مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أحيانا لا يحتاج السياسي إلى خصم جديد، يكفيه أن يختار له أحدهم، من حيث لا يدري، معركة لم يطلبها. وهذا تقريبا ما حدث لفاطمة الزهراء المنصوري.
ففي الوقت الذي كان فيه حزب الأصالة والمعاصرة يستعد لخوض الانتخابات، اختار أحمد الشرعي أن يعلن دعمه للحزب وللمنصوري، وأن يذهب أبعد من ذلك في الحديث عن إمكانية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المقبلة. إعلان كان يفترض، من حيث منطقه الظاهر، أن يكون دعما سياسيا وإعلاميا، لكنه سرعان ما تحول إلى عبء انتخابي دفع المنصوري إلى إعلان مسافة واضحة من صاحبه.
وهنا بالضبط تبدأ القصة التي تستحق القراءة. لأن أحمد الشرعي ليس مجرد شخص أعلن، في لحظة انتخابية، إعجابه بحزب أو بشخصية سياسية. إنه رجل إعلام وناشر ارتبط اسمه منذ سنوات بخطاب واضح تجاه إسرائيل، بلغ ذروته في مقاله الشهير “كلنا إسرائيليون”، وهو العنوان الذي سيعود اليوم إلى الواجهة من بوابة الانتخابات المغربية. وقد استعاد عبد الإله بنكيران هذا المقال تحديدا وهو يطالب المنصوري بموقف واضح من دعم الشرعي لها ولحزبها. وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين.
المغرب دولة لها علاقاتها ومؤسساتها وقراراتها السيادية. والعلاقة المغربية الإسرائيلية، بكل ما تحمله من نقاشات سياسية وشعبية، هي في نهاية المطاف علاقة بين دولتين، لها قنواتها الرسمية ومؤسساتها وأجهزتها المعنية. وقد شهدت هذه العلاقة خلال الأيام الأخيرة نفسها تطورا رسميا جديدا، مع إعلان الرباط وتل أبيب الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية وفتح سفارتين وتعيين سفيرين.
لكن شيئا آخر مختلف تماما بدأ يظهر في السنوات الأخيرة: أن تتحول العلاقة مع إسرائيل من ملف تديره الدولة ومؤسساتها إلى خطاب شخصي ومبادرات إعلامية وفكرية يتبناها أفراد خارج الإطار المؤسساتي، ثم يصبح أصحاب هذا الخطاب أنفسهم جزءا من المشهد السياسي الداخلي. وهنا تحديدا تكمن حساسية قضية الشرعي.
فليس السؤال: هل للمغرب علاقة بإسرائيل؟ هذا سؤال حسم على مستوى الدولة ومؤسساتها.
السؤال المختلف هو: من يملك حق الحديث باسم المغاربة في هذه العلاقة؟ ومن يحول موقفا شخصيا من إسرائيل إلى خطاب يقول “كلنا إسرائيليون”؟ ثم ماذا يحدث عندما ينتقل صاحب هذا الخطاب من المجال الإعلامي إلى إعلان دعم سياسي صريح لحزب وشخصية مرشحة لقيادة الحكومة؟ هنا لا تعود المسألة مجرد “دعم إعلامي”. تصبح المسألة مرتبطة بصورة المشروع السياسي نفسه. وهذا تحديدا ما التقطه بنكيران.
ففي مهرجان انتخابي، استعاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عنوان “كلنا إسرائيليون”، وربطه بإعلان الشرعي دعم “البام” والمنصوري، وطالب الأخيرة باتخاذ موقف واضح.
بنكيران، بخبرته الطويلة في المعارك الانتخابية، فهم أن أفضل طريقة لضرب هذا الدعم ليست مهاجمة الشرعي وحده، وإنما إجبار الطرف الذي تلقى الدعم على تفسير علاقته به أمام الناخبين. وهنا حدثت المفارقة.
المنصوري لم تدخل في الدفاع عن الشرعي، ولم تقل إن دعمه لها يمثل موقفها، بل فعلت العكس تماما.
قالت إن مواقف حزبها تقرأ في وثائقه وبلاغاته، لا في مواقف الآخرين، وأكدت أنها وحزبها غير مسؤولين عن تصريحات واختيارات أطراف خارجية، وأنهما يخدمان الوطن وثوابته ومؤسساته. أي أن الدعم الذي أعلنه الشرعي انتهى إلى إنتاج مسافة سياسية علنية بينه وبين المنصوري.
وهنا يمكن فهم لماذا يبدو المشهد أكثر دلالة مما قد يوحي به في البداية.
فالشرعي أراد أن يمنح المنصوري دعما إعلاميا، فإذا بالمنصوري تجد نفسها مضطرة إلى القول: لا علاقة لي بالرجل ولا بمواقفه.
وبنكيران الذي كان يحتاج إلى مدخل انتخابي لمهاجمة “البام”، وجد هذا المدخل جاهزا.
أما الشرعي نفسه، فقد عاد اسمه إلى الواجهة لا بسبب ما قاله عن المنصوري فقط، وإنما بسبب ما سبق أن قاله عن إسرائيل. وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
حين يكون خطابك الشخصي حول إسرائيل مختلفا عن الخطاب المؤسساتي للدولة، فأنت تتحمل وحدك مسؤوليته. لكن عندما تحاول نقل هذا الخطاب، مباشرة أو غير مباشرة، إلى ساحة المنافسة السياسية الداخلية، يصبح من حق الخصوم أن يسألوا الحزب الذي دعمته: هل هذا خطابك أيضا؟
المنصوري أجابت عمليا عن السؤال. لا. على الأقل هذا ما يفهم من تصريحاتها.
فهي لم تتبن مواقف الشرعي، ولم تعتبر دعمه لها تعبيرا عن موقف حزبها، بل أعادت المرجعية إلى وثائق الحزب ومؤسساته.
وهذا التفصيل مهم جدا، لأن الفرق كبير بين علاقة دولة بدولة وبين مبادرة فردية أو خطاب شخصي حول دولة أجنبية.
الدولة تتحرك وفق مؤسساتها. الحزب يتحرك وفق مؤسساته. أما الفرد، فيتحمل مسؤولية مواقفه وخطابه.
وحين تختلط هذه المستويات، تصبح السياسة أرضا خصبة للتأويل وسوء الفهم والاستثمار الانتخابي. ولعل هذا هو ما حدث الآن بالضبط.
فالمنصوري لم تكن مضطرة إلى مواجهة الشرعي بسبب مضمون دعمه لها فقط؛ بل وجدت نفسها أمام إرث خطابه السابق حول إسرائيل، وهو الإرث الذي أعاد بنكيران إدخاله إلى قلب الحملة الانتخابية. ومن هنا يمكن فهم سرعة المسافة التي رسمتها المنصوري. لقد أدركت أن المشكلة لم تعد في شخص أعلن دعمه لها، وإنما في الرمزية السياسية والإعلامية التي يحملها هذا الشخص معه.
وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحته في مقال سابق حول الشرعي: ماذا يحدث عندما لا يعود الإعلام مجرد ناقل للسياسة، بل يصبح طرفا في صناعتها؟
اليوم لدينا حالة أكثر تعقيدا. الإعلامي يعلن دعمه للسياسي. السياسي يجد نفسه مضطرا إلى التبرؤ من الإعلامي. والخصم السياسي يحول العلاقة بين الاثنين إلى سؤال حول إسرائيل. وهكذا يصبح الدعم نفسه موضوعا للمعركة الانتخابية.
أما بنكيران، فيبدو أنه فهم هذه المعادلة قبل غيره. ولذلك فإن استحضار وصف رشيد الطالبي العلمي له ذات يوم بـ«الذيب الشارف» يجد هنا معنى سياسيا خاصا، لا باعتباره حكما على الرجل، وإنما باعتباره وصفا لقدرة سياسية على التقاط اللحظة وتحويل نقطة في الهامش إلى سؤال في قلب المعركة.
فما كان يمكن أن يبقى مجرد إعلان دعم من ناشر وإعلامي، أصبح فجأة سؤالا عن الحزب، وعن المنصوري، وعن إسرائيل، وعن حدود العلاقة بين الإعلام والسياسة. وهكذا وجد “البام” نفسه مضطرا إلى القول إن مواقفه لا تقرأ من خلال مواقف الشرعي. ووجدت المنصوري نفسها تقول إنها لا تعرف الرجل. ووجد الشرعي نفسه في قلب نقاش لم يكن، على الأرجح، هو الذي أراد أن يكون فيه.
أما بنكيران، فقد حصل على ما كان يبحث عنه: سؤال انتخابي لا يتعلق فقط بمن يدعم “البام”، بل بمن يقف خلف هذا الدعم وما يحمله صاحبه من خطاب سابق. وهنا لا يتعلق الأمر بالحكم على المنصوري، ولا على “البام”، ولا حتى على الشرعي.
إنه سؤال أعمق عن السياسة المغربية في زمن تختلط فيه الحدود بين الإعلام ورأس المال والسياسة والعلاقات الدولية:
متى يبقى الموقف من إسرائيل شأنا شخصيا لصاحبه، ومتى يصبح، بمجرد دخوله إلى المجال الانتخابي، سؤالا يفرض نفسه على الحزب الذي اختار صاحبه دعمه؟
المنصوري اختارت أن تجيب بوضوح: المرجعية هي الحزب، ووثائقه، ومؤسساته، وخدمة الوطن.
لكن السؤال الذي صنعه الشرعي لن يختفي بهذه السرعة. لأن الانتخابات لا تحاسب السياسيين فقط على ما يقولونه هم، وإنما أحيانا على من يختار أن يقول إنه يقف إلى جانبهم، ولماذا اختار ذلك في هذه اللحظة بالذات. وهنا ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة في هذه القصة:
الشرعي أراد أن يكون جزءا من صورة المنصوري، فإذا بصورة المنصوري الانتخابية تدفعه إلى خارجها.
وفي السياسة، كما في الإعلام، ليست المشكلة دائما في ما تقوله أنت عن نفسك، بل في ما يتيح الآخرون لخصومك أن يقولوه عنك.
أحيانا تكون اليد التي تريد أن ترفعك هي نفسها التي تجبرك على أن تشرح للناس: “أنا لا أعرف صاحبها.”
ولعل هذه هي الخلاصة الأكثر دلالة في قصة الشرعي والمنصوري:
أحيانا لا يحتاج خصمك إلى أن يصنع لك أزمة؛ يكفي أن يترك لك حليفك المفترض أن تصنعها بنفسك.
