مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والدينية، وفي عالم أرهقته الصراعات والنزاعات، جاء انتخاب الكاردينال الأمريكي روبرت فرنسيس بريفوست ليصبح البابا ليون الرابع عشر، حدثًا مفصليًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، بل وإشارة قوية على أن صوت السلام لا يزال قادرًا على العبور بين الضفاف والديانات.
فمنذ لحظة وقوفه على شرفة كنيسة القديس بطرس، حيث خاطب العالم بعبارته اللافتة “السلام عليكم جميعًا”، بدا واضحًا أن الرجل يحمل في جعبته ما يتجاوز الطقوس والتقاليد. لقد كان خطابًا بلغة الإنسانية، بلغة تُخاطب الشرق والغرب معًا، وتمنح الأمل في عالم أكثر وُدًّا وتسامحًا.
ولعل المغرب، البلد الذي عُرف عبر قرون باعتداله وانفتاحه، وجد في هذه اللحظة ما يعزز توجهاته الدبلوماسية والروحية. فالعلاقة بين المملكة المغربية والكرسي الرسولي ليست علاقة عابرة، بل هي عمق حضاري وتاريخ من التفاهم المتبادل، ترسّخ أكثر من أي وقت مضى في زيارة البابا فرنسيس للرباط عام 2019، بدعوة من جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين.
لقد كانت تلك الزيارة محطة استثنائية، أكدت أن المغرب ليس مجرد بلد مسلم، بل أرضًا يُحتضن فيها المسيحي واليهودي والمسلم في ظل قيم الاحترام وسيادة القانون. وهي نفس القيم التي يُتوقّع أن يعززها البابا الجديد، المعروف عنه دفاعه الصريح عن حقوق الأقليات، ونصرته للفقراء، وإصراره على جعل الكنيسة صوتًا للسلام لا منصة للهيمنة.
في هذا السياق، يبرز المغرب من جديد كشريك استراتيجي روحي للفاتيكان، بل وكمنصة حضارية فريدة تمثل الإسلام الوسطي المنفتح، وتُجسّد عمليًا إمكانيات التعايش الخلّاق في زمن الانقسامات. ليس من الغريب إذن، أن تجد خطوات البابا الجديد صدىً لها في المملكة، حيث يُمارس المسيحيون، سواء من الأجانب المقيمين أو المغاربة، شعائرهم في أمان واحترام، تحت مظلة إمارة المؤمنين التي تحرص على صون كرامة كل من يعيش على ترابها.
الآمال معقودة اليوم على انطلاقة جديدة في العلاقات الروحية والإنسانية بين المغرب والفاتيكان، تُعزز الحوار وتُعيد الاعتبار للأديان كقنوات تواصل لا جدران فصل. فالمغرب، بموقعه ومرجعيته، مؤهل للعب دور ريادي في هذا المسار، خاصة في زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب عاقل، متوازن، يُعلي من شأن الإنسان، لا من شأن الاختلاف.
من الرباط إلى روما، ومن الفاتيكان إلى المغرب، تبرز إشارات التلاقي أكثر من أي وقت مضى. ويبقى الأمل أن تُثمر هذه المرحلة عهدًا من التعاون الروحي والدبلوماسي والثقافي، يُسهم في بناء عالمٍ يجد فيه كل إنسان مكانه، مهما كانت لغته، لونه أو معتقده.
