مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“التأثير الحقيقي لا يقاس بالصوت المرتفع، بل بما يبقى فينا بعد أن يصمت صاحبه.”
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، برز على الساحة فاعلون جدد يُطلق عليهم “المؤثرون”. هؤلاء الأشخاص كسبوا جمهورًا واسعًا، وأصبح لهم صوت مسموع وقدرة على التأثير في الآراء والسلوكيات، وحتى في اختيارات الناس اليومية.
اليوم، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالمؤثرين، الكلمة التي تُستخدم لوصف من يُلهمون الناس فعلًا، ومن يبيعون الوهم الاجتماعي. لم يعد التأثير حكرًا على المفكرين أو أصحاب التجارب العميقة، بل صار يُمنح لأي شخص يُجيد التعامل مع الكاميرا أو يُتقن لفت الانتباه، عبر نشر صور حياة مثالية زائفة تقنع متابعيهم بأنهم يعيشون النعيم، بينما هم في الحقيقة يزرعون الإحباط ويدفعون الناس للانقلاب على واقعهم، إذ يشاهدون عبر شاشات هواتفهم واقعًا مصطنعًا لا يمت للحقيقة بصلة.
وهكذا، امتلأت المنصات بالمؤثرين؛ بعضهم يُلهم الناس للارتقاء، وبعضهم يغرقهم في دوامة التفاهة.
مؤثرون يتحدثون بلا علم، يروّجون لمنتجات دون ضمير، يزرعون أفكارًا بلا وعي، والأسوأ من ذلك أنهم يقدمون أنفسهم كقدوات، بينما لا يملكون من النضج أو الوعي إلا القشور.
لكن هل يُقاس التأثير بعدد المتابعين؟ وهل كل من يظهر على الشاشات الصغيرة هو مؤثر حقًا؟ وهل المجتمع بحاجة لهذا النوع من التأثير؟
هذه التساؤلات تقودنا إلى إجابة واحدة: لقد اختلط المفهوم وضاعت القيم.
في ظل غياب معايير واضحة لما يجب أن يكون عليه “المؤثر”، تحوّل الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوح للتسويق لا للأفكار، وللربح لا للوعي. كثيرون صاروا أسرى عدد “اللايكات” وأسهم التعاون التجاري، وصارت براعتهم مرهونة بما يربحونه لا بما يقدّمونه من فائدة.
جزء من المسؤولية يتحمله المؤثر نفسه، لكن الجزء الأكبر يقع على عاتقنا كمجتمع.
السوشيال ميديا هي كهف أفلاطون الحديث: نرى ظلالًا على الجدران ونظنها الكون، بينما هي سجن مزين بأوهام تُباع مغلفة بورق جميل.
نحن من نتابع، نشاهد، نشارك، ونصفق.
نحن من نعطي الضوء لمن لا يستحقه، ونطفئه في وجه من يحمل رسالة.
ومادام هذا التفاعل قائمًا، سيبقى “الفراغ” هو سيد التأثير، وسيُقصى الوعي إلى الهامش.
تحوّلت المنصات إلى واجهات إعلانية متنقلة، يُباع فيها كل شيء: من الملابس ومستحضرات التجميل، إلى نمط العيش والمواقف وحتى القيم.
لن نحتاج إلى كثير من البحث لنجد نماذج مؤسفة في مجتمعنا:
مشاكل أسرية تُنشر على العلن، بين مؤثرين يستغلون فضائحهم الشخصية لزيادة المشاهدات، فيغذّون فضولًا سلبيًا ويشوشون على صورة العلاقات الإنسانية.
شخصيات بنت شهرتها على التجميل المبالغ فيه أو على تغيير شكلها، ثم صارت تروّج لمنتجات بلا رقابة، فتؤثر بذلك سلبًا على فتيات في طور بناء هويتهن.
مؤثرون يبيعون الوهم من خلال تصوير حياة مثالية مليئة بالسفر والرفاهية، بينما لا يقدمون شيئًا من حيث المضمون أو القيمة.
لكن، في المقابل، لا يجب أن نعمم.
فهناك مؤثرون يحملون الوعي فعلاً، ويقدمون محتوى نافعًا في مجالات مثل:
تبسيط العلوم والتعليم
التنمية الذاتية والصحة النفسية
التوجيه الجامعي والمهني
القضايا الاجتماعية والمبادرات التضامنية
لكن هؤلاء غالبًا لا يحظون بنفس التفاعل، لأن خوارزميات المنصات تفضل الإثارة على الجودة، والتفاهة على العمق.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد “حرية تعبير” رقمية، بل “فوضى تعبير” تحتاج إلى وعي جماعي.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى “المؤثر” في مجتمع يعاني من البطالة، والفقر، وغياب القدوات، وانتشار الاستهلاك المظهري.
المؤثر الوهمي يبيع العواطف، يستخدم القضايا كخلفية للإعلانات، ولا يتابع النتائج.
ليس كل من يملك صوتًا يستحق أن يُسمع، وليس كل من يُتابَع يستحق أن يُتبع.
في الختام، نريد مؤثرين يُربّون قبل أن يُشهَروا، يُفكرون قبل أن ينصحوا، و يشعرون بمسؤولية الكلمة قبل أن ينطقوا بها.
المجتمع لا يحتاج إلى نجوم، بل إلى شموع تضيء، لا تُبهر فقط.
