مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“ليست الكلمات مجرد وسيلة لوصف الواقع، بل هي في كثير من الأحيان الطريقة التي يعاد بها تشكيله.”
— جورج أورويل
في السياسة، لا تكون البلاغات مجرد نصوص إخبارية، بل وثائق تعكس فلسفة الدولة، وتكشف عن أولوياتها، وتقرأ أحيانا بما سكتت عنه أكثر مما تقرأ بما قالته. ولذلك، فإن البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية المغربية بشأن أحداث محاولات الهجرة نحو سبتة ومليلية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تواصل إداري، بل باعتباره خطابا سياسيا يحمل رسائل داخلية وخارجية، واختيارات لغوية ليست بريئة بالضرورة.
لقد بدا البلاغ متماسكا من حيث البناء التقني، غنيا بالأرقام والمعطيات والإحالات القانونية، لكنه في المقابل افتقد إلى شيء لا يقل أهمية عن كل ذلك: الروح الإنسانية والوضوح السيادي.
أولا: عندما تختفي كلمة “المحتلتين”
أول ما يستوقف القارئ أن البلاغ تحدث عن “مدينتي سبتة ومليلية” دون أن يصفهما بالمحتلتين.
قد يعتبر البعض الأمر مجرد تفصيل لغوي، لكنه في العلاقات الدولية والسيادة الوطنية ليس كذلك.
فالمغرب، في خطابه الرسمي، ظل لعقود يعتبر المدينتين ثغرين مغربيين محتلين، شأنهما شأن الجزر الجعفرية وصخرة ليلى، ولم يكن هذا الوصف مجرد توصيف سياسي، بل جزءا من العقيدة الدبلوماسية المغربية.
صحيح أن هناك من قد يبرر حذف الوصف بضرورات التنسيق الأمني مع إسبانيا أو بطبيعة البلاغ التقنية، لكن البلاغات الرسمية ليست معزولة عن السياق السياسي، واللغة الرسمية ليست لغة محايدة.
فالسيادة تبدأ أحيانا من المفردة. وليس عبثا أن قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو:
“السلطة لا تمارس بالقوة فقط، بل أيضا باللغة.”
واللغة هنا اختارت أن تكون محايدة في قضية ليست محايدة أصلا.
ثانياً: المواطنون تحولوا إلى أرقام
خصص البلاغ مساحات واسعة للأرقام:
40 ألفا نحو سبتة
1135 نحو مليلية
10 غرقى
حالة وفاة عرضية
لكن أين الإنسان؟
لا نجد في البلاغ كلمة واحدة من قبيل:
“رحم الله الضحايا”
“تتقدم الوزارة بأحر التعازي”
“تتمنى الشفاء للمصابين”
“تواسي أسر الضحايا”
وهنا لا يتعلق الأمر بالمجاملة البروتوكولية، بل بثقافة الدولة.
فالدول الكبرى، حتى عندما يتعلق الأمر بمهاجرين غير نظاميين أو مخالفين للقانون، تحرص على إظهار البعد الإنساني في خطابها الرسمي. لأن الإنسان يبقى مواطنا قبل أن يكون رقما في إحصائية. ولأن الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على حماية الحدود، بل أيضا بقدرتها على مواساة مواطنيها.
ثالثا: خطاب أمني بلا سؤال اجتماعي
أرجع البلاغ الأسباب إلى:
كل ذلك صحيح جزئيا. لكن السؤال الأكبر غاب تماما:
لماذا صدق عشرات الآلاف تلك الإشاعات أصلا؟
لماذا أصبح آلاف الشباب مستعدين للمغامرة بحياتهم؟
هل لأن “فيسبوك” أقنعهم فقط؟
أم لأن اليأس سبق أن أقنعهم؟
إن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني يجعل التشخيص ناقصا.
فالهجرة ليست مجرد قرار فردي، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية. ولا أحد يغامر بحياته في البحر لأنه قرأ منشورا على “تيك توك” فقط. بل لأنه فقد الإيمان بأن اليابسة تمنحه مستقبلا.
رابعا: غياب الحديث عن القاصرين
أظهرت صور وتقارير عديدة أن نسبة مهمة من المشاركين كانوا قاصرين، بل إن بعضهم أطفال. ورغم ذلك، لم يتوقف البلاغ عند هذه الظاهرة.
لم يتحدث عن مسؤولية الأسرة.
ولا عن المدرسة.
ولا عن المؤسسات الاجتماعية.
ولا عن برامج حماية الطفولة.
وكأن القاصر مجرد مهاجر صغير.
بينما الحقيقة أنه مشروع مواطن فشل الجميع في احتضانه.
خامسا: ماذا عن المسؤولية الأخلاقية؟
البلاغ تحدث عن فتح أبحاث قضائية. وهذا طبيعي.
لكنه لم يتحدث عن أي تقييم سياسي أو إداري لما حدث.
ولا عن استخلاص الدروس. ولا عن مراجعة السياسات العمومية المرتبطة بالشباب. وكأن كل المسؤولية توجد خارج الدولة. في المهربين. وفي الإشاعات. وفي القضاء الإسباني. وفي البحر. إلا داخل المنظومة نفسها.
وهذا ما يجعل البلاغ أقرب إلى الدفاع عن الأداء منه إلى مراجعة الذات.
سادسا: البحر ليس مجرد حدود
في أحد أجمل نصوصه كتب ألبير كامو:
“البحر يمنح الإنسان وهم الحرية.” لكن البحر المتوسط لم يعد يمنح الحرية. أصبح يمنح المقابر. وحين يقف آلاف الشباب على صخور الفنيدق أو بليونش، فهم لا ينظرون إلى أوروبا فقط. إنهم ينظرون إلى صورة أخرى عن الحياة. وهنا تكمن المأساة. فالمسافة بين المغرب وسبتة أقل من سبعين مترا. لكن المسافة بين الحلم والواقع أصبحت آلاف الكيلومترات.
سابعا: بلاغ جيد أمنيا لكنه ناقص سياسيا وإنسانيا
لا يمكن إنكار أن البلاغ كان دقيقا في عرضه للمعطيات، ومنظما في تسلسله، وواضحا في شرحه لبعض الملابسات القانونية. غير أن البلاغات الرسمية لا تقاس فقط بكمية المعلومات التي تقدمها. بل أيضا بالقيم التي تعكسها.
وكان يمكن لهذا البلاغ أن يكون أكثر اكتمالا لو جمع بين ثلاث رسائل في آن واحد:
فالبلاغ الذي يحمي صورة الدولة ينبغي، في الوقت نفسه، ألا يغفل صورة المواطن داخل تلك الدولة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن الحدود لا تحمى فقط بالأسلاك الشائكة والدوريات الأمنية، بل تحمى أيضا بالأمل.
وعندما يصبح البحر أكثر إقناعا من الوطن في نظر بعض شبابه، فإن السؤال لم يعد أمنيا فقط، بل أصبح سؤالا سياسيا وتنمويا وأخلاقيا بامتياز.
فالذين غرقوا لم يكونوا يبحثون عن البحر، بل كانوا يبحثون عن وطن يتسع لأحلامهم.
