مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم تعد أزمة الهجرة غير النظامية في سبتة المحتلة مجرد ملف أمني تتعامل معه السلطات الإسبانية والمغربية على جانبي الحدود، ولا مجرد أزمة إنسانية مرتبطة بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين. خلال الأيام الأخيرة، انتقل التوتر إلى الشارع، وظهرت مشاهد أكثر خطورة بعدما تعرضت مآوٍ مؤقتة للمهاجرين للتخريب والإحراق، فيما امتدت الاحتجاجات إلى عرقلة وصول مساعدات إنسانية كانت موجهة إليهم.
وبذلك، وجدت سبتة نفسها أمام أزمة متعددة الأوجه، تتداخل فيها الهجرة مع الأمن والسياسة والاحتقان الاجتماعي، بينما أصبح المهاجرون أنفسهم في قلب صراع لا يملكون أدواته ولا القدرة على التحكم في مساره.
خلال الأيام الماضية، خرج محتجون إلى عدد من مناطق المدينة للتعبير عن رفضهم لطريقة تدبير الحكومة الإسبانية لملف الهجرة، غير أن بعض هذه الاحتجاجات تجاوزت انتقاد السياسات العمومية، ووصلت إلى مناطق يوجد فيها مهاجرون.
وشهدت إحدى هذه المناطق تخريب وإحراق مآوٍ مؤقتة، مع إتلاف بعض متعلقات المهاجرين، الأمر الذي استدعى تدخل الشرطة الإسبانية للحيلولة دون تطور الوضع إلى مواجهات أكبر.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بما إذا كان سكان سبتة غاضبين من طريقة تدبير أزمة الهجرة، فهذا الغضب يمكن أن يكون موضوعاً طبيعياً للنقاش السياسي والاحتجاج السلمي، وإنما بالسؤال الأهم: متى يتحول الاحتجاج على سياسة حكومية إلى استهداف لأشخاص يوجدون في وضعية هشاشة؟
هذا التحول هو الذي يجعل ما يحدث في سبتة أكثر حساسية من مجرد خلاف سياسي حول الهجرة.
ولعل أكثر المشاهد دلالة كان اعتراض محتجين طريق شاحنة تابعة للصليب الأحمر الإسباني، كانت تحمل مساعدات غذائية للمهاجرين الموجودين في المنطقة.
فقد استمر منع الشاحنة من الوصول إلى وجهتها لساعات، بينما كان المحتجون يرفعون شعارات تعبر عن رفضهم لاستمرار وجود المهاجرين في المدينة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الخلاف السياسي.
فالاختلاف حول الهجرة يمكن أن يكون حاداً، والمطالبة بتغيير السياسات الحكومية يمكن أن تكون مشروعة، لكن الغذاء والماء والمساعدة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في الصراع السياسي.
والمشهد يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل: كيف وصلت أزمة الهجرة في سبتة إلى مرحلة يصبح فيها حتى العمل الإنساني محل مواجهة في الشارع؟
هذه التطورات تضع السلطات الإسبانية أمام اختبار صعب.
فهي مطالبة من جهة بفرض النظام وحماية السكان واحتواء الغضب المتصاعد، لكنها مطالبة من جهة أخرى بحماية المهاجرين الموجودين داخل المدينة، ومنع تعرضهم للعنف أو التخريب، وضمان وصول المساعدات الأساسية إليهم.
وهنا تحديداً تصبح أزمة سبتة أكثر من مجرد قضية مرتبطة بأمن الحدود.
إنها اختبار لمدى قدرة السلطات على التوفيق بين الأمن وحقوق الإنسان في لحظة تتصاعد فيها الضغوط السياسية والاجتماعية.
فالمهاجر الذي وصل إلى سبتة بطريقة غير نظامية قد يكون خالف قوانين الهجرة، لكن ذلك لا يعني سقوط حقوقه الأساسية أو تحوله إلى هدف مباح للعنف والكراهية.
ولا يمكن قراءة المشهد بعيداً عن التحولات التي يعرفها النقاش السياسي الإسباني والأوروبي حول الهجرة.
فهذا الملف أصبح خلال السنوات الأخيرة واحداً من أكثر الملفات حضوراً في الصراع بين الأحزاب، خصوصاً مع تنامي خطاب اليمين المتشدد الذي يربط الهجرة بالأمن والضغط على الخدمات العمومية وتغير طبيعة المدن.
وفي سبتة، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.
فالمدينة ذات الوضع الجغرافي والسياسي الخاص توجد في نقطة تلتقي فيها الحدود المغربية مع المجال الأوروبي، ولذلك فإن أي تدفق للمهاجرين يتحول بسرعة إلى أزمة محلية ذات أبعاد وطنية وأوروبية.
ولهذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد الأشخاص الذين يعبرون الحدود، وإنما بكيفية التعامل معهم بعد وصولهم، وبمن يتحمل مسؤولية أوضاعهم الإنسانية والأمنية.
في المقابل، يجد المغرب نفسه مرة أخرى في قلب النقاش الإسباني حول أزمة الهجرة.
وخلال الفترة الأخيرة، كثفت السلطات المغربية انتشارها في المناطق المحاذية لسبتة، وعملت على منع محاولات العبور الجماعي، كما تحركت لمواجهة الدعوات التي انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولات للهجرة غير النظامية.
كما شملت التدخلات الأمنية ملاحقة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بالتحريض أو التنسيق لهذه المحاولات، إلى جانب التعامل مع أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التحركات.
وبذلك، لا يمكن القول إن المغرب يقف موقف المتفرج أمام ما يحدث. فالمملكة تتحمل مسؤوليتها في مراقبة حدودها والتصدي لشبكات الهجرة غير النظامية ومحاولات العبور الجماعي.
لكن في المقابل، فإن تحميل المغرب وحده مسؤولية أزمة سبتة يختزل واقعاً أكثر تعقيداً.
المفارقة أن المغرب يجد نفسه في موقف صعب أياً كانت نتيجة الأحداث.
فعندما يمنع محاولات العبور، توجه إليه انتقادات بشأن طريقة تعامله مع المهاجرين. وعندما ينجح بعض المهاجرين في الوصول إلى سبتة، تعود أصوات أخرى لتحميله مسؤولية عدم منع التدفق.
لكن بمجرد وصول هؤلاء الأشخاص إلى الجانب الإسباني، تصبح هناك مسؤولية أخرى لا يمكن تجاهلها.
من يحميهم؟ أين يقيمون؟ من يوفر لهم الغذاء والماء؟ ومن يمنع الاعتداء عليهم؟
هذه الأسئلة ليست مرتبطة بالمغرب، وإنما بالجهة التي تدير المجال الذي يوجد فيه هؤلاء الأشخاص.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يتوقف عند الحدود، بل ينبغي أن يمتد إلى ما يحدث داخل سبتة نفسها.
المشهد الحالي يكشف أن أزمة الهجرة في سبتة لم تعد أزمة عبور فقط.
إنها أزمة تدبير، وأزمة ثقة، وأزمة سياسية، وأيضاً أزمة إنسانية.
والمقلق أن المهاجر أصبح في بعض الأحيان الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ فهو من جهة عالق بين حلم الوصول إلى أوروبا والقيود الأمنية على الحدود، ومن جهة أخرى يجد نفسه بعد الوصول أمام ظروف إقامة صعبة واحتقان اجتماعي قد يتحول إلى عداء مباشر.
وفي المقابل، يشعر جزء من سكان سبتة بأن المدينة تتحمل وحدها أعباء أزمة تتجاوز إمكاناتها، وهو شعور تستثمر فيه بعض الخطابات السياسية لتوجيه الغضب نحو المهاجرين أو الحكومة المركزية.
وهنا تكمن خطورة الوضع: حين يتحول المهاجر من إنسان يحتاج إلى الحماية إلى رمز لكل ما يعتبره جزء من المجتمع أزمة أو تهديداً.
إسبانيا، باعتبارها دولة أوروبية، مطالبة بتطبيق القواعد التي تؤكدها في خطابها الحقوقي.
فحقوق الإنسان لا تتغير بحسب جنسية الشخص، ولا تسقط بمجرد دخوله البلاد بطريقة غير نظامية.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام حقوق المهاجرين لا يعني تجاهل مخاوف السكان أو التقليل من الضغط الذي تعيشه المدينة. بل إن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع الطرفين، بعيداً عن تحويل أحدهما إلى خصم للآخر.
فالسكان يحتاجون إلى الأمن والاستقرار، والمهاجرون يحتاجون إلى الحماية والكرامة، والسلطات مطالبة بإدارة الاثنين معاً.
ما يحدث اليوم في سبتة يؤكد أن الحل الأمني وحده لن يكون كافياً، كما أن تحميل المغرب وحده مسؤولية الأزمة لن ينهيها.
المغرب مطالب بمواصلة مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والتحريض، وإسبانيا مطالبة بتدبير أوضاع المهاجرين الموجودين داخل سبتة وحماية أمن المدينة، بينما يتحمل الاتحاد الأوروبي جزءاً من المسؤولية في معالجة ملف الهجرة باعتباره قضية تتجاوز الحدود الوطنية.
أما تحويل المهاجرين إلى هدف للاحتجاج، أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليهم، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي لإسبانيا وأوروبا: هل تستطيعان إدارة أزمة الهجرة بمنطق المسؤولية والحقوق، أم أن الملف سيبقى ورقة سياسية مفتوحة، يدفع ثمنها في النهاية المهاجر والسكان معاً؟
