Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

القطاع غير المهيكل: تحدٍ قائم أمام التنمية وعرقلة مسار الهيكلة الاقتصادية

رغم ما تبذله الدولة من مجهودات ضخمة، وصرف مليارات الدراهم في مشاريع هيكلة وتجهيز المناطق الصناعية والتجارية وبناء الأسواق الحديثة، إلا أن القطاع غير المهيكل لا يزال يشكّل عائقا حقيقيا أمام تحقيق تنمية اقتصادية شاملة، وتشغيل قانوني يحترم مدونة الشغل ويوفّر التغطية الاجتماعية للعمال. كما تُفاقم فوضى المهن وتعثر المجالس المحلية في تنظيمها وتجميعها ضمن مناطق مخصصة من انتشار الورشات العشوائية والسرية في مختلف أحياء المدن، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

وفي الوقت الذي تفتقر فيه العديد من المناطق لمقومات أساسية كالأمصال الضرورية لمواجهة لدغات العقارب والأفاعي، يستمر البعض في محاولة تغطية الواقع المأزوم، في حين يبقى ارتباط القطاع غير المهيكل بالفساد والرشوة وتبييض الأموال ارتباطًا وثيقًا. فالعديد من المهن الموسمية أو البسيطة، والتي تبدو في ظاهرها غير مؤثرة، تُستخدم كواجهة لمراكمة رؤوس أموال ضخمة تُعاد تدويرها في أنشطة غير خاضعة للضريبة، ما يفاقم من فقدان الدولة لموارد مالية هامة، ويحرم الفئات الهشة من أي استفادة حقيقية من هذا النشاط الموازي.

وتشير تقارير دوريات المراقبة إلى انتشار وحدات صناعية غير مرخصة في عدد من الأحياء، سواء الشعبية أو الراقية، وهو ما يعقّد مهام المراقبة ويضع عراقيل أمام مفتشية الشغل. وتُسجّل خروقات جسيمة تتعلق بعدم احترام الحد الأدنى للأجور، وتشغيل العمال خارج الضوابط القانونية، والتهرب الضريبي، مما يستدعي إرادة قوية لإعادة هيكلة قطاع الإنتاج، وحماية حقوق الأجراء، وتشجيع الاستثمار القانوني دون تضييق أو ابتزاز.

ولا يمكن الحديث عن الفوضى دون التوقف عند واقع الحرف العشوائية داخل النسيج الحضري، حيث يتم تحويل أحياء سكنية إلى ورشات مفتوحة، وسط شكايات المواطنين المتضررين، في غياب تنظيم فعّال من قبل الجماعات الترابية، التي تتحمل مسؤولية منح التراخيص وحماية السلامة والصحة العامة.

ومن جهة أخرى، يفرض الواقع اليوم ضرورة معالجة التناقض القائم بين ما يوفّره القطاع غير المهيكل من فرص شغل وإسهامه في حفظ السلم الاجتماعي، وبين ما يسببه من فوضى وضياع الموارد وتعطيل لمسارات الهيكلة والإصلاح، خاصة في ظل توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات وتحقيق عدالة اقتصادية أكثر شمولاً.

إن تجاوز هذه المفارقة لن يتم إلا عبر توفير بيئة مشجعة للاستثمار، وضمان تكافؤ الفرص، وتبسيط المساطر الإدارية، إلى جانب دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة، ومواكبتها بالتتبع والتمويل، والقطع مع آفة الفساد والمحسوبية التي تغذي الفوضى وتعيق الإصلاح.

ولا يمكن أن تنجح أي مقاربة للإصلاح دون توفير بدائل عملية للفوضى والعشوائية، ودعم المقاولات على الاشتغال في إطار القانون، بما يسمح بدمج الأموال التي تتحرك في الاقتصاد غير المهيكل ضمن المنظومة القانونية، واستثمارها في مشاريع منتجة تحقق قيمة مضافة، وتقلّص من سيطرة لوبيات الريع التي تتغذى على واقع الغموض.

وفي هذا السياق، تقتضي المرحلة الحالية تسريع الانتقال من واقع الفوضى إلى فضاء اقتصادي منظّم، يُتيح المعاملات المالية القانونية، ويحمي الاستثمارات الصغيرة من تغول الشركات الكبرى، التي تستفيد من التجربة والنفوذ، دون أن تتيح فرصا حقيقية للمنشآت الناشئة. فالمطلوب اليوم هو خلق توازن يضمن الحماية والتطوير للمقاولات الصغرى الخارجة عن القانون، عبر إدماجها في منظومة اقتصادية آمنة ومستقرة، قادرة على ضمان شروط الشفافية والنمو والعدالة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...