تبدأ بعدها: معركة الذاكرة.
من سيكتب ماذا حدث؟ من سيحدد الإنجاز؟ من سيحدد الفشل؟ ومن سيقرر أن الاحتجاج كان “حقدا”، وأن النقد كان “استهدافا”، وأن المدافعين كانوا “منصفين”؟
هذه ليست أسئلة هامشية. إنها صميم السلطة الرمزية.
ولنكن أكثر إنصافا من صاحب التدوينة نفسه. نعم، هناك إجراءات اجتماعية حقيقية. نعم، هناك زيادات في الأجور. نعم، هناك توسيع للحماية الاجتماعية. نعم، هناك إدماج لفئات من موظفي التعليم. نعم، هناك دعم اجتماعي مباشر وصل إلى نحو 3.9 ملايين أسرة في 2025، وفق المعطيات الرسمية لوكالة الدعم الاجتماعي. ونعم، هذه كلها وقائع ينبغي تسجيلها.
لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يلزمنا بالاستنتاج الذي يريد صاحب التدوينة الوصول إليه. وهنا تحديدا يكمن الفرق بين الصحافة والبلاغ الحكومي.
الصحافة لا تنكر الرقم، لكنها تسأل ماذا يوجد خلف الرقم. لا تنكر الزيادة، بل تسأل عن القوة الشرائية.
لا تنكر الدعم، بل تسأل عن الاستهداف والاستدامة.
لا تنكر التغطية الصحية، بل تسأل عن جودة العلاج.
لا تنكر خلق المناصب، بل تسأل عن طبيعة العمل ومن يستفيد منه. لا تنكر النمو، بل تسأل عن توزيع ثماره. ولا تنكر الحكومة، بل تسأل عن حدود قدرتها داخل منظومة مؤسساتية أوسع.
والأهم أن المغرب لا يمكن اختزاله في حكومة أخنوش. هذه هي النقطة التي يجب أن تعود إليها كل قراءة جادة.
المغرب دولة ذات استمرارية مؤسساتية طويلة، والحكومات تتعاقب داخل الدولة، ولا تبدأ الدولة مع كل حكومة من الصفر.
ولهذا فإن القول إن حكومة ما “حققت ما لم تستطع تحقيقه حكومات ما بعد دستور 2011” يحتاج إلى تفكيك تاريخي.
هل نتحدث عن الأجر؟ عن الحماية الاجتماعية؟
عن الاستثمار؟ عن الصحة؟ عن التعليم؟ عن النمو؟
عن التشغيل؟ عن الحريات؟ عن الإصلاح المؤسساتي؟ عن الحكامة؟ عن العدالة الاجتماعية؟
لا توجد حصيلة واحدة. هناك حصائل متعددة.
وقد تنجح حكومة في ملف وتتعثر في آخر. بل قد تحقق نتيجة إيجابية في مجال بينما تنتج سياستها، أو ظروف اشتغالها، نتائج سلبية في مجال آخر. وهذه هي طبيعة الدولة الحديثة.
أما القول إن “المنتصر سيكون هو المغرب”، فهو من أجمل العبارات بلاغيا، لكنه لا يعفي أحدا من السؤال السياسي.
فالمغرب لا ينتصر بمجرد نجاح حزب في الانتخابات.
المغرب ينتصر عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والسياسات أقوى من الحملات، والنتائج أقوى من السرديات. وينتصر حين يصبح المواطن قادرا على محاسبة الحكومة دون أن يتهم بالحقد.
وينتصر حين يصبح الدفاع عن الحكومة حقا، وانتقادها حقا آخر. وينتصر حين لا يتحول النقد إلى مرض نفسي، ولا يتحول التأييد إلى شهادة حسن سيرة سياسية.
وهنا أختلف مع المنطق الذي يريد أن يضع النقد كله في خانة “الحقد”. لأن الديمقراطية التي لا تحتمل النقد ليست ديمقراطية مكتملة، كما أن الحكومة التي لا تحتمل المساءلة لا تستطيع أن تطلب من التاريخ أن ينصفها.
إن أخطر ما في تدوينة عمر الشرقاوي ليس الأرقام التي أوردها. الأخطر هو الطريقة التي رتبت بها الأرقام حتى تصبح الأرقام نفسها حجة سياسية.
وهنا نعود إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم قراءتنا كلها:
ليس: هل أنجزت حكومة أخنوش؟
بل: ماذا أنجزت؟ ماذا واصلت؟ ماذا أخفقت فيه؟ من استفاد؟ من دفع الكلفة؟ ماذا تغير في بنية الدولة والمجتمع؟ وماذا بقي كما كان؟
هذه هي الأسئلة التي تفصل بين “حصيلة حكومية” و”معرفة سياسية”. وبين من يكتب دفاعا عن حكومة، ومن يحاول أن يفهم دولة.
ولذلك، فإن المهمة ليست أن نسقط رواية عمر الشرقاوي ونضع مكانها رواية مضادة. ذلك سيكون مجرد وجه آخر من الدعاية.
المهمة الأصعب هي أن نعيد الوقائع إلى سياقها، والأرقام إلى قواعد قياسها، والإنجازات إلى أصحابها المؤسساتيين، والإخفاقات إلى شروطها، والحكومة إلى حجمها الحقيقي داخل الدولة.
هناك فقط نستطيع أن نخرج من السياسة بوصفها مباراة في المواقف، إلى السياسة باعتبارها معرفة.
وهناك فقط يصبح ممكنا أن نسأل، بعيدا عن التصفيق والخصومة:
هل نحن أمام حكومة نجحت فعلا في تغيير بنية الدولة الاجتماعية والاقتصادية، أم أمام حكومة نجحت، بدرجات متفاوتة، في إدارة أوراش كبرى ثم نجحت أيضا في بناء رواية سياسية قوية حول حصيلتها؟
السؤال مفتوح.
والتاريخ، خلافا لما يوحي به الخطاب السياسي، لم يصدر حكمه بعد.
