مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
اللقاء الذي جمع القوات المسلحة الملكية المغربية وقيادة البعثة الأممية في الأقاليم الجنوبية يعكس بوضوح نجاح المغرب في إدارة النزاع على صحرائه بفعالية تجمع بين الحسم العسكري والذكاء الدبلوماسي. فبعيداً عن كونه اجتماعاً روتينياً، يشكل هذا اللقاء محطة استراتيجية تؤكد قدرة المغرب على التحكم في مسار الأحداث وفرض قواعد تعامل جديدة مع الأمم المتحدة، حيث لم يعد وجود البعثة مجرد آلية رقابية، بل تحول إلى أداة توظف ضمن رؤية مغربية متكاملة توازن بين الالتزام بالشرعية الدولية وترسيخ التفوق الميداني.
من الناحية العسكرية، يظهر هذا التنسيق قدرة القوات المسلحة الملكية على تحقيق هدف مزدوج: ضمان استقرار أمني دائم يحول دون أي محاولات لخلق اضطرابات، وفي الوقت نفسه، تأكيد هيمنتها العملياتية على الأرض. والمغرب، من خلال هذه اللقاءات، لا يكتفي بإدارة الوضع الميداني فحسب، بل ينجح في تحويل البعثة الأممية إلى شريك يشتغل وفق الضوابط التي يحددها، ما يعكس تفوقه في إعادة تشكيل العلاقة مع الأمم المتحدة بما يخدم مصالحه الاستراتيجية. الملفات التي تناولها اللقاء، مثل إزالة الألغام والدعم اللوجستي، تعكس بوضوح أن القوات المسلحة الملكية لم تعد تتفاعل مع المستجدات، بل تصنعها، ما يجعل من وجود البعثة الأممية أداة لتعزيز الاستقرار وفق المعايير المغربية لا العكس.
سياسياً، يبرز اللقاء نجاح الرباط في توظيف الأطر الدولية لتعزيز موقفها في ملف الصحراء، حيث تمكنت من تحويل العلاقة مع الأمم المتحدة من حالة تنافسية إلى تعاون يخدم مصالحها، مما يعزز شرعيتها على المستويين الإقليمي والدولي. والحديث عن “تنسيق استثنائي” ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، بل هو تعبير عن إدراك الأمم المتحدة للدور المحوري الذي تلعبه القوات المسلحة الملكية في تأمين المنطقة، ما يرسخ صورة المغرب كدولة مسؤولة ذات رؤية متقدمة في إدارة النزاعات.
هذا التحول في إدارة الملف الصحراوي لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة نهج استراتيجي طويل الأمد يقوم على فرض الأمر الواقع ميدانياً وتوظيفه سياسياً بذكاء. فالمغرب لم يكتفِ بالدفاع عن موقفه في المحافل الدولية، بل نقل معركته إلى مستوى جديد حيث أصبحت البعثة الأممية جزءاً من منظومة تدبيره للأقاليم الجنوبية، وليس عاملاً قد يُستغل ضده. هذا النجاح في إدارة الشرعية الدولية يعكس فهماً عميقاً لقواعد اللعبة الدبلوماسية، حيث يدرك المغرب أن التفوق لا يقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على توجيه المؤسسات الدولية لصالحه.
التفاعل المغربي مع البعثة الأممية أصبح نموذجاً لكيفية الجمع بين القوة الصلبة والناعمة، إذ يواصل المغرب تعزيز سيادته ميدانياً، بالتوازي مع توظيف الآليات الأممية لإضفاء شرعية دولية على تحركاته. وبينما تظل بعض الأطراف تحاول استغلال الأمم المتحدة للضغط عليه، نجحت الرباط في قلب المعادلة، حيث أصبح التنسيق العسكري مع البعثة أداة لترسيخ موقفها، لا عاملاً قد يحد من نفوذها.
اللقاء الأخير يعكس استراتيجية مغربية محكمة تستهدف ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً، تأكيد التفوق العملياتي للقوات المسلحة الملكية، التي تظل الطرف الأكثر فاعلية في تأمين الأقاليم الجنوبية وفق مقاربة احترافية. ثانياً، تعزيز الشرعية الدولية لموقف المغرب من خلال التعاون مع الأمم المتحدة بطريقة تؤكد التزامه بالمعايير الدولية مع الحفاظ على سيادته المطلقة على الأرض. وثالثاً، استثمار هذا التنسيق في خلق واقع سياسي جديد يجعل أي حل مستقبلي يأخذ في الاعتبار المعطيات التي فرضها المغرب ميدانياً، بدلاً من العودة إلى مرجعيات لم تعد تعكس ميزان القوى القائم.
بهذا المعنى، لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع تقني، بل هو محطة ضمن مسار طويل من النجاح الدبلوماسي والعسكري، حيث يواصل المغرب فرض نفسه كلاعب رئيسي في الملف الصحراء. ومن خلال هذا النهج، يثبت المغرب أن إدارة النزاعات لا تتطلب فقط امتلاك التفوق الميداني، بل أيضاً القدرة على توجيه الأطر القانونية والدبلوماسية لصالحه، وهو ما يجعل استراتيجيته أكثر نجاعة واستدامة.
