Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

قانون مالية 2027 .. حين تصبح الأرقام امتحانا للوفاء بالتعاقد السياسي

ليست قيمة قانون المالية في حجم الاعتمادات التي يرصدها، ولا في عدد البرامج التي يعلن عنها، ولا حتى في جاذبية الأهداف التي يضعها أمام الرأي العام؛ فقيمته الحقيقية تقاس بقدرته على تحويل موارد الدولة إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، وعلى نقل التنمية من لغة المؤشرات إلى واقع الفرص والخدمات والعدالة الاجتماعية. ومن هذه الزاوية تحديدا، ينبغي قراءة مشروع قانون المالية لسنة 2027، باعتباره أكثر من وثيقة لتدبير الإيرادات والنفقات، وأبعد من مجرد تمرين سنوي لضبط التوازنات الاقتصادية؛ إنه اختبار سياسي لقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وترجمة خطابها الاجتماعي إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.

يضع المشروع أمام المغاربة حزمة واسعة من التدابير، تمتد من دعم القدرة الشرائية وإصلاح الضرائب، إلى التشغيل والتعليم والصحة والتنمية الترابية والسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وصولا إلى استثمار عمومي معلن يبلغ 400 مليار درهم. وهذه الأرقام، على أهميتها، تفتح سؤالا يتجاوز حجم الإنفاق إلى طبيعة أثره: هل ستنجح الدولة في جعل هذه الاعتمادات رافعة لتغيير شروط العيش والإنتاج، أم سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام مسافة واسعة بين طموح البرامج وسرعة إنجازها، وبين ما تعلنه الميزانية وما يلمسه المواطن في حياته اليومية؟

في الجانب الاجتماعي، يقترح المشروع مراجعة تدريجية للضريبة على الدخل خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع رفع الشريحة المعفاة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم سنويا، وتقليص عدد الشرائح وخفض السعر الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة. كما يتضمن رفعا تدريجيا للحد الأدنى للمعاشات، وتحسين معاشات الأرامل، ومواصلة الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالكهرباء والمواد الأساسية والحوار الاجتماعي.

هذه التدابير تحمل إمكانات حقيقية لتحسين الدخل المتاح للأسر، لكنها لا تصبح مكسبا اجتماعيا كاملا بمجرد إدراجها في مشروع قانون. فالأثر النهائي للإعفاءات الضريبية يختلف باختلاف مستويات الدخل، كما أن تحسين القدرة الشرائية لا يتوقف على ما يدخل إلى جيب المواطن، بل يتأثر أيضا بما يخرج منه مقابل الغذاء والسكن والنقل والعلاج والتعليم. لذلك، فإن أي تقييم جدي لهذه السياسة يجب أن ينطلق من حصيلة متكاملة: كم ستكسب الأسر فعليا؟ ومن هي الفئات الأكثر استفادة؟ وهل ستنعكس التدابير المعلنة على تخفيف الضغط عن الفئات المتوسطة والهشة، أم سيظل جزء من أثرها محاصرا بارتفاع كلفة المعيشة واختلالات الأسواق؟

والأهم أن دعم القدرة الشرائية لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن إصلاح البنية التي تنتج الغلاء. فالمشروع يرصد مليار درهم سنة 2027 لإحداث ست شركات جهوية أو منصات للتجميع والتسويق، وتحديث اثني عشر سوقا للجملة، وإصلاح مسالك اللحوم والأسماك وتوفير وحدات للتبريد المشترك. وهذه خطوة تستحق المتابعة، لأنها تلامس واحدة من أكثر حلقات الاقتصاد اليومي حساسية: المسافة بين المنتج والمستهلك، وما يتخللها من تكاليف وهوامش وساطة واختلالات في التوزيع.

لكن السؤال السياسي هنا ليس كم منصة ستحدث، بل هل ستغير فعلا قواعد السوق؟ وهل ستؤدي إلى تقليص الفارق بين السعر الذي يحصل به الفلاح على منتوجه والسعر الذي يؤديه المواطن؟ وهل ستتوفر آليات فعالة لمراقبة المنافسة ومحاربة الاحتكار وضمان الشفافية؟ إن معالجة الغلاء تبدأ من فهم أسبابه، لا من الاكتفاء بالتخفيف من نتائجه؛ ومن إصلاح السوق، لا من تحميل الأسر وحدها كلفة اختلالاته.

وفي ملف التشغيل، يبدو الرهان أكثر إلحاحا، خصوصا أمام الأعداد الكبيرة من الشباب الذين يغادرون المدرسة دون استكمال مسارهم الدراسي أو يواجهون صعوبة في الولوج إلى أول تجربة مهنية. ويتضمن المشروع توجيه نحو 280 ألف منقطع عن الدراسة سنويا إلى التكوين أو الشغل أو ريادة الأعمال، وإطلاق برنامج «أول عقد شغل» لفائدة 100 ألف مستفيد سنويا، وتوسيع فرص التجربة المهنية لتشمل ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.

غير أن سوق الشغل لا يحتاج فقط إلى برامج لإدماج الشباب، بل إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف مستقرة ومنتجة، وإلى منظومة تعليم وتكوين تستجيب للتحولات الصناعية والتكنولوجية، وإلى سياسة عمومية لا تجعل من الإدماج المؤقت غاية في حد ذاته. فالنجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد المستفيدين الذين عبروا من برنامج إلى آخر، وإنما بنسبة من حصلوا على عمل لائق، واستمروا فيه، وتحول دخلهم إلى استقلال اقتصادي واجتماعي حقيقي.

إن الفرق كبير بين تشغيل شاب لبضعة أشهر، وبناء مسار مهني يمنحه الثقة والكرامة والأفق. ومن هنا، فإن الرهان على «أول عقد شغل» ينبغي أن يقترن بتقييم دوري لجودة العقود واستمراريتها، وبمدى استفادة المقاولات من التكوين والتأهيل، وبقدرة هذه المبادرات على الحد من البطالة والهشاشة، لا مجرد تحسين الأرقام الظرفية.

أما في التعليم والصحة، فإن الأرقام المرصودة تبدو كبيرة: 121.3 مليار درهم لقطاع التربية والتعليم والتكوين، و45.4 مليار درهم للصحة، مع مناصب مالية جديدة وبرامج لبناء المؤسسات التعليمية وتأهيل المراكز الصحية والمستشفيات. لكن التجربة علمتنا أن حجم الميزانية لا يضمن وحده جودة الخدمة العمومية. فقد ترتفع الاعتمادات بينما تستمر معاناة الأسر مع الاكتظاظ، أو ضعف التجهيزات، أو نقص الموارد البشرية، أو تفاوت الولوج إلى العلاج بين المدن والقرى.

المطلوب إذن ليس فقط بناء المؤسسات، وإنما ضمان جاهزيتها وعملها المنتظم، وتوفير الأطر والمعدات والأدوية، وربط الإنفاق بمؤشرات واضحة للجودة والإنصاف. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الصحية بعدد المستشفيات المعلن عنها، بل بقدرته على الحصول على العلاج في الوقت المناسب وبكلفة لا تستنزف دخله. ولا يقيس إصلاح التعليم بعدد الأقسام التي شيدت، بل بمدى تحسن التعلمات، وتراجع الهدر المدرسي، وتكافؤ الفرص بين أبناء مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.

وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في السياسات العمومية: سهولة الإعلان عن المشاريع مقارنة بصعوبة ضمان أثرها. فالمشروع الذي لا يحدد بوضوح المسؤول عن تنفيذه، والآجال الملزمة، ومؤشرات التقدم، وآليات التقييم، قد يتحول إلى التزام مفتوح لا يعرف المواطن متى يتحقق، ولا يستطيع البرلمان مساءلة المسؤولين عنه على أساس نتائج دقيقة.

ولا يقل ملف التنمية الترابية أهمية عن هذه التحديات. فالمشروع يعلن تخصيص 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، منها 25 مليار درهم برسم سنة 2027، مع رفع التحويلات المالية الموجهة للجهات إلى ما بين 10 و12 مليار درهم. ويضع ضمن أولوياته التشغيل والخدمات الأساسية وتدبير الموارد المائية وتأهيل المناطق الجبلية والواحات والشريط الساحلي.

إنها فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين المركز والمجالات الترابية، وفي أسباب استمرار التفاوت بين جهات ومناطق تتوفر على إمكانات اقتصادية وبشرية مختلفة. غير أن ضخ الأموال في الجهات لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة المجالية، ما لم تتوافر حكامة محلية قادرة على تحديد الأولويات وفق حاجات السكان، وربط المشاريع بالتشغيل والخدمات، وتجاوز منطق توزيع الاعتمادات إلى منطق توزيع الفرص.

فالتنمية الترابية لا تقاس بعدد المشاريع المنجزة وحده، بل بقدرتها على الحد من اضطرار الشباب إلى مغادرة مناطقهم بحثا عن العمل والعلاج والتعليم، وعلى تحويل المجال القروي والمناطق المهمشة من فضاءات تنتظر تدخل الدولة إلى مجالات منتجة للثروة. وهذا يقتضي أن تكون الجهات والجماعات الترابية شريكا فعليا في القرار، لا مجرد قناة لتنفيذ برامج تحدد أولوياتها بعيدا عن الحاجات المحلية.

وفي المقابل، يراهن المشروع على استثمار عمومي يبلغ 400 مليار درهم، وعلى مشاريع كبرى في السكك الحديدية والطرق والموانئ والبنيات التحتية، إلى جانب دعم المنظومات الصناعية والبحث والابتكار والمقاولات الصغيرة والمتوسطة. وهذه الاستثمارات يمكن أن تعزز جاذبية الاقتصاد الوطني وتخلق فرصاً جديدة، لكنها تثير بدورها سؤالا جوهريا: كيف نضمن أن تتحول البنيات التحتية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد، لا إلى مجرد إنجازات عمرانية وهندسية منفصلة عن حياة الناس؟

ليس المطلوب المفاضلة بين الاستثمار الكبير والسياسة الاجتماعية، فكلاهما ضروري، وإنما بناء علاقة متوازنة بينهما. فالمشاريع الكبرى تكتسب معناها الاقتصادي والاجتماعي حين توسع فرص الإنتاج والتشغيل، وتربط المناطق الأقل استفادة بمراكز النشاط، وتمنح المقاولات الوطنية، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، فرصة حقيقية للمشاركة في سلاسل التوريد والإنجاز. أما إذا تركزت المنافع في دوائر محدودة، وظلت آثار الاستثمار على التشغيل والدخل ضعيفة، فإن ارتفاع حجم الإنفاق لن يكون كافيا لإقناع المواطن بأنه يعيش تحولا اقتصاديا ينعكس على حياته.

وتزداد هذه الأسئلة أهمية أمام التوازنات الماكرو اقتصادية التي يستهدف المشروع الحفاظ عليها، من خلال حصر عجز الميزانية في ثلاثة في المائة من الناتج الداخلي الخام، وتقليص نسبة مديونية الخزينة إلى 66.9 في المائة سنة 2027، وفق الأرقام الواردة في الموجز. فالانضباط المالي ضروري لحماية قدرة الدولة على التمويل والاستثمار، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية منفصلة عن الوظيفة الاجتماعية للميزانية. كما أن توسيع الإنفاق لا يكون ناجحا بمجرد رفع الاعتمادات، بل بمدى إنتاجه للنمو وفرص الشغل وتحسين الخدمات، وبقدرته على تجنب الهدر وضعف المردودية.

وفي هذا السياق، تستحق التدابير الجبائية بدورها نقاشا يتجاوز تفاصيل النسب والإعفاءات. فالمشروع يتضمن رفع الضريبة على الشركات بالنسبة إلى بعض شركات استيراد وتوزيع المحروقات ذات الأرباح الصافية التي تبلغ 100 مليون درهم أو أكثر، إلى جانب إجراءات أخرى تهم القطاع غير المهيكل والضرائب والرسوم. لكن العدالة الجبائية لا تتحقق بتعديل بعض المعدلات وحدها، وإنما ببناء نظام يوزع العبء الضريبي على نحو منصف، ويحد من التهرب والغش، ويضمن تكافؤ المعاملة بين الفاعلين الاقتصاديين، ويحمي المقاولات المنتجة من التعقيد واللايقين.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا هو ما إذا كانت الإصلاحات ستوسع الوعاء الضريبي وتحسن الامتثال، وتحد من الاقتصاد غير المهيكل، من دون أن تدفع صغار التجار والمقاولات الهشة إلى مزيد من الصعوبات. فإدماج النشاط غير المهيكل يحتاج إلى الثقة والتبسيط والتحفيز، بقدر ما يحتاج إلى المراقبة وتطبيق القانون.

وتبرز، أخيرا، مسألة الأولويات في الإعفاءات الضريبية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، التي ينص الموجز على منحها لفائدة الفيفا والاتحادات المشاركة والجهات الناقلة والمتعاقدين والمقاولين المعتمدين، وفق شروطها المحددة. لا خلاف على أهمية هذا الموعد الدولي بالنسبة إلى صورة المغرب وبنياته التحتية وجاذبيته الاستثمارية، لكن الاستعداد للتظاهرات الكبرى ينبغي أن يسير جنبا إلى جنب مع ضمان الشفافية في كلفتها ومنافعها وتوزيع آثارها الاقتصادية.

فالإعفاء الضريبي ليس إجراء بلا كلفة، حتى عندما لا يظهر في صورة نفقة مباشرة في الميزانية؛ إنه تنازل عن إيرادات محتملة، ولذلك يحتاج إلى تبرير اقتصادي واضح، وتحديد دقيق لنطاقه ومدته والمستفيدين منه، وتقييم للعائد الذي سيحققه للاقتصاد الوطني. والمغرب الذي يستعد لاستقبال العالم سنة 2030 يحتاج أيضا إلى أن يضمن أن إرث هذه الاستثمارات سيبقى في خدمة المواطنين بعد انتهاء المنافسة.

في المحصلة، يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أجندة واسعة وطموحة، لكن اتساع الأجندة لا يعفينا من مساءلة ترتيب الأولويات، ولا من التمييز بين الالتزام المعلن والنتيجة المحققة. فكل رقم في هذه الميزانية يقابله سؤال عن المستفيد، وكل برنامج يقابله سؤال عن الأثر، وكل وعد يقابله سؤال عن المسؤولية.

إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس أن تثبت قدرتها على إعلان مشاريع كثيرة أو تعبئة اعتمادات ضخمة، بل أن تقنع المغاربة بأن المال العام يتحول إلى تعليم أفضل، وعلاج متاح، وشغل لائق، وأسعار أكثر إنصافا، ومجالات ترابية لا يشعر سكانها بأنهم خارج خريطة التنمية. كما أن مسؤوليتها لا تنتهي عند تقديم المشروع والمصادقة عليه، بل تبدأ فعليا عند التنفيذ، حيث ينبغي أن تصبح النتائج قابلة للقياس، والتأخر قابلا للتفسير، والاختلال قابلا للمحاسبة.

وهنا يكمن جوهر التعاقد السياسي: ليس في أن تعد الحكومة بما يرغب المواطنون في سماعه، وإنما في أن تجعل ما تعد به قابلاً للتحقق، وأن تتيح للرأي العام مراقبة مساره والحكم على حصيلته. فالثقة لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالمسافة التي تنجح الدولة في اختصارها بين ما تقوله في الوثائق الرسمية وما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه.

قانون مالية 2027، بهذا المعنى، ليس امتحانا للميزانية فحسب؛ إنه امتحان لصدقية الاختيار الاجتماعي، ولقدرة الحكومة على تحويل الإمكانات المالية إلى عدالة ملموسة. فالمواطن لا ينتظر أن يسمع كم أنفقت الدولة، بقدر ما يريد أن يعرف ماذا تغير في حياته بفضل ما أنفقته.


شاهد أيضا

شاهد أيضا